لكن قد يقول مُلحِد: كيف تحتجُّون علينا بأحاديث إسلامية؟

3 دقائق قراءة 4 هوامش Read in English

هذا موضوع مهمٌّ "موضوع وثوقية السُّنة النبوية عقلًا" وسنفرد له موضوعًا مستقلًا إن شاء الله في المجلد القادم من هذا المشروع!

لكن بإيجاز أقول: إنَّ طريقة نقل الأخبار التي نصدق بها الأحداث التاريخية كحصول معركة قديمة أو وجود شخصية كرمسيس الثاني مثلًا، طريقة نقل هذه الأخبار لو أتتْ بأوثق طرق النقل فإنه بأوثق من هذه الطرق بألف مرة نُقلت إلينا الأحاديث النبوية.

فهناك منهجٌ علميٌّ توثيقيٌّ مُعتبَر في نقل الحديث النبوي منذ عهد الصحابة!

والعرب بطبيعتهم معروفون بأنهم من أكثر الأمم تحقيقًا في الرواية، وأكثرهم تدقيقًا في حفظ ما يروونه.

فالأحاديث النبوية نقلها أحفظ الناس وأصدق الناس.

فالذي يُشكك في وثوقية السُّنة النبوية عليه أن يُشكك في كل خبر أجمع البشر على وقوعه!

ومن نَظر بتجرُّد في طبيعة نقل المعرفة البشرية، ونَظر في الأحاديث النبوية الصحيحة، وعلم طريقة ضبطِها سيُدرِك أنَّ هذه الأحاديث يقينًا خرجت من فم النبي صلى الله عليه وسلم، فهذا أمرٌ لا يشك فيه ناظر بتجرُّد.

ولذلك قال بعض أهل العلم: "أَنَّ رَجُلًا لَوْ حَلَفَ بِالطَّلَاقِ أَنَّ جَمِيعَ مَا صححه البخاري في صحيحه خرج من فم النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فإنه لم يكذب في حَلفِهِ... لم يَحْنَثْ".1

ويكفي لمزيد بيان حُجية السُّنة عقلًا أن الحديث النبوي بإجماع المسلمين مستقلٌّ بتشريع الأحكام، ولا يخالف هذا إلا مَن لا حظ له من الإسلام كما قال الشوكاني.2

فعندما يُقرر جميعُ الفقهاء هذه القاعدةَ: أنَّ الأحكام التشريعية التي عليها مدارُ حياة الناس تُستمدُّ من الحديث الصحيح، فهذا تابعٌ لتسليمهم اليقيني بوثوقية نقل هذا الحديث الصحيح من فم النبي صلى الله عليه وسلم!

فأُمَّتُنا ليست من الأمم التي تتبع هواها في مصادر تلقي الشريعة، بل لا بد أنْ يكون المصدرُ قطعيَّ الثبوت عندهم حتى تُقام عليه الأحكام التشريعية.

فالتاريخ موضوعيٌّ، ومَن نظر فيه بتجرُّد سيعرف مصداقية الأمم في نقلها للأخبار من عدم مصداقيتها!

ولذلك مَن نظر في شواهد التاريخ ازداد يقينًا من وثوقية الحديث الصحيح عقلًا.

وسأذكر مثالًا من شواهد التاريخ على ما أقول: الحديث الأخير الذي أوردناه حديث "وَيْحَ عَمَّارٍ تَقْتُلُهُ الفِئَةُ البَاغِيَةُ" حين حصلت الفتنة يوم صفين كان كلُّ فريقٍ ينظر مَن سيقتل عمارًا، وحين قَتل بعض الرجال في جيش معاوية رضي الله عنه عمارًا قام عمرو بن العاص فزِعًا! 3

عمرو بن العاص انزعج حين علم أنَّ عمارًا قُتل على يد بعض الرجال في جيش معاوية رضي الله عنه.

طبعًا وكلا الفريقين كان مجتهدًا، فكان قتال فتنةٍ كما أخبر صلى الله عليه وسلم، فمعاوية كان يرى أنَّه لا بد من القصاص من قتلة عثمان، وكان عليٌّ رضي الله عن الجميع يرى تأجيل الأمر لحين اجتماع كلمة المسلمين، فحصلت هذه الفتنة وقُتل عمار، فعُلم أنَّ عليًّا كان أقرب الطائفتين إلى الحق، كما ورد في حديث مسلم.4

فالشاهد أنَّ وثوقية الحديث النبوي هي قضية عقلية وشواهد التاريخ كـ: انتظار الصحابة أيَّ الفريقين سيَقتل عمارًا تعطيك ميزانًا عقليًّا تُرجح به بيقين أنَّ هذا حديث خرج من فم النبي صلى الله عليه وسلم، وأنَّ الصحابة كانوا يعلمون أنَّ عمارًا سيُقتل لكنهم فقط يريدون أنْ يعرفوا أيَّ الفريقين أدنى للحق!

فهذا الحديث وحده برهانٌ مستقلٌّ على صحة الرسالة لمن تأمل!

الهوامش والمصادر

  1. 1

    أورده ابن الصلاح في مقدمة علوم الحديث عن: الحافظ أبي نصر الوايلي السِّجْزي.

  2. 2

    إرشاد الفحول، الشوكاني، ص33.

  3. 3

    الصحيح المسند، الوادعي ح:1012.

  4. 4

    صحيح مسلم ح:1064.