هل من الممكن ذِكْر شواهد أخرى من إخباره صلى الله عليه وسلم بالمُغيَّبات التي جرت بعد وفاته؟
ذات يومٍ قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم للحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهما قال: "ابْنِي هذا سَيِّدٌ، ولَعَلَّ اللَّهَ أنْ يُصْلِحَ به بيْنَ فِئَتَيْنِ مِنَ المُسْلِمِينَ".1
فحصل ما أخبر به صلى الله عليه وسلم بحرفه بعد ثلاثين عامًا من وفاته، حين حقَن الحسنُ بنُ علي الدماءَ، وأصلح اللهُ به بين فئتين عظيمتين من المسلمين.
فقد تنازل عن الخلافة لمعاوية رضي الله عنه، وسُمي هذا العام عام 41 هجرية بعام الجماعة، فقد اجتمعت كلمة المسلمين فيه على يد الحسن بن علي رضي الله عنهما، وتفرَّغت الأمة لنشر الإسلام بين الأمم.
وأخبر صلى الله عليه وسلم بفتح بيت المقدس بعد وفاته فقال: "موتي ثم فتح بيت المقدس".2
وقد حصل هذا بعد وفاته صلى الله عليه وسلم بخمس سنواتٍ فقط!
وبشَّر صلى الله عليه وسلم بفتح اليمن والشام والعراق، فحصل كلُّ هذا كما أخبر صلى الله عليه وسلم.

وبشَّر بفتح أكبر ممالك العالم: القسطنطينية وقد سُئِلَ صلى الله عليه وسلم: "أيُّ المدينتيْنِ تُفتحُ أولًا القسطنطينيةُ أو روميَّةُ؟ فقال رسولُ اللهِ: مدينةُ هرقلَ تُفتحُ أولًا: يعني قسطنطينيةَ".3
وحصل كما أخبر صلى الله عليه وسلم، فقد فُتحت القسطنطينية على يد محمد الفاتح رحمه الله.
وبشَّر صلى الله عليه وسلم بفتح مصر، فقال: "إنَّكُمْ سَتَفْتَحُونَ مِصْرَ، فإذا فَتَحْتُمُوها فأحْسِنُوا إلى أهْلِها".4
وقد فتحت مصر كما أخبر صلى الله عليه وسلم... فُتحت في زمن عمر بن الخطاب رضي الله عنه عام 21 هجرية على يد عمرو بن العاص!
وتروي كتب أهل الكتاب قصة فتح عمرو بن العاص لمصر، ففي كتاب السنكسار وهو كتاب كنسيٌّ يُقرأ في الكنائس أيام الأحد وأيام الأعياد النصرانية، في هذا الكتاب نقرأ كيف أنَّ الكنيسة القبطية كانت مضطهَدةً أشدَّ الاضطهاد من الرومان، وكان الكهنة والقساوسة هائمين على وجوههم في الصحراء، وكان الأنبا بنيامين بابا الكنيسة الأرثوذكسية في ذاك الوقت هاربًا في الصحراء لمدة ثلاثة عشر عامًا بعد أن قتلوا أخاه أمام عينيه!
وكان هذا حال كل قساوسة الكنيسة، فالكل هاربٌ في الصحراء من بطش الرومان.
وبدخول عمرو بن العاص إلى مصر فاتحًا، أرسل إلى الأنبا بنيامين ليدير الكنيسة، يقول السنكسار: "أما عمرو بن العاص فإذ علم باختفاء البابا بنيامين، أرسل كتابًا إلى سائر البلاد المصرية يقول فيه: الموضع الذي فيه بنيامين بطريرك النصارى القبط له العهد والأمان والسلام، فليحضرْ آمنًا مطمئنًّا ليدبر شعبه وكنائسه"، فحضر الأنبا بنيامين بعد أن قضى ثلاث عشرة سنةً هاربًا، وأكرمه عمرو بن العاص إكرامًا زائدًا، وأمر أن يتسلم كنائسه وأملاكها.5
