الرئيسية صحة الإسلام الإخبارُ بالمُغيَّباتِ
السؤال 71

لكن قد يقول مُلحِد: كيف تحتجُّون علينا بأحاديث إسلامية؟

هذا موضوع مهمٌّ "موضوع وثوقية السُّنة النبوية عقلًا" وسنفرد له موضوعًا مستقلًا إن شاء الله في المجلد القادم من هذا المشروع!

لكن بإيجاز أقول: إنَّ طريقة نقل الأخبار التي نصدق بها الأحداث التاريخية كحصول معركة قديمة أو وجود شخصية كرمسيس الثاني مثلًا، طريقة نقل هذه الأخبار لو أتتْ بأوثق طرق النقل فإنه بأوثق من هذه الطرق بألف مرة نُقلت إلينا الأحاديث النبوية.

فهناك منهجٌ علميٌّ توثيقيٌّ مُعتبَر في نقل الحديث النبوي منذ عهد الصحابة!

والعرب بطبيعتهم معروفون بأنهم من أكثر الأمم تحقيقًا في الرواية، وأكثرهم تدقيقًا في حفظ ما يروونه.

فالأحاديث النبوية نقلها أحفظ الناس وأصدق الناس.

فالذي يُشكك في وثوقية السُّنة النبوية عليه أن يُشكك في كل خبر أجمع البشر على وقوعه!

ومن نَظر بتجرُّد في طبيعة نقل المعرفة البشرية، ونَظر في الأحاديث النبوية الصحيحة، وعلم طريقة ضبطِها سيُدرِك أنَّ هذه الأحاديث يقينًا خرجت من فم النبي صلى الله عليه وسلم ، فهذا أمرٌ لا يشك فيه ناظر بتجرُّد.

ولذلك قال بعض أهل العلم: "أَنَّ رَجُلًا لَوْ حَلَفَ بِالطَّلَاقِ أَنَّ جَمِيعَ مَا صححه البخاري في صحيحه خرج من فم النبي صلى الله عليه وسلم فإنه لم يكذب في حَلفِهِ... لم يَحْنَثْ"[1].

ويكفي لمزيد بيان حُجية السُّنة عقلًا أن الحديث النبوي بإجماع المسلمين مستقلٌّ بتشريع الأحكام، ولا يخالف هذا إلا مَن لا حظ له من الإسلام كما قال الشوكاني[2].

فعندما يُقرر جميعُ الفقهاء هذه القاعدةَ: أنَّ الأحكام التشريعية التي عليها مدارُ حياة الناس تُستمدُّ من الحديث الصحيح، فهذا تابعٌ لتسليمهم اليقيني بوثوقية نقل هذا الحديث الصحيح من فم النبي صلى الله عليه وسلم !

فأُمَّتُنا ليست من الأمم التي تتبع هواها في مصادر تلقي الشريعة، بل لا بد أنْ يكون المصدرُ قطعيَّ الثبوت عندهم حتى تُقام عليه الأحكام التشريعية.

فالتاريخ موضوعيٌّ، ومَن نظر فيه بتجرُّد سيعرف مصداقية الأمم في نقلها للأخبار من عدم مصداقيتها!

ولذلك مَن نظر في شواهد التاريخ ازداد يقينًا من وثوقية الحديث الصحيح عقلًا.

وسأذكر مثالًا من شواهد التاريخ على ما أقول: الحديث الأخير الذي أوردناه حديث "وَيْحَ عَمَّارٍ تَقْتُلُهُ الفِئَةُ البَاغِيَةُ" حين حصلت الفتنة يوم صفين كان كلُّ فريقٍ ينظر مَن سيقتل عمارًا، وحين قَتل بعض الرجال في جيش معاوية رضي الله عنه عمارًا قام عمرو بن العاص فزِعًا![3]

عمرو بن العاص انزعج حين علم أنَّ عمارًا قُتل على يد بعض الرجال في جيش معاوية رضي الله عنه .

طبعًا وكلا الفريقين كان مجتهدًا، فكان قتال فتنةٍ كما أخبر صلى الله عليه وسلم ، فمعاوية كان يرى أنَّه لا بد من القصاص من قتلة عثمان، وكان عليٌّ رضي الله عن الجميع يرى تأجيل الأمر لحين اجتماع كلمة المسلمين، فحصلت هذه الفتنة وقُتل عمار، فعُلم أنَّ عليًّا كان أقرب الطائفتين إلى الحق، كما ورد في حديث مسلم[4].

فالشاهد أنَّ وثوقية الحديث النبوي هي قضية عقلية وشواهد التاريخ كـ: انتظار الصحابة أيَّ الفريقين سيَقتل عمارًا تعطيك ميزانًا عقليًّا تُرجح به بيقين أنَّ هذا حديث خرج من فم النبي صلى الله عليه وسلم ، وأنَّ الصحابة كانوا يعلمون أنَّ عمارًا سيُقتل لكنهم فقط يريدون أنْ يعرفوا أيَّ الفريقين أدنى للحق!

فهذا الحديث وحده برهانٌ مستقلٌّ على صحة الرسالة لمن تأمل!

72- هل من الممكن ذِكْر شواهد أخرى من إخباره صلى الله عليه وسلم بالمُغيَّبات التي جرت بعد وفاته؟

ذات يومٍ قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم للحسن بن علي بن أبي طالب ﭭ قال: "ابْنِي هذا سَيِّدٌ، ولَعَلَّ اللَّهَ أنْ يُصْلِحَ به بيْنَ فِئَتَيْنِ مِنَ المُسْلِمِينَ"[5].

فحصل ما أخبر به صلى الله عليه وسلم بحرفه بعد ثلاثين عامًا من وفاته، حين حقَن الحسنُ بنُ علي الدماءَ، وأصلح اللهُ به بين فئتين عظيمتين من المسلمين.

فقد تنازل عن الخلافة لمعاوية رضي الله عنه ، وسُمي هذا العام عام 41 هجرية بعام الجماعة، فقد اجتمعت كلمة المسلمين فيه على يد الحسن بن علي ﭭ، وتفرَّغت الأمة لنشر الإسلام بين الأمم.

وأخبر صلى الله عليه وسلم بفتح بيت المقدس بعد وفاته فقال: "موتي ثم فتح بيت المقدس"[6].

وقد حصل هذا بعد وفاته صلى الله عليه وسلم بخمس سنواتٍ فقط!

وبشَّر صلى الله عليه وسلم بفتح اليمن والشام والعراق، فحصل كلُّ هذا كما أخبر صلى الله عليه وسلم .

وبشَّر بفتح أكبر ممالك العالم: القسطنطينية وقد سُئِلَ صلى الله عليه وسلم : "أيُّ المدينتيْنِ تُفتحُ أولًا القسطنطينيةُ أو روميَّةُ؟ فقال رسولُ اللهِ: مدينةُ هرقلَ تُفتحُ أولًا: يعني قسطنطينيةَ"[8].

وحصل كما أخبر صلى الله عليه وسلم ، فقد فُتحت القسطنطينية على يد محمد الفاتح رحمه الله .

وبشَّر صلى الله عليه وسلم بفتح مصر، فقال: "إنَّكُمْ سَتَفْتَحُونَ مِصْرَ، فإذا فَتَحْتُمُوها فأحْسِنُوا إلى أهْلِها".

وقد فتحت مصر كما أخبر صلى الله عليه وسلم ... فُتحت في زمن عمر بن الخطاب رضي الله عنه عام 21 هجرية على يد عمرو بن العاص!

وتروي كتب أهل الكتاب قصة فتح عمرو بن العاص لمصر، ففي كتاب السنكسار وهو كتاب كنسيٌّ يُقرأ في الكنائس أيام الأحد وأيام الأعياد النصرانية، في هذا الكتاب نقرأ كيف أنَّ الكنيسة القبطية كانت مضطهَدةً أشدَّ الاضطهاد من الرومان، وكان الكهنة والقساوسة هائمين على وجوههم في الصحراء، وكان الأنبا بنيامين بابا الكنيسة الأرثوذكسية في ذاك الوقت هاربًا في الصحراء لمدة ثلاثة عشر عامًا بعد أن قتلوا أخاه أمام عينيه!

وكان هذا حال كل قساوسة الكنيسة، فالكل هاربٌ في الصحراء من بطش الرومان.

وبدخول عمرو بن العاص إلى مصر فاتحًا، أرسل إلى الأنبا بنيامين ليدير الكنيسة، يقول السنكسار: "أما عمرو بن العاص فإذ علم باختفاء البابا بنيامين، أرسل كتابًا إلى سائر البلاد المصرية يقول فيه: الموضع الذي فيه بنيامين بطريرك النصارى القبط له العهد والأمان والسلام، فليحضرْ آمنًا مطمئنًّا ليدبر شعبه وكنائسه"، فحضر الأنبا بنيامين بعد أن قضى ثلاث عشرة سنةً هاربًا، وأكرمه عمرو بن العاص إكرامًا زائدًا، وأمر أن يتسلم كنائسه وأملاكها[10].

73- وماذا عن أحداث آخر الزمان الغيبية التي تنبَّأ بها النبيُّ صلى الله عليه وسلم ؟

أخبر النبيُّ محمد صلى الله عليه وسلم بأنَّ من علامات الساعة أنْ يتطاول رعاةُ الأغنام
في البنيان، فقال: "وأَنْ تَرَى الحُفاةَ العُراةَ العالَةَ رِعاءَ الشَّاءِ يَتَطاوَلُونَ في البُنْيانِ"[11].

الحُفاةَ العُراةَ العالَةَ: هذه كلها صفات للفقر الشديد.

رِعاءَ الشَّاءِ: رعاة أغنام.

سوف تحصل لهم نقلة اقتصادية كبرى، فيتطاولون في البنيان!

يَتَطاوَلُونَ في البُنْيانِ: يَتَنافَسونَ في ارْتِفاعِهِ وكَثْرَتِهِ[12].

كل مجموعةٍ تتحدى الأخرى أيتها أطول بنيانًا.

وعندما سئل صلى الله عليه وسلم عن هؤلاء الحُفاةِ العُراةِ العالَةِ رِعاءِ الشَّاءِ مَن يقصد بهم؟

قال: العرب.

سُئل صلى الله عليه وسلم : "يا رسولَ اللهِ ومن أصحابُ الشاءِ والحُفاةُ الجِياعُ العالةُ قال: العَرَبُ"[13].

فهذا التطاول في البنيان سيحصل في جزيرة العرب!

واليوم أنتم تَرون كيف أنَّ الخليج العربي صار أشبه بظاهرة خرسانية عملاقة.

وهاهو برج خليفة أعلى بنيان شيَّده إنسان على وجه الأرض... أطول برج في العالم يقع اليوم في بلاد العرب.

وجدة تستعدُّ هذا العام لبرج أطول منه... برج المملكة، ليصبح أطول برج في العالم بارتفاع ألف متر!

لقد أصبح التطاولُ في البنيان سمةً ظاهرةً في مدن الخليج!

وهذا من دلائل نبوته صلى الله عليه وسلم .

وأخبر صلى الله عليه وسلم أنَّ من علامات الساعة انتشار الزنا وظهوره!

فقال: "إنَّ مِن أشْراطِ السَّاعَةِ: أنْ يُرْفَعَ العِلْمُ ويَثْبُتَ الجَهْلُ، ويُشْرَبَ الخَمْرُ، ويَظْهَرَ الزِّنا"[15].

أنْ يُرْفَعَ العِلْمُ ويَثْبُتَ الجَهْلُ: يُرفع العلم الشرعيُّ وينتشر الجهل، وبالفعل فقد قلَّ العلماء وقلَّ طلاب العلم، وظهر الجهل بأصول الدين بين الأجيال الجديدة بصورة غير مسبوقة في تاريخ هذه الأمة!

ويُشْرَبَ الخَمْرُ، ويَظْهَرَ الزِّنا: أما ظهور الزنا في العالم فهذا لم يحصل عبر التاريخ الإنساني بهذه الصورة إلا منذ سنوات قليلة في الغرب، فقد ظهر الزنا في الغرب وتقبَّلَه الناس بكل أريحية، بعد أن كان ممقوتًا عبر كل التاريخ الغربي.

ظهر الزنا وانتشرت المواقع الإباحية!

ولو لاحظتم في الحديث الربط العجيب بين: رفع العِلم وظهور الزنا!

فإذا رُفع العلم الشرعي بدأ الفساد الأخلاقي في الظهور.

إذا قلَّ أهل العلم اتخذ الناس رؤوسًا جهالًا فأفتوا بغير علم، فزالت الخشية من القلوب، وتجرَّأ الناس على الفواحش نسأل الله أن يحفظ الأجيال القادمة.

ولن تقوم الساعة حتى يتهارج الناس تهارُج الحُمُر: " يَتَهَارَجُونَ تَهَارُجَ الحُمُرِ"[16].

يَتَهَارَجُونَ تَهَارُجَ الحُمُرِ: أي يرتكبون الفاحشة في حضرة الناس لا يكترثون لذلك.

وأخبر صلى الله عليه وسلم أنَّ بلاد العرب قبل يوم القيامة ستعود مُروجًا وأنهارًا!

"لا تَقُومُ السَّاعَةُ حتَّى يَكْثُرَ المالُ ويَفِيضَ، حتَّى يَخْرُجَ الرَّجُلُ بزَكاةِ مالِهِ فلا يَجِدُ أحَدًا يَقْبَلُها منه، وحتَّى تَعُودَ أرْضُ العَرَبِ مُرُوجًا وأَنْهارًا"[18].

سوف تؤدي الوفرة والرخاء أو تغيرات مَناخية معينة إلى عودة ظهور المروج والأنهار في بلاد العرب، وهذا كله مُتوقَّع في الأعوام القادمة، وقد بدأت تظهر تباشير ذلك واضحة في بلاد العرب.

وسمعنا قبل شهور عن محاولاتٍ حقيقيةٍ فعليةٍ لإحضار جبل من الجليد إلى الإمارات لإحداث تغيرات مناخية.

فلا تقوم الساعةُ حتى تعود أرض العرب مروجًا وأنهارًا!

ولاحظ كلمة: "حتَّى تَعُودَ"... حتَّى تَعُودَ أرْضُ العَرَبِ مُرُوجًا وأَنْهارًا.

وهذا خبر من النبي صلى الله عليه وسلم يُفهم منه أنَّ أرض العرب في الأزمنة القديمة كانت مروجًا وأنهارًا، وسوف تعود مرة أخرى مروجًا وأنهارًا.

فهل كانت أرض العرب في الأزمنة القديمة مروجًا وأنهارًا فعلًا وليست مجرد صحراء كما نراها اليوم؟

في عام 2012 أعلنت جامعة أوكسفورد عن تشكيل فريق علمي برئاسة ميشيل بتراليا Michael Petraglia مدير مركز دراسات الآثار الآسيوية، وكانت مهمة هذا الفريق دراسة تضاريس الجزيرة العربية وأثناء دراسة التضاريس، تم اكتشاف شبكة قديمة من وديان الأنهار، وأحواض البحيرات مطمورة تحت رمال جزيرة العرب[19].

وهذا مصدر الدراسة من موقع جامعة أوكسفورد: لقد تبيَّن أن شبكة أنهار وبحيرات كانت تجري يومًا ما في جزيرة العرب[20].

وهذه إحدى الصور التي أخرجها الفريق العلمي لوديان الأنهار في جزيرة العرب:

فمن الذي أخبر محمدًا صلى الله عليه وسلم بحال جزيرة العرب قبل آلاف السنين؟

ومَن الذي أخبر النبي محمدًا صلى الله عليه وسلم أنَّ الناس قبل يوم القيامة سيتركون ركوب الدواب، مع أنَّ هذا أمر لم تكن تتخيَّله العرب زمن البعثة النبوية، فالدواب عليها يُحملون وعليها يضعون أثقالهم في السفر: {وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ} [النحل: 7].

فأخبر صلى الله عليه وسلم أنَّ الناس سيتركون هذه الدواب، فلا يركبون عليها، فقال صلى الله عليه وسلم : "ولَتُتْرَكَنَّ القِلاصُ فلا يُسْعَى عليها"[22].

تُترك فلا تُركب ولا تُمتطى!

لكن البعض هنا قد يستشكل أنَّ ترك القلاص يكون في نهاية الزمان، وفي وقت المِحن الكبرى، ونزول عيسى ابن مريم عليه السلام ، وهذا صحيح لكن هذا لا يمنع أيضًا أن تُترك قبل هذا الزمن بوقت، خاصةً وأنَّ النبي صلى الله عليه وسلم تحدَّث في آيات آخر الزمان عن مركباتٍ سيستحدثها البشر، فقال: " سيكونُ في آخِرِ أمَّتي رجالٌ يركَبونَ على سُروجٍ كأشباهِ الرِّحالِ ينزِلونَ على أبوابِ المساجدِ نساؤُهم كاسياتٌ عارياتٌ على رؤوسِهنَّ كأسنمةِ البُخْتِ العِجافِ"[23].

سُروجٍ كأشباهِ الرِّحالِ: هل هذه صورة مُتعينة في شيءٍ أكثر مما هي متعينة في المركبات الحديثة... السيارات؟

كأشباهِ الرِّحالِ: ليست رحال، ولكنها شيءٌ يشبه الرحال.

ولو أكملنا الحديث سنفهم أنَّ المقصود بالفعل مركبات حديثة بها أناسٌ مُترفون.

ينزِلونَ على أبوابِ المساجدِ نساؤُهم كاسياتٌ عارياتٌ على رؤوسِهنَّ كأسنمةِ البُخْتِ العِجافِ!

كأسنمةِ البُخْتِ العِجافِ: فهذا شكل أصحاب الترف من النساء في زماننا.

فهذا التوصيف: "نساؤُهم كاسياتٌ عارياتٌ على رؤوسِهنَّ كأسنمةِ البُخْتِ العِجافِ"، لا يكون لمن يركب جمل أو دابة بحيث أنَّ زوجته من خلفه تجلس كاسية عارية رأسَها كأسنمةِ البُخْتِ، هذا ليس حال من يركب الدواب، وإنما لمن يركب سيارة ينزل على باب المسجد، وزوجته في السيارة زيُّها يفتن الناس، ورأسها تبدو من السيارة كأسنمةِ البُخْتِ العِجافِ.

فهذا توصيف لمن يركبون مركبات حديثة، والله أعلم.

وأخبر صلى الله عليه وسلم بفُشُوِّ التجارة في آخر الزمان، فقال صلى الله عليه وسلم : "إنَّ بين يديِ الساعةِ تسليمَ الخاصةِ، وفشوَ التجارةِ حتى تُعينَ المرأةُ زوجَها على التجارةِ، وقطعَ الأرحامِ، وشهادةَ الزُّورِ، وكتمانَ شهادةِ الحقِّ، وظهورَ القلمِ"[24].

تسليمَ الخاصةِ: يعني لا تُسلم إلا على من تَعرِف!

وفشوَّ التجارةِ: حيث تنتشر التجارة بصورة عظيمة في العالم، واليوم هذا مُشاهد بقوة!

انظروا إلى حجم التجارة العالمية كيف أصبح؟

حتى تُعينَ المرأةُ زوجَها على التجارةِ: نزول المرأة بصورة مكثفة إلى سوق العمل.

وقطعَ الأرحامِ، وشهادةَ الزُّورِ، وكتمانَ شهادةِ الحقِّ: وهذا كله مُشَاهد اليوم.

وظهورَ القلمِ: انمحت الأمية من أغلب بلاد العالم، ومع ذلك رُفع العِلم، فقد قلَّ الاهتمام بالعلم الشرعي.

وأخبر صلى الله عليه وسلم بأنَّه: "لا تَقومُ السَّاعةُ حتى تَظهَرَ الفِتَنُ، ويَكثُرَ الكَذِبُ وتتقارَبَ الأسواقُ"[25].

ويَكثُرَ الكَذِبُ: ترون كيف كَثُرَ الكذب، فأغلب المعلومات التي نستقيها من مواقع التواصل مؤخرًا صارت مشكوكًا في صحتها... كَثُر الكذب!

وتتقارَبَ الأسواقُ: تجد الرجل في بيته يتاجر بماله في شرق العالم وغربه في نفس الوقت، وتنتقل التجارات العملاقة بين أسواق العالم في ساعاتٍ قليلةٍ، فقد تقاربت الأسواق جدًّا، وتقاربت حتى في أماكنها فتجد السوق "المول الكبير" بجواره في نفس الشارع مول كبير آخر!

وأخبر صلى الله عليه وسلم أنه قبل قيام الساعة سوف ينقلب الناس وتتبدَّل المفاهيم!

فقال صلى الله عليه وسلم : "سيأتِي على الناسِ سنواتٌ خدَّاعاتٌ، يُصدَّقُ فيها الكاذِبُ، ويُكذَّبُ فيها الصادِقُ، ويُؤتَمَنُ فيها الخائِنُ، ويُخوَّنُ الأمينُ، وينطِقُ فيها الرُّويْبِضَةُ. قِيلَ: وما الرُّويْبِضةُ؟ قال: الرجُلُ التّافِهُ يتَكلَّمُ في أمرِ العامةِ"[26].

ظَهَر الحمقى، وكُذِّب أصحاب الدعوات الصادقة، وتبدَّلت الكثير من المفاهيم!

{فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا} [محمد: 18].

أشراط الساعة جاءت ونراها بأعيننا والله.

وأخبر صلى الله عليه وسلم أنَّ الأمم سوف تتداعى علينا: "يُوشِكُ أن تَدَاعَى عليكم الأممُ من كلِّ أُفُقٍ، كما تَدَاعَى الْأَكَلَةُ إلى قَصْعَتِها، قيل: يا رسولَ اللهِ! فمِن قِلَّةٍ يَوْمَئِذٍ؟ قال لا، ولكنكم غُثاءٌ كغُثاءِ السَّيْلِ، يُجْعَلُ الْوَهَنُ في قلوبِكم، ويُنْزَعُ الرُّعْبُ من قلوبِ عَدُوِّكم؛ لِحُبِّكُمُ الدنيا وكَرَاهِيَتِكُم الموتَ".

الأمة الإسلامية عددها كبير جدًّا لكنها غير مؤثرة في العالم!

فهل وجدتم زمانًا تنطبق فيه هذا النبوءة كزماننا؟

وأخبر صلى الله عليه وسلم أنَّ المال سيكثر في أمتنا ويفيض، فقال صلى الله عليه وسلم : "لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حتَّى يَكْثُرَ فِيكُمُ المَالُ، فَيَفِيضَ".

وبالفعل أصبحت بعض البلاد الإسلامية اليوم من أعلى مجتمعات العالم رفاهةً، وأكثرها دخلًا على الإطلاق!

وأخبر صلى الله عليه وسلم أنَّ من علامات الساعة أن تُخرج الأرض كنوزها بكميات كبيرة حتى يُستغنى عن المال لكثرته، فقال صلى الله عليه وسلم : " تَقِيءُ الأرْضُ أفْلاذَ كَبِدِها، أمْثالَ الْأُسْطُوانِ مِنَ الذَّهَبِ والْفِضَّةِ، فَيَجِيءُ القاتِلُ فيَقولُ: في هذا قَتَلْتُ، ويَجِيءُ القاطِعُ فيَقولُ: في هذا قَطَعْتُ رَحِمِي، ويَجِيءُ السَّارِقُ فيَقولُ: في هذا قُطِعَتْ يَدِي، ثُمَّ يَدَعُونَهُ فلا يَأْخُذُونَ منه شيئًا".

وكل يوم هناك تطور في طرق استخراج المعادن النفيسة من باطن الأرض، وقد تظهر آلية متطورة تجعل إخراج الذهب والمعادن النفيسة من الأرض أمرًا يسيرًا فحينها تقلُّ قيمتها ويزهدها الناس!

فإذا زاد استخراج الذهب، وكثُر المعروض، قلَّ الطلب، وبدأ الناس يألمون؛ لأنهم ارتكبوا الذنوب والمعاصي في سبيل الحصول على هذا العرض التافه: "فَيَجِيءُ القاتِلُ فيَقولُ: في هذا قَتَلْتُ، ويَجِيءُ القاطِعُ فيَقولُ: في هذا قَطَعْتُ رَحِمِي، ويَجِيءُ السَّارِقُ فيَقولُ: في هذا قُطِعَتْ يَدِي، ثُمَّ يَدَعُونَهُ فلا يَأْخُذُونَ منه شيئًا": يزهدون فيه لكثرته!

وأثناء كتابتي لهذا الكتاب حصل انهيار تاريخي في أسعار الذهب الأسود "النفط الخام الأمريكي"، فنتيجةً لكثرة المعروض، صار يُباع بسالب سبعة وثلاثين دولارًا للبرميل في العقود الآجلة.

يعني تشتري برميل نفط، وتحصل على سبعٍ وثلاثين دولارًا من البائع!

فائض إنتاج ضخم، أدَّى لحصول مشكلة في أماكن تخزين النفط، فأصبح يُباع بالسالب!

الأحاديث في باب الإخبار بالمغيبات التي وقعت كثيرةٌ، والأحاديث في باب الإخبار بعلامات قرب الساعة والتي نراها اليوم أمام أعيننا أيضًا كثيرةٌ، لكن أنا هدفي فقط استحضار شيء من الأدلة في كل باب، وليس حصر كل أدلة الباب... فأنَّى لمثلي بهذا؟

وأنا أختم هذا الكتاب ببشارة النبي محمد صلى الله عليه وسلم بانتشار دين الله في كل مكان، وفي كل بيت على وجه الأرض قبل يوم القيامة، وقبل نزول الآيات الكبرى!

فكما أنَّ هناك ضَعفًا ووهنًا سيصيب هذه الأمة، إلا أنَّ هناك عودة قوية لدين الله بعد هذا الوهن، وهناك انتشار عظيم لدين الله سيحصل!

وسيعود مجد الإسلام قبل قيام الساعة.

"لا يَبْقى على ظَهرِ الأرضِ بَيتُ مَدَرٍ ولا وَبَرٍ إلَّا أدْخَلَه اللهُ كَلِمةَ الإسلامِ"[30].

بل وسوف تُفتح روميَّة قبل قيام الساعة!

"سُئِلَ رسولُ اللهِ: أيُّ المدينتيْنِ تُفتحُ أولًا القسطنطينيةُ أو روميَّةُ؟ فقال رسولُ اللهِ: مدينةُ هرقلَ تُفتحُ أولًا: يعني قسطنطينيةَ"[31].

وقد فُتحت القسطنطينية على يد محمد الفاتح بعد ثمانمائة عام من هذه البشارة، وسوف تفتح رومية، شاء العالم أو أبى!

{فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ} [إبراهيم: 47].

فمتى عُدنا لدين الله عاد المجد لهذه الأمة وهذا سيحصل ولا بد: "واللَّهِ لَيُتِمَّنَّ هذا الأمْرَ"[32].

وسوف يدخل الإسلامُ كلَّ بيت على وجه الأرض قَبِله من قَبِله وتركه من تركه.

بل ويُبشر صلى الله عليه وسلم أنَّ هذا الدين سينتشر في جنبات الأرض، وأنَّ أمة المسلمين سيكونون نصف أهل الجنة وأكثر: "إنِّي لَأَرْجُو أنْ تَكُونُوا نِصْفَ أهْلِ الجَنَّةِ"[33].

أُمَّة عظيمة تملأ الآفاق!

وبفضل الله ومع ما نحن فيه من ضعف إلا أنَّ الإسلام صار ينتشر بالفعل وبقوة!

والإسلام اليوم هو أسرع ديانات الأرض انتشارًا وأثرًا على الإطلاق!

ولم يبقَ إلا الإسلام وبقايا ديانات وعلمانية... هذا شكل الأرض اليوم!

فسوف يصل الإسلامُ لمرحلة أنَّه سيدخل كل بيت على وجه الأرض، وسيعود المجد لهذه الأمة مرةً أخرى، ووالله لتُفتَحنَّ روميَّة!

أصلح اللهُ البلاد والعباد

اللهم آمين.

***

المراجع

  1. 1 أورده ابن الصلاح في مقدمة علوم الحديث عن: الحافظ أبي نصر الوايلي السِّجْزي.
  2. 2 إرشاد الفحول، الشوكاني، ص33.
  3. 3 الصحيح المسند، الوادعي ح:1012.
  4. 4 صحيح مسلم ح:1064.
  5. 5 صحيح البخاري ح:7109.
  6. 6 صحيح البخاري ح:3176.
  7. 7 صحيح مسلم ح:2543.
  8. 8 السلسلة الصحيحة ح:4.
  9. 9 صحيح مسلم ح:2543.
  10. 10 السنكسار، الجزء الأول، ص249، طبعة مكتبة المحبة.
  11. 11 صحيح مسلم ح:8.
  12. 12 مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح، م1 ص50.
  13. 13 مسند أحمد، ح:2926، سند الحديث: صحيح.
  14. 14 صحيح الجامع ح:8183.
  15. 15 صحيح البخاري ح:80.
  16. 16 صحيح مسلم ح:2937.
  17. 17 صحيح الجامع ح:8183.
  18. 18 صحيح مسلم ح:157.
  19. 19 Michael Petraglia and Huw Grouchutt: The Prehistory of the Arabian Peninsula: Deserts, Dispersals, and Demography, Evolutionary Anthropology, 21: 113–125 (2012).
  20. 20 www.ox.ac.uk/news/2012-04-30-ancient-network-rivers-and-lakes-found-arabian-desert
  21. 21 نقلًا عن: تفسير القرآن بالسريانية، د. بهاء الأمير.
  22. 22 متفق عليه، صحيح البخاري ح: 3448، صحيح مسلم ح:155.
  23. 23 صحيح ابن حبان ح:5753.
  24. 24 السلسلة الصحيحة ح:647.
  25. 25 متفق عليه، صحيح البخاري ح:1036، صحيح مسلم ح:157.
  26. 26 صحيح الجامع ح:3650.
  27. 27 صحيح الجامع ح:8183.
  28. 28 صحيح البخاري ح:1412.
  29. 29 صحيح مسلم ح:1013.
  30. 30 تخريج المسند ح:23814، سند الحديث: صحيح.
  31. 31 السلسلة الصحيحة ح:4.
  32. 32 صحيح البخاري ح:3612.
  33. 33 صحيح البخاري ح:6528.
التالي → 1 - لماذا ما زالت هناك شبهات؟ لماذا لا يكون الدين بلا شبهات؟ ألي ← السابق 68 - والآن أريد برهانًا على صحة الإسلام بجانب القرآن الكريم؟