ج: هذه النوعية من الأسئلة تُبيِّن عدم استيعاب معنى التكليف الإلهي... معنى الاختبار الإيماني... معنى الدين.
فالدين يقوم على بديهة وجود نسبة متشابه... نسبة شُبُهات، ليَميز الله الخبيث من الطيب.
فوجود هذا المتشابه هو: مقتضًى طبيعيٌّ للتكليف الإلهي... مقتضًى طبيعيٌّ للاختبار.
فأنت ترى شيئًا يشتبه عليك فهمه فيضلُّ من يريد الضلال بهذا الشيء، ويَثْبُت من يريد الحق؛ لما عنده من أدلة قطعية على الإيمان.
ماذا أراد الله بهذا الشيء الذي يخفى علينا؟
فيتزلزل إيمان مَن يريد الضلال، ويتأكد الإيمان في قلوب آخرين، ولله الحكمة البالغة في كل هذا.
فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ: يفهمون مراد الله من كلامه، وما لم يفهموه يَكِلون علمه وحكمته إلى الله، وهذا موقف المؤمن.
فمن البديهي أن تجد الشبهات في دين الله حتى يتْبَعَها مَن يريد الكفر.
فهناك مُحكَمٌ، وهناك مُتشابِهٌ.
آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ: المُحكَم هو أدلَّة الدين، وأدلَّة صحة الرسالة، والأمور القطعية الثابتة، فهذه كلها مُحكَمات، وهُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ.
وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ: المتشابه هو ما استغلق فهمُهُ، أو خفيت حكمته على بعض الناس أو كلهم.
فالذي في قلبه زَيْغٌ أو مرض سيتبع هذا المتشابه... سيتبع الشبهات ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ، أي: ابتغاء الكفر.
إذنْ هناك أناسٌ يبتغون الكفر فعليًّا... يبتغون الدنيا ولو على حساب الآخرة، قد غلبت أهواؤُهم عقولَهم، فأمثال هؤلاء يبحثون عن مزيد شبهات حتى يطمئنوا لما هم عليه من ضلال، فيُعاقرون الأهواء، وقد خدَّروا ضمائرهم وفطرهم.
وهناك منهم مَن يَجد وجاهته وتميُّزه في تبنِّي أفكارٍ شاذةٍ ولو كانت كفرًا وإلحادًا، فبهذا يُشار إليه بين أقرانه وبهذا يُعد وجيهًا بينهم في نظره، فمثل هذا أيضًا يتبنّى الشبهات ويُثيرها بين أقرانه.
وهناك من تَغرُّه معارفُ علمية مادية؛ فيشعر بزهو نفسه إذا ضبط معادلة رياضية أو درَس علمًا يندُّ به بين الناس، فيَدخله عجب نفسه، وكِبْرُ تحصيلِه؛ فيستعلي على الانقياد لشرع ربه، ويرغب عمَّا خفيت حكمته من دين الله، فيُكذِّب ببعض شرع الله، ويتبع هوى نفسه.
وهناك مَن يكفر ويرتد عن دين ربه كنوعٍ من أنواع التمرُّد الاجتماعي على أوضاعٍ مُعيَّنةٍ، أو ربما حصل له أمرٌ ما كمشكلة نفسية أو ضيق، فجعل تنفيس كل هذا بالكفر بالدين، والردة عن الإسلام، وإنا لله وإنا إليه راجعون.
وهناك مَن يكفر ويرتد عن دين ربه لأسبابٍ أخرى كثيرة.
فمن أراد المتشابه فليطمئن: سيَجِدُهُ!
والمتشابه على نوعين:
1- متشابه في الدين.
2- ومتشابه في الآيات المُشاهَدة كالسماء والأرض، وخَلق الناس والحيوان.
فقد ترى في الدين ما لا تفهمه؛ فتتولَّد عند مَن يريد الضلال الفتنةُ!
وقد ترى المتشابه في الآيات المُشاهَدة، فإذا نظرت إلى السماء، ونظرت إلى ما فيها من إتقانٍ مُحكمٍ بديعٍ قد ترى فيها أمورًا متشابهةً، مثل: لماذا كل هذه النجوم؟ وما الفائدة منها؟ وسنأتي إن شاء الله لجواب كل هذا.
وإذا نظرت للإنسان قد تجد فيه المرض والأذى والبلاء.
فكلُّ هذا متشابه يستغلق على البعض إدراكُ حكمته، فيُفتن ويضلُّ مَن يريد الضلال.
أما المؤمن الذي يقاوم حظَّ نفسه، ويقاوم الكِبر والغرور، ويؤمن بالقدَر، فهذا تطمئنُّ نفسه للمحكم في الشرع والدين، والمحكم في الآيات المشاهَدة.
فالذي يريد الدار الآخرة يُبصِر الأمور على حقيقتها، فيشهد المحكمات، ويتدبَّر اليقينيات والبراهين، ويتفهَّم البلاء، ويتفهَّم كل ما خفيت حكمته على أنَّه في إطار التكليف والتمحيص والاختبار.
إذنْ خلاصة ما سبق: الإسلام وهو دين الأنبياء جميعًا فيه: محكمات هن أُمُّ الكتاب، وفيه شيء يسير من المتشابهات.