الرئيسية شبهات وأفكار منحرفة تفكيك الشُّبْهة
السؤال 10

ما هي أفضل أنواع الجهاد: جهاد اليد والسيف، أم جهاد الدعوة إلى الله والدفاع عن دين الله بالحجة؟

قال ابن القيم رحمه الله : "الجهاد: جهاد باليد والسنان، والثاني: الجهاد بالحجة والبيان، وهذا جهاد الخاصة من أتباع الرسل، وهو أفضل الجهادين لعظم منفعته، وشدة مُؤنته، وكثرة أعدائه، قال الله تعالى: {وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا * فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا} [الفرقان: 51- 52] [1].

فجهاد الحجة والبيان هذا أشدُّ أنواع الجهاد على قلوب دعاة الكفر، فهو أصعب شيءٍ عليهم، بل هو أشدُّ على قلوبهم من الجيوش الكبيرة؛ لأنَّ به تُفضح أكاذيبهم، وتُفند شبهاتُهُم.

قال ابن حزم رحمه الله : "ولا غيظ أغيظ على الكافرين والمبطلين من هتْك أقوالهم بالحجة الصادعة، وقد تُهزم العساكر الكبار، والحجة الصحيحة لا تُغلب أبدًا فهي أدْعى إلى الحق، وأنصر للدين من السلاح الشاكي والأعداد الجمَّة"[2].

وتفنيد الأفكار الفاسدة هو: "وسيلة إلى إعلان الدين ونشره، وإخماد الكفر ودحضه"[3].

وهذا غاية ما أتت به الرسل.

وللجهاد عند الله أجر عظيم، سُئل رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما يَعْدِلُ الجِهَادَ في سَبيلِ اللهِ عز وجل ؟ قالَ: لا تَسْتَطِيعُونَهُ، فأعَادُوا عليه مَرَّتَيْنِ، أَوْ ثَلَاثًا كُلُّ ذلكَ يقولُ: لا تَسْتَطِيعُونَهُ، وَقالَ في الثَّالِثَةِ: مَثَلُ المُجَاهِدِ في سَبيلِ اللهِ كَمَثَلِ الصَّائِمِ القَائِمِ القَانِتِ بآيَاتِ اللهِ، لا يَفْتُرُ مِن صِيَامٍ، وَلَا صَلَاةٍ[4].

فأجر الجهاد في سبيل الله عظيمٌ، والانشغال عن الجهاد في سبيل الله سمَّاه القرآن تهلكة.

قال الله عز وجل : {وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} [البقرة: 195]، قال أبو أيوب الأنصاري رضي الله عنه : التَّهْلُكَةُ هي الإقامةُ في الأموال وإصلاحها، وتَرْكُ الغزو[5].

فالانشغال بالدنيا عن ميدان الدعوة إلى الله، والدفاع عن دين الله بقدر ما تستطيع هذه تهْلُكَة.

وما أيسر أن يقف المسلم على ثغرٍ من ثغور الإسلام.

ما أيسر أنْ يُسهِم في مشروع دعوةٍ إلى الله بمال أو وقت أو تعلُّم علم شرعي؛ ليدعو به إلى الله أو تعلُّم لغة جديدة يدعو بها إلى الإسلام الناطقين بتلك اللغة، أو تعلم مونتاج يستخدمه في الدعوة إلى الله.

أو أنْ يتكفَّل بطالب علم، أو يتكفَّل بشخص يتعلَّم لغة جديدة يدعو بها إلى الله عز وجل ، فكل هذا جهاد، قال النبي صلى الله عليه وسلم : "من جهَّز غازيًا فقد غزا"[6].

تخيَّل لو أصلح الله بك إنسانًا!

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "ادعُهم إلى الإسلامِ، وأخبِرْهم بما يجِبُ عليهم، فواللهِ لَأن يُهدى بك رجلٌ واحدٌ خيرٌ لك من حُمْرِ النَّعَمِ"[7].

فهداية رجل واحد خيرٌ من الدنيا وما فيها: {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ} [فُصِّلَت:33].

ليس أحسن من الدعوة إلى الله.

لكن قبل الدعوة إلى الله لا بد من تعلُّم دين الله؛ ليدعو الإنسان على بصيرة، قال الله عز وجل : {فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ} [آل عمران: 66].

فلا يحلُّ للإنسان أن يقول أو يجادل فيما لا علم له به[8].

أيضًا ينبغي أن تكون عند الداعية إلى الله سعة صدر ولين مع صاحب الشبهة، ومع من يبحث عن الحق: {فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى} [طه: 44].

قال الغزالي رحمه الله : "فالقسوة والغلظة تثير دواعي المعاندة والمخالفة، وترسخ الاعتقادات الباطلة"[9].

فالدعوة إلى الله تحتاج حكمة وبصيرة وصبرًا.

أيضًا تحتاج الدعوة إلى الله إلى شيءٍ من الحذر، فلا يُعقل أن يتمَّ مثلًا عمل دعاية مجانية لأصحاب الشبهات ودعاة الباطل!

فهناك ملاحدة لم ينتشروا إلا بالرد عليهم، فانتبه واحذر من هذا!

لا يصحُّ مثلًا أن يتمَّ عمل مناظرات مع ملحدين في وسط العوام!

فقلوب الناس قد تعلق بالأشياء الشاذة.

فلماذا تُعرِّض فطرة الناس الصافية لأشياء كهذه؟

يقول الشيخ مصطفى صبري رحمه الله : "في المناظرة التاريخية بين الشيخ محمد عبده والعلماني فرح أنطون، الذي فاز رسميًّا هو الشيخ محمد عبده، لكن الذي اشتهر وذاعت أقواله هو فرح أنطون".

فالأفكار الفاسدة لا تُناقَش بين مَن لا تعنيهم، وإنما تُناقش فقط بين المتأثرين بها، أو بين مَن يغلب على الظن انتشارها بينهم.

أما أن أناظر هذا وذاك وأقوم بعمل دعاية مجانية لهذا وذاك، فهذه مشكلة!

ولم يكن لهم قهر ولا ذلٌّ أعظم مما تركهم السلف، لا يجدون إلى إظهار بدعتهم سبيلًا.. حتى جاء المغرورون ففَتحوا لهم طريقًا، وظهرت دعوتهم بالمناظرة، وطرقت شبهاتُهم أسماعَ مَن لم يكن يعرفها من الخاصة والعامة"[10].

فلا بد من الحكمة في الدعوة إلى الله.

أيضًا لا يُجاب بين الناس إلا على ما شاع واشتهر من شبهات، وإلا فالشبهة الميتة، تُترك ميتة.

ولا بد أن يُوضِّح الداعية لمن يتابعونه بضرورة الامتناع عن الاستماع للأفكار الباطلة والشبهات.

قال ربنا سبحانه: {وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ} [النساء: 140].

قال أبو قِلابة رحمه الله : "لا تجالسوهم -أي: أصحاب الشبهات والأفكار الفاسدة- ولا تخالطوهم، فإنه لا آمنُ أن يفسدوكم، أو يُلْبسوا عليكم كثيرًا مما تعرفون".

وقال ابن قدامة رحمه الله : "كان السلف ينهون عن مجالسة أهل البدع، والنظر في كتبهم، والاستماع إلى كلامهم"[11].

فالأفكار الفاسدة والشبهات تَجُرُّ مع الوقت إلى القلب الوساوس والتصوُّرات الضالة.

قال الذهبي رحمه الله في ترجمة ابن الراوندي: "وكان يلازم الملاحدة، فإذا عُوتب قال: إنما أريد أن أعرف أقوالهم إلى أنْ صار ملحدًا وحط على الدين والملة"[12].

وكثير من الناس لعدم التزام الأمر الإلهي بحرمة الجلوس بين مَن ينشرون الكفر والشبهات، ولضعف علمهم ولغلبة الهوى عليهم تأثَّروا، وبعضهم ربما فُتن في دينه بشبهة.

فكيف يُعرِّض المسلم دينه الذي هو أغلى ما يملك لمخاطرة كهذه؟

نعم كل شبهة ولها ردٌّ، لكن ما يُدريك أن تصل للرد قبل أن يزيغ قلبُك؟

لذلك كان تحريم الاستماع لأصحاب الشبهات ابتداءً.

قال سفيان الثوري رحمه الله : "من سمع ببدعة فلا يحكها لجلسائه، لا يُلقها في قلوبهم".

أوردها الذهبي وعلَّق عليها بقوله: أكثر أئمة السلف على هذا التحذير، يرون أن القلوب ضعيفة والشُّبه خطَّافة"[13].

لو عمل المسلمون بذلك لاختفى أصحاب الشبهات ذاتيًّا، فتجارة أصحاب الشبهات بين الجهلة ممَّن ينشرون شبهاتهم أو يحضرون بينهم.

إذنْ تعليم الدين للناس، وإصلاح عقيدتِهم، ودعوة الناس للإسلام، والرد على مَن يطرحون الشبهات الإلحادية، والرد على دعاة الأفكار الفاسدة، هذه كلُّها صور عظيمة من صور الجهاد في سبيل الله.

فهذه كلُّها أبوابُ خيرٍ وبركةٍ: (فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ}.

{إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [التوبة: 111].

فمَن بايع على الدفاع عن دين الله؛ فليبشرْ فهذه أعظم صفقة في حياته.

والدعوة إلى الله هي وظيفة الرسل -عليهم الصلاة والسلام- وطريقة مَن تبعهم بإحسانٍ، وإذا عرَف الإنسان معبوده، ونبيَّه، ودينه، فإن عليه السعي في إنقاذ إخوانه بدعوتهم إلى الله عز وجل ، وليُبشر بالخير[14].

ليبشر بنصر الله وتأييده: {إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ} [غافر: 51].
{وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ} [التوبة: 36].
{إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ} [محمد: 7].

وسيظل في المسلمين مَن يدافع عن دين الله إلى قيام الساعة، قال النبي صلى الله عليه وسلم : "لا تَزالُ طائِفَةٌ مِن أُمَّتي ظاهِرِينَ علَى الحَقِّ، لا يَضُرُّهُمْ مَن خَذَلَهُمْ، حتَّى يَأْتِيَ أمْرُ اللهِ وهُمْ كَذلكَ"[15].

سيبقى إلى قيام الساعة مَن يدافع عن الحق، وهُم مُنتَصِرونَ غَالِبونَ.

{وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ} [الصافات: 173].
فهذه هي الغنيمة الباردة أن تدعو إلى الله، وأن ترُدَّ على المبطلين، وأن تكشف شُبُهات المفترين، وهذا حق دين الله علينا: {لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ} [الفتح: 9].

وتعزيرُهُ صلى الله عليه وسلم : بنصر دينه، وصون رسالته عن كل مفترٍ[16].

فكن واحدًا من الدعاة إلى الله.

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ} [الصف: 14].

انصر دين الله ولو بكلمةٍ، ولو بموقفٍ، ولو بدعوة إلى الله.

***

المراجع

  1. 1 مفتاح دار السعادة م1 ص271.
  2. 2 الإحكام في أصول الأحكام، ابن حزم، م1 ص24.
  3. 3 فتح الباري، م6 ص 8.
  4. 4 صحيح مسلم، ح: 1878.
  5. 5 صحيح سنن أبي داود، ح:2512.
  6. 6 صحيح مسلم، ح:1895.
  7. 7 صحيح البخاري، ح:2942.
  8. 8 تفسير السعدي.
  9. 9 الاعتصام للشاطبي 1 / 494.
  10. 10 شرح أصول الاعتقاد 1 / 29.
  11. 11 السُّنة، عبد الله بن أحمد بن حنبل، ص18؛ والآداب الشرعية، ابن مفلح، م1ص263.
  12. 12 الإبانة الصغرى، ابن بطة، ص132؛ وسير أعلام النبلاء، الذهبي، م4 ص59.
  13. 13 سير أعلام النبلاء، الذهبي، م19 ص447.
  14. 14 شرح ثلاثة الأصول، محمد بن صالح بن محمد العثيمين.
  15. 15 صحيح مسلم، ح:1920.
  16. 16 الصارم المسلول، ابن تيمية، م1 ص217.
التالي → 11 - ما هي الوساوس القهرية في العقيدة؟ ← السابق 9 - ما هي صور الجهاد؟