ج: أتصوَّر أن جواب هذا السؤال صار مفهومًا لمن قرأ ما سبق بتأمُّلٍ وتأنٍّ.
فالأدلة المحكمة على صحة الدين هي كالشمس، بل هي أجْلى ظهورًا من الشمس في قلب كل مؤمن، لكن لا بد من وجود متشابهٍ وإلا لما كان تكليفًا.
فالمحكمات والبراهين والبصائر والأدلَّة على صحة الدين هي كالشمس، لكنها تُستفاد بالنظر والبحث والتأمُّل والتفكُّر.
أما الدليل المباشر الاضطراري كرؤية الخالق سبحانه بحيث ترى الله أمامك في الدنيا، فهذا ليس مقصود الإيمان الذي يترتَّب عليه الثواب والعقاب، هذا سيكون نوعًا من الإيمان الاضطراري.
فأنت ساعتها ستضطرُّ للإيمان بدون تفكُّر ولا نظر.
إذ كيف تكفر بوجود خالقك لو رأيته؟
فهذا النوع من الإيمان الاضطراري لا يتعلَّق به عملٌ عقليٌّ، وبالتالي لا يترتَّب عليه ثواب ولا عقاب.
فالإيمان الاضطراري كرؤية الخالق هو إيمانٌ ليس فيه تكليف ولا اختبار ولا نظر.
وهذا النوع من الإيمان ليس هو غاية التكليف، ولا معنى التكليف، وليس إيمانٌ أصلًا.
ولذلك لمَّا طلب كفار مكة هذا النوع من الأدلَّة التي تنقل من إيمان التفكُّر والنظر إلى إيمان الاضطرار أجابهم الله بأن هذا النوع من الأدلة يُقضى معه الأمر وتنتهي الدنيا.
فلو نزل المَلَك لانتهى الأمر.
فأين التكليف بعد نزول الملك؟
فلو فُرض أنهم أُجيبوا لطلبهم وجاءتهم معجزة بهذه الصورة القاطعة، فلا بد أن تكون معجزة حمَّالة أوجه، فتلتبس بقدْرٍ ما على مَن يريد الكفر، حتى يظل التكليف قائمًا.
لو جاء الملك سيأتي في صورة رجُلٍ، فيلتبس عليهم ويقولوا: سحرنا محمد.
فاشتباه البرهان بقدرٍ ما هو أمر طبيعي ليكون هناك إيمان وكفر.
ولذلك فمعجزات الأنبياء لو تدبَّرتها لوجدت أنَّه ليس فيها الإيمان الاضطراري، فالكافر قد يتعلَّل بأي متشابه ولو كان سخيفًا حتى يبقى على كفره.
وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ: سيكون هناك مبرر ولو واهيًا للمتشابه.
ومثال ذلك: لما طلب كفار قريش من النبي صلى الله عليه وسلم شقَّ القمر، وانشقَّ أمامهم ماذا قالوا؟
قالوا: سحرنا محمد[1].
فالمعجزات والآيات الباهرات ستبقى تحتمل في ذهن مَن يريد الضلال شبهةً ولو واهيًا.
فلو أرادوا الحق لسلَّموا لما رأَوْا من محكماتٍ وبراهينَ وآياتٍ، لكنهم للأسف يتبعون أهواءهم.
فقد بيَّن الله تعالى آياته للموقنين.
وسوف تبقى براهين صحة الدين ظاهرة لمن كانوا مع أنفسهم صادقين.
والمؤمن يُعمِل عقله وينظر في الدلائل، ويحيل المتشابه إلى المحكم، وبهذا يكون متبصرًا بيقينٍ لا تَهزُّهُ شبهة، ويصبح عابدًا لربه سبحانه حقَّ العبودية، فيعرفه حقَّ المعرفة، ويُسلِّم له في أمره ونهيه، ويعلم أنَّ الله سبحانه لا ربَّ سواه، خلقنا وكلَّفنا وأمرنا بما فيه صلاحُنا، ونهانا بحكمته عما فيه هلاكُنا، فهو سبحانه مالك كل شيء، خلق كل شيء فقدَّره تقديرًا، وهذا هو إيمان المؤمنين الصادقين الذين يزدادون إيمانًا مع كل آية من الآيات المتلوَّة أو المنظورة، المحكمة أو المتشابهة.