لكن كيف نعرف أنَّ المقصود في النبوءة بالضبط هو الإسلام؟
جواب هذا السؤال يكمُن في تفسير معنى "شيلون".
حَتَّى يَأْتِيَ شِيلُونُ وَلَهُ يَكُونُ خُضُوعُ شُعُوبٍ: هذه الكلمة تُعَدُّ من أشد الكلمات صعوبةً في التوراة.
لكن يخلص الباحثون من علماء التوراة وأحبار اليهود إلى أنَّ كلمة "شيلون" قد تكون بمعنى: "الذي له".
لَا يَزُولُ قَضِيبٌ مِنْ يَهُوذَا وَمُشْتَرِعٌ مِنْ بَيْنِ رِجْلَيْهِ حَتَّى يَأْتِيَ الذي له الحكم والتشريع وَلَهُ يَكُونُ خُضُوعُ شُعُوبٍ... هذا قول عددٍ من علماء التوراة.
لكنَّ عددًا آخر كبيرًا منهم يُقِّرون أنَّ كلمة شيلون هي نفس الجذر اللغوي لكلمة شالوم أي: سلام... شالوم عليخِم: السلام عليكم.

وبالتالي فـ: "شيلون" قريبة من شالوم... السلام؛ وهو نفس الجذر اللغوي لـ: "الإسلام" حتى يأتي شيلون حتى يأتي الإسلام.1
لَا يَزُولُ قَضِيبٌ مِنْ يَهُوذَا وَمُشْتَرِعٌ مِنْ بَيْنِ رِجْلَيْهِ حَتَّى يَأْتِيَ (الإسلام) وَلَهُ يَكُونُ خُضُوعُ شُعُوبٍ.
وكل مسلم يقطع أنَّ الإسلام كان حاضرًا في وصية يعقوب لبنيه قبل موته؛ فهو عليه السلام أوصاهم بالإسلام بلفظ القرآن الكريم: ﴿أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَـٰهَكَ وَإِلَـٰهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَـٰهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ 133 سورة البقرة
فسواءً كانت شيلون بهذا التوجيه اللغوي أو بتوجيه آخر سندركه بعد قليل إلا أنَّ دعوة يعقوب بنيه للإسلام كانت حاضرةً بلا جدال عند كل مؤمن بالقرآن.
وهناك فريق كبير من علماء اللغة يميل إلى أنَّ شيلون بحسب معناها في السياق تعني: مُعطي الراحة أو رافع الأغلال؛ وهذا هو المعنى الذي ذهبت له الكثير من مواقع الدراسات الكتابية المتخصصة في العهد القديم.

فيعقوب عليه السلام يُبشرهم بالشخص الذي سيرفع عنهم الأغلال التي كانت عليهم!

والأغلال التي كانت على بني إسرائيل كثيرةٌ؛ فهناك أغلال وقيود خاصة بالمأكولات، وأحكام الطهارة، وأغلال خاصة بالأحكام التشريعية التي فُرضت عليهم لظُلمهم وبغيهم وفسادهم.
﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ مِن قَبْلُ ۖ وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَـٰكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ 118 سورة النحل.
فيعقوب يقول لأبنائه: سيأتي الرجل الذي يرفع عنكم هذه الأغلال!
والآن لنقرأ قولَهُ تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ 157 سورة الأعراف.
الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ: ما صفة هذا النبي؟
وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ!
فمكتوب في كتابهم أنَّ هناك نبيًّا أُمِّيًّا سيأتي، وسيضع عنهم الأغلال التي كانت عليهم!
والآن لننظرْ لواحدة فقط من أحكام الطهارة في اليهودية، وكيف خُففت جدًّا في الإسلام... ننظر لحكم المرأة الحائض في سفر اللاويين:

وَكُلُّ مَا تَضْطَجِعُ عَلَيْهِ فِي طَمْثِهَا يَكُونُ نَجِسًا، وَكُلُّ مَا تَجْلِسُ عَلَيْهِ يَكُونُ نَجِسًا.
وَكُلُّ مَنْ مَسَّ فِرَاشَهَا يَغْسِلُ ثِيَابَهُ وَيَسْتَحِمُّ بِمَاءٍ، وَيَكُونُ نَجِسًا إِلَى الْمَسَاءِ.
وَكُلُّ مَنْ مَسَّ مَتَاعًا تَجْلِسُ عَلَيْهِ، يَغْسِلُ ثِيَابَهُ وَيَسْتَحِمُّ بِمَاءٍ، وَيَكُونُ نَجِسًا إِلَى الْمَسَاءِ.
وَإِنْ كَانَ عَلَى الْفِرَاشِ أَوْ عَلَى الْمَتَاعِ الَّذِي هِيَ جَالِسَةٌ عَلَيْهِ عِنْدَمَا يَمَسُّهُ، يَكُونُ نَجِسًا إِلَى الْمَسَاءِ.
وَإِنِ اضْطَجَعَ مَعَهَا رَجُلٌ فَكَانَ طَمْثُهَا عَلَيْهِ يَكُونُ نَجِسًا سَبْعَةَ أَيَّامٍ. وَكُلُّ فِرَاشٍ يَضْطَجِعُ عَلَيْهِ يَكُونُ نَجِسًا.
كل هذه الأحكام كانت لقساوة بني إسرائيل وغِلظة قلوبِهم؛ فأتي النبيُّ الذي رفع عنهم هذه الأغلال!
ونقرأ الآن خاتمة الآية الكريمة: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ ۚ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ ۙ أُولَـٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ 157 سورة الأعراف.
فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ: الله يأمرهم أن يؤمنوا به، وأن ينصروه ويعينوه، فهو سيكون نبيًّا مجاهدًا... ستخضع له شعوب "وَلَهُ يَكُونُ خُضُوعُ شُعُوبٍ".
والآن حاولوا أن تقرؤوا هاتين الآيتين بتدبُّر، وانظروا سياق الآية الثانية: ﴿أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَـٰهَكَ وَإِلَـٰهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَـٰهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ 133 تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ ۖ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ ۖ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ 134﴾ سورة البقرة
تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ: أمة بني إسرائيل وسبط يهوذا قد مضوا وانتقلت عنهم الرسالة والنبوة والأرض والتشريع... تلك أمة قد خلت لها ما كسبت؛ وجاء دوركم... فقد انتقلت لكم الرسالة والنبوة والحكم والتشريع.
لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ: ستُسألون أنتم عمَّا أدَّيتم لهذا الدين!
الهوامش والمصادر
- 1
The form of the word is related to the word for peace shalom
The Genesis Record: A Scientific and Devotional Commentary on the Book of Beginning, p.655.