هل من أمثلة على أمور غامضة في التوراة يُبيِّنها القرآن الكريم؟

3 دقائق قراءة 12 Read in English

القرآن الكريم يُقدم تفسيرًا لكثيرٍ من الأمور الغامضة في التوراة، ولعل من أعجب الأمثلة على ذلك في نظري هو ذلك السر العجيب في التوراة: سر اختفاء النبي عزرا عليه السلام فجأةً من مسرح الأحداث.

ففي القرن الخامس قبل الميلاد ظهر شخص عظيم، وهو النبي عزرا أو عزير عليه السلام.

كان عزرا عارفًا بالكتاب المقدس الذي أحرقه الملك البابلي نَبُوخَذْنَصَّرَ؛ فنَبُوخَذْنَصَّرَ سبى اليهود إلى مدينة بابل، وخرَّب بلادهم، وأحرق كتابهم المُقدَّس، وبعد السبي عاش اليهود في بابل لسنواتٍ طويلةٍ إلى أن ظهر عزرا عليه السلام.

وبعد ظهور عزرا وانتشار دعوته قرَّر أنْ يقود جماعة المؤمنين معه من بابل إلى القدس "أورشليم"، وأنْ يعيد كتابة الأسفار المقدسة التي ضاعت!

هل من أمثلة على أمور غامضة في التوراة يُبيِّنها القرآن الكريم؟

وقبل أن يدخل قرية القدس إذا به يكتشف أن القرية خاويةٌ على عروشها، قد خَرِبت وفسد مَن بقي مِن أهلها، فقد انتشرت الوثنيَّات هناك بشدة.

هل من أمثلة على أمور غامضة في التوراة يُبيِّنها القرآن الكريم؟

وهنا تحدُث المفاجأة العجيبة التي لا يجد لها اليهود حلًّا حتى الساعة!

المفترض أنَّ عزرا تحرَّك من بابل، وبعده بثلاثة عشر عامًا تحرَّك شخص آخر اسمه نَحَمْيا:

هل من أمثلة على أمور غامضة في التوراة يُبيِّنها القرآن الكريم؟

فعزرا تحرَّك في السنة السابعة من حُكم الملك أرتَحْشَشتا:

هل من أمثلة على أمور غامضة في التوراة يُبيِّنها القرآن الكريم؟

ونَحَمْيا بدأ يتحرَّك في السنة العشرين من حكم الملك أرتَحْشَشتا:

هل من أمثلة على أمور غامضة في التوراة يُبيِّنها القرآن الكريم؟

وهنا تحدث المفاجأة: يختفي عزرا تمامًا مِن على مسرح الأحداث، ثم يظهر بعد ذلك بزمنٍ طويلٍ جدًّا... يظهر في جيل أحفاد نحميا!

هذا الأمر لا يعرف له اليهودُ تفسيرًا.

حيث لا يوجد في الكتاب المقدس تبريرٌ لهذا الاختفاء المفاجئ لعزرا من على مسرح الأحداث، وظهوره مرةً أخرى بعد زمن طويل.

عزرا أتى قبل نَحميَا كما قلنا بثلاث عشرة سنة، وكانت القدس قريةً خاويةً على عروشها، وكانت الطائفة المؤمنة في القدس قليلة جدًّا، لكن عزرا يظهر فجأةً بعد أجيالٍ طويلةٍ، ليدخل القرية مرةً أخرى وإذا بها ممتلئة بالمؤمنين!

هل من أمثلة على أمور غامضة في التوراة يُبيِّنها القرآن الكريم؟

بينما على العكس نحميا الذي أتى بعده يجد الأعدادَ قليلةً، والبيوت لم تُبنَ بعدُ:

هل من أمثلة على أمور غامضة في التوراة يُبيِّنها القرآن الكريم؟

والأعجب من كل ذلك أن نَحميَا كان في عصر رئيس الكهنة أَلِياشِيب:

هل من أمثلة على أمور غامضة في التوراة يُبيِّنها القرآن الكريم؟

بينما عزرا كان في عصر حفيد ألياشيب: يهوحانان بن ألياشيب:

هل من أمثلة على أمور غامضة في التوراة يُبيِّنها القرآن الكريم؟

هذا الموقف العجيب أوقع اليهود في ورطة تاريخية لا يعرفون لها حلًّا.

حيث يختفي عزرا لثلاثة أجيال متعاقبة، ثم يظهر فجأةً في زمن حفيد رئيس الكهنة؟

والجيل من 30 -40 عامًا، فهذا يعني أنَّ عزرا اختفى حوالي مائة عامٍ!

ورطة لا يعرفون منها مخرجًا.

يُقرر موقع تكلاهيمانوت أننا بحاجةٍ للخروج من ورطة التسلسل الزمني للأحداث، فبدأ يضع افتراضات كثيرة تخالف تسلسل النص؛ لأن تسلسل ترتيب الأحداث التاريخية بهذه الصورة مُشكِلٌ؛ فكيف يأتي عزرا قبل نحميا بثلاثة عشر عامًا ثم يدخل القدس في زمن الأحفاد؟

أيضًا طبقًا للمفسر ديريك كيدنر، فهناك حاجة ماسَّة لإعادة ترتيب الأحداث.

هل من أمثلة على أمور غامضة في التوراة يُبيِّنها القرآن الكريم؟

أما موقع جامعة القديس أندرو فيعترف أنَّ هذه مشكلة مُحيرة ومربكة... التسلسل الزمني لأحداث عزرا مُرْبِكٌ.

هل من أمثلة على أمور غامضة في التوراة يُبيِّنها القرآن الكريم؟

ورُبَّما جواب كل هذا الإشكال وهذه الورطة بأنَّ الشخص الذي أماته الله مائة عامٍ ثم بعثه في سورة البقرة هو عزرا عليه السلام، وأنَّ القرية هي القُدس، وهذا قول كبار الصحابة وذهب إليه أئمة التفسير.

فهو قول ابن عباس وقتادة وعكرمة والضحَّاك والسُّدِّي وجماعة من جماهير أهل العلم.

﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَىٰ قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّىٰ يُحْيِي هَـٰذِهِ اللَّـهُ بَعْدَ مَوْتِهَا ۖ فَأَمَاتَهُ اللَّـهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ ۖ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ ۖ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ ۖ قَالَ بَل لَّبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانظُرْ إِلَىٰ طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ ۖ وَانظُرْ إِلَىٰ حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِّلنَّاسِ ۖ وَانظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا ۚ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّـهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ 259 سورة البقرة.

هل من أمثلة على أمور غامضة في التوراة يُبيِّنها القرآن الكريم؟

فبعد أن بعث اللهُ عزرا ودخل القرية بعد مائة عامٍ وجدها قد امتلأت بالناس، بل وبُنيَ السور حول المدينة!

فالسور حول القدس بناه نحميا، ولم يظهر عزرا في المشهد إطلاقًا، وهناك سِفر كامل في الكتاب المقدس "سفر نحميا" يتناول بناء السور، فأين كان عزرا؟

عزرا لم يظهر إلا في زمن أحفاد هذا الجيل، والمدينة قد كبرت والسور تم بناؤه؛ فبدأ يُعلم الناس دينهم، وأعاد جمع أسفار الكتاب المُقدَّس التي ضاعت.

فهنا القرآن الكريم مهيمنٌ على الكتب السابقة، ويحل هذه الورطة التي تواجهها التوراةُ، ويخبر أنَّ عزرا أماته الله مائة عام ثم بعثه؛ لذلك اختفى من مسرح الأحداث طوال هذه المدة!

سبحان الله: ﴿إِنَّ هَـٰذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ 76 سورة النمل.