الرئيسية صحة الإسلام كيف ظهر الدِّينُ؟
السؤال 14

لكن ما أهمية الأوَّليات العقلية المستمدَّة من الفطرة؟

الأوليات العقلية تحمل البرهنة الضرورية على وجود الخالق كـ: بُرهان السببية.

وهي تبرهن على صحة الرسالة، وعلى صدق النبي، فتُثبت بصورة قطعية صحة النبوة.

فالأوليات العقلية كاللوح الراصد للنور، لكنها لا تُولِّد نورًا ذاتيًّا... الأوليات العقلية كاللوح الراصد للنور متى سطَع عليها.

إذا سطعَ نور الرسالة ونور النبوة جاءت الأوَّليات العقلية لتثبت صحة هذا النور!

فالأوليات العقلية عند كل إنسانٍ هي لوح يدور في السماء يبحث عن أيَّة وَمْضة من نور النبوة!

وإذا ظهَرَ نور النبوة، فلن يكون أمام الإنسان إلا التسليم أو المعاندة والمعارضة!

فـ: رحمة الله الكبرى للإنس والجن هي الفطرة والنُّبُوة، وكل ما فيهما خيرٌ مما يجمعون بكل البدائل الأربعة.

فالدين حتمية إنسانية، ومطلب فِطْري، وحقيقة أوليَّة، وهو أصل المعرفة، وأصل العلم بمعنى الأخلاق، ولماذا يجب أن نكون على أخلاق؟ ولماذا نشعر بوخز الضمير الأخلاقي؟ ولماذا نشعر بضرورة افعل ولا تفعل؟... افعلِ الخير ولا تفعلِ الشر، ولماذا نشعر بالافتقار للخالق.

الدين هو جواب كل هذه الأسئلة، وجواب أسئلة الغاية والعلة وما وراء الموت.

الدين وحده هو القادر على تحليل ظاهرة الإنسان.

الدين هو العلم الحقيقي الأعظم الذي لا غنًى للإنسان عنه.

وكما قال ابن القيم رحمه الله : "لولا النُّبُوات لم يكن في العالم علم نافع البتَّة"[1].

ومَن أنكر من الربوبيين أنْ يكون الله تعالى قد أرسل رُسُله، وأنزل كتبه لم يُقدِّر اللهَ حقَ قدْره: {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ} [سورة الأنعام: 91].

فمِن كمال رحمة الله بخلقه أنْ أرسل إليهم رُسُلَه، وأنزل عليهم كتبَه.

مشكلة الربوبية أنَّها تدَّعي أنَّ وجودنا بلا تكليف، ولو صحَّ ادَّعاؤها لما اضطُررنا لبحث جواب عن أسئلة الغاية والمعنى والقيمة والأخلاق.

ولما استوعبنا أصلًا شيئًا من هذه الأسئلة!

ولما بعث اللهُ الأنبياءَ وأنزل الكتب!

من خلال الكتب السماوية، ومن خلال الأنبياء فقط نعرف الجواب... ومن خلال الدين يصبح الإنسان مركزًا في هذا العالم، ويصبح محورًا في هذا الوجود؛ بينما بدون الدين يفقد الإنسان هُويته، ويفقد معنى وجوده، ويفقد ذاتَه، ويكفر بفطرتِه، ويتحول لحجر وحَشَرات.

{فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} [الروم: 30].

تحت راية الدين فقط تعرف أنك إنسان!

فالدين ليس ترفًا فكريًّا، بل هو ضرورة فطرية وجدانية.

والشعور بالافتقار لله خاصةً في أوقات الهلع الشديد هو طبيعة النفس الإنسانية.

وكما يقول قادة المعارك: وقت المعركة لا يوجد مُلحِدون في الخنادق.

ففي الخنادق الكل يعودُ للإيمان!

{فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ} [سورة العنكبوت: 65].

فالإحالة إلى الدين... الإحالة إلى الرسالات السماوية؛ مبرر هذه الإحالة هو ظاهرة "الإنسان".

فالإنسان طُبع وصُبِغَ مُكلَّفًا، ولم يُطبع ولم يُصبغ لِيُفسَّر ماديًّا.

لذلك فشِل وسيفشل أيُّ تحليل إلحادي للإنسان!

ولن يُنتج التحليل الإلحادي للإنسان إلا المحرقة النازية وحدائق حيوان البشر!

فبالإلحاد يتسمم معنى الإنسان، ويتسمم الوجود من حولِهِ.

المراجع

  1. 1 مفتاح دار السعادة، ابن القيم، م2 ص118.
التالي → 15 - لكنْ: كيف نعرف الدين الحقَّ... كيف نعرف صِدْق الرسول؟ ← السابق 13 - لكن: أليس العقل مناطًا للتكليف؟