لماذا يكون محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم رسولًا من عند الله... ما بيِّنات صدقه؟
مِن بيِّنات صدق الرسول:
1- أن يكون صادقًا:
وهذا شرط بديهي.
والنبي محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم اشتُهر بين الناس بالصدق، بل ولم يُعهد عليه كذبٌ قط، ولم يُتَّهم أنه كذَب في وقعةٍ واحدةٍ على تعدُّد مواقفه، وكثرة أخباره، وهذا باعتراف أشد الناس له عداوةً.
فلم يُرمَ بكذبٍ ولو لمرةٍ واحدةٍ.
ورَدَ في البخاري أنَّ كبار كفار قريش قالوا له في أول دعوته: "ما جربنا عليك إلا صدقًا".

فهذه هي البيِّنة الأولى: أنْ يكون النبيُّ صادقًا.
وهذه البيِّنة وحدها تكفي في إثبات صحة النبوة!
فمُدَّعي النبوة إما أن يكون: أصدق الناس؛ لأنه نبيٌّ؛ فمن الطبيعي أن يكون أصدق الناس، وإما أن يكون أكذَبَ الناس؛ لأنه يفتري كذبًا في أعظم الأمور شأنًا.
ولا يختلط أصدق الناس بأكذب الناس إلا على أجهل الناس؛ وهذا كلام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله .
يقول رحمه الله : "ليست المعجزة هي الشرط الأوحد للنبوة، فمُدَّعي النبوة إمَّا أنْ يكون أصدق الصادقين أو أكذب الكاذبين، ولا يُلبس هذا بهذا إلا على أجهل الجاهلين"[2].
وقد أسلم السابقون الأولون أمثال أبي بكر الصديق وخديجة والمُبشَّرين قبل انشقاق القمر، والإخبار بالغيب، والتحدي بالقرآن، وكثيرٌ من الناس يعلم صدقَ المُخبر بلا آيةٍ البتَّة... وموسى بن عمران لما جاء إلى مصر وقال لهم: إنَّ الله أرسلني، عَلموا صدقه قبل أن يُظهر لهم الآيات، وكذلك النبيُّ صلى الله عليه وسلم لما ذَكَرَ حاله لخديجة، وذهبت به إلى ورقة بن نَوفل، قال هذا هو الناموس الذي أُتي موسى، وكذلك النجاشي وأبو بكر علموا صدقه علمًا ضروريًّا لمَّا أخبرهم بما جاء به، وما يعرفون من صدقه وأمانته[3].
فإذا عجَز الكُفار عن إظهار كَذِبةٍ واحدة في حياة النبي صلى الله عليه وسلم ، بل ويعترفون أنَّهم ما جرَّبوا عليه الكذب أبدًا "ما جرَّبنا عليك كذبًا".

إذا عجَزوا عن ذلك، فيلزمهم أنْ ينظروا في خبر نبوته، وليس الإسراع في تكذيبه!
البيِّنة الثانية على صدق الرسول:
أن يأتي بما أتى به الأنبياء مِن قبله؛ مما هو موافق للفطرة كالتوحيد -توحيد الله عز وجل .
فالإنسان بفطرته لو نظر إلى الكون لن يستوعب له إلا خالقًا واحدًا، ولن تقفز إلى ذهنه أيَّة صورة من صور الآلهة الأرضية الوثنية أو التصوُّرات الشركية، وكل الشرائع في كل تاريخ الأرض بدأت توحيدية تؤمن بالله الواحد، كما فصَّلْنا من قبلُ.
فالتوحيد قضية فطرية وهو خطاب كل الأنبياء.
فكلُّ الأنبياء أتَوْا بهذا التوحيد الفطري، ولم يكن النبي صلى الله عليه وسلم بِدعًا من الرسل يأتي بما يخالف هذه العقيدة التوحيدية النقية.
بل دعا لنفس التوحيد النقي الذي جاء له كل الأنبياء.
إذَنْ البيِّنة الثانية على صدق الرسول أنْ يأتي بما يوافق الفطرة من التوحيد النقي.
وأنْ يأتي أيضًا بما يوافق الفطرة من المبادئ الأخلاقية الضرورية.
والنبي صلى الله عليه وسلم كان صاحبَ المثل الأوفى في هذا، وقد أوضح جعفرُ بن أبي طالب رضي الله عنه كمالَ الأخلاق التي أتى بها النبي صلى الله عليه وسلم في حواره مع النجاشي حين قال للنجاشي مختصرًا ما جاء به الإسلام من كمالات الفطرة: "أيُّها الملِكُ، كُنَّا قَومًا أهلَ جاهليَّةٍ، نَعبُدُ الأصنامَ، ونَأكُلُ المَيْتةَ، ونَأتي الفواحشَ، ونَقطَعُ الأرحامَ، ونُسيءُ الجِوارَ، يَأكُلُ القَويُّ منَّا الضَّعيفَ، فكنَّا على ذلكَ حتَّى بَعَث اللهُ إلينا رسولًا منَّا نَعرِفُ نسبَه وصِدْقَه، وأمانتَه وعَفافَه، فدَعانا إلى اللهِ لِنوحِّدَه ونَعبُدَه ونَخلَعَ ما كنَّا نَعبُدُ نحنُ وآباؤُنا مِن دُونِه مِنَ الحجارةِ والأوثانِ، وأَمَرَنا بصِدْقِ الحديثِ، وأداءِ الأمانةِ، وصِلَةِ الرَّحمِ، وحُسْنِ الجِوارِ، والكفِّ عنِ المَحارمِ والدِّماءِ، ونَهانا عنِ الفَواحشِ، وقولِ الزُّورِ، وأكْلِ مالِ اليتيمِ، وقذْفِ المُحْصنةِ، وأَمَرَنا أنْ نَعبُدَ اللهَ وحْدَه لا نُشرِكُ به شيئًا، وأَمَرَنا بالصَّلاةِ والزَّكاةِ والصِّيامِ... إلى آخر الحديث"[4].
فقد أتى الإسلامُ بما يوافق الفطرة من كمال التوحيد ومبادئ القيم الأخلاقية!
البيِّنة الثالثة على صدق النبي: ألَّا يأتي النبي بنصٍّ شرعيٍّ واحدٍ يحمل مُحالًا عقليًّا واحدًا.
فلا تكون في نصوص الشرع مُحالات عقلية، هذا أمر طبيعي؛ إذ لو كان هذا الشرع وحيًا من الله فلن يكون فيه محال عقلي واحد.
فيستحيل أن يوجد في الدين الحق اختلافٌ أو تعارضٌ بين نصٍّ شرعي وبين بديهةٍ عقلية!
فالدين الحق لا يأتي أبدًا بمحالات العقول.
لكن الدين الحق قد يأتي بمحارات العقول.
نعم يستحيل أن يأتي الدين بالمحالات؛ لكن قد يأتي بالمتشابهات، وهذا من التكليف: حتى يتبع أهلُ الهوى والذين يريدون الكفر هذا المتشابه؛ بينما يَثبت أهل الحق على اليقين؛ لِما في الدين من براهين ومحكمات على صحة الرسالة!
فمن الطبيعي أن يكون هناك متشابهٌ حتى يكون هناك إيمان وكُفر، والمؤمن يُحيل هذا المتشابه إلى المحكمات.
والمحكمات هي: القطعيات.
فالمؤمن يحيل المتشابه إلى المحكم!
هذا النص متشابه!
فاليهود والنصارى والصابئون لو آمنوا بالله وعملوا صالحًا لا خوفٌ عليهم ولا هم يحزنون.
والسؤال هنا: بعد بعثة محمد صلى الله عليه وسلم هل يلزمُهم الإيمان بنبوته أم يكفيهم الإيمان بأنبيائهم؟
الآية هنا لم توضح هذا الأمر!
فهذا متشابه!
والمسلم هنا يقوم برَدِّ هذا المتشابه إلى المحكم!
ما هو المُحكم في هذا الأمر؟
إذَنْ أحلْنا المتشابه الذي لم نفهمه في الآية الأولى إلى المحكم في الآية الثانية؛ والتي تقطع بها بأنَّه بعد بعثة محمد صلى الله عليه وسلم لن يُقبل إيمان بشر إذا لم يؤمن بنُبُوَّته صلى الله عليه وسلم !
فهنا نستوعب المتشابه بمجرد رَدِّهِ إلى المحكم!
هذه الآية في غروب الشمس لا تكون إلا في عين الرائي، وليس أنَّها تسقط داخل عين وقت الغروب!
لماذا؟
لأن المُحكم يخبرنا أنَّ الشمس تجري في فلكٍ لا تتوقف!
إذَنْ بإحالة المتشابه إلى المحكم نستوعب المعنى الصحيح للمتشابه، وتختفي جُل الشبهات ذاتيًّا.
فالمسلم يحيل المتشابه إلى المُحكم... بينما الذي يريد الزيغ يتبع هذا المتشابه، ويتجاهل المُحكم ليبقى على زيغه.
إذَنْ فالدين الحق، والرسالة الصحيحة تأتي بالمتشابه... تأتي بمحارات العقول، لكن لا تأتي أبدًا بمحالات العقول... يستحيل أن تجد نصًّا شرعيًّا واحدًا يخالف بديهةً عقليةً أو علميةً واحدة.
أما البيِّنة الرابعة على صحة الدين وصدق النبي:
وهي بيِّنة إضافية، لكنها لو حصلت لكانت قطعيَّة على صحة الدين، وصدق النبي، ألَا وهي: حصول المعجزات على يد النبي وبِشارات الأنبياء به قبل بعثته.
وقد وقعت على يد النبي محمد صلى الله عليه وسلم أكثر من ألف معجزة صحيحة ثابتة، والعهد بهذه المعجزاتِ قريبٌ، والذين نقلوها هم أصدقُ الناس وأزكاهم أخلاقًا، وكانوا لا يجيزون الكذب عليه في أبسط الأشياء، فهم يعلمون أنَّ مَن كذب عليه متعمدًا فلْيتبوأ مقعده من النار.

وبعضُ معجزاتِه شهدها مئات الصحابة، فهي معجزات بلغت حدَّ التواتر.
والتواتر يعني: أن ينقل عددٌ كبيرٌ من الناس خبرًا من الأخبار، بحيث تحيل العادة تواطؤهم على الكذب.
فالتواتر يفيد العلم اليقيني القطعي!
وهناك بالفعل معجزات كثيرة نقلها عدد كبير من الصحابة إلى مئات وآلاف التابعين.
مثل أحاديث تكثير الطعام القليل؛ بحيث أنَّ طعامًا يكفي لشخصينِ اثنينِ في غزوة الخندق يدعو فيه النبيُّ صلى الله عليه وسلم بالبركة فيَطعم منه الجيش كله.
وأحاديث تكثير الطعام أوردها البخاري في خمسة مواضع من صحيحه، لعظمة هذه المعجزة ولكونها متواترةً فقد رآها المئات بأُمِّ أعينهم[5].
وهناك مائة وخمسون حديثًا يدعو فيهم النبيُّ صلى الله عليه وسلم ربَّه، ويُجاب في الحال والناس يشهدون[6].
وقد تحدَّى صلى الله عليه وسلم أهلَ الدنيا بالقرآن الكريم، فلم يجدوا إلا السيف ليُسكتوه به.
فالمعجزات والآيات والبيِّنات التي أتى بها صلى الله عليه وسلم كثيرة، والبشارات به في كتب أهل الكتاب عجيبة، وسوف نتناول بعض هذه المعجزات، وبعض هذه البشارات بالتفصيل في ثنايا الصفحات القادمة.
أما البيِّنة الخامسة من بيِّنات صدق النبي:
أن يكون النبيُّ مُؤيَّدًا مِن قِبل الله عز وجل .
ولا يلزم هنا التأييدُ الدنيوي المادي بالفتوح والانتصارات، لكن المقصود أن تنتصر حُجَّة النبي وتنتصر براهين صحة رسالتِه.
والنبي صلى الله عليه وسلم في باب التأييد بالحُجة والبرهان لم يأتِ كافر واحد على كثرة الكفار ورغبتهم في استئصال شأفة الإسلام، لم يأتوا بتناقضٍ واحدٍ في نصٍّ شرعيٍّ واحدٍ.
وحاز النبيُّ صلى الله عليه وسلم إلى جانب تأييد الحُجة والبرهان، حاز تأييدَ النصر والتمكين بالفتوح، وقد أخبر الله عز وجل بنصر نبيه، وأخبر بسيادة دينه وانتشاره، في الوقت الذي كانت فيه دياناتُ العرب قائمة، وملوكُهُم على جزيرة العرب مستولية، وكانت ممالك الهند وكسرى والقسطنطينية مما لا يحلُم العرب أن يروها فضلًا عن أن تنتشر كلمتهم فيها، وكانوا يعتبرون انتصاره من قبيل هدم الجبال الشُّمِّ الرواسي بريشةٍ تطير[7].
وفي هذه السورة إشعار بأنه قد فرغ من مهمته في الدنيا.
وبعد نزول هذه السورة قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم للناس: "إنَّ عبدًا خيَّره الله بين أن يؤتيه من زهرة الدنيا ما شاء، وبين ما عنده، فاختار ما عنده"[8].
فعلم أبو بكر أن المُخيَّر هو النبيُّ صلى الله عليه وسلم ؛ فبكى!
وقبل وفاة النبي صلى الله عليه وسلم بيومٍ واحدٍ -يوم الأحد-، تصدَّق بكل ما عنده من مالٍ وكانوا سبعة دنانير، ووهب المسلمين سلاحه، وكانت درعُهُ مرهونةً عند يهودي بثلاثين صاعًا من شعير.ودعا صلى الله عليه وسلم فاطمةَ رضي الله عنها : فسارَّها بشيءٍ فبكت، ثم سارَّها بشيءٍ فضحَكت، قال لها في الأولى: أنه يموت في مرضه هذا فبكت، وقال لها في الثانية: أنها أولُ أهله لُحوقًا به فضحِكت[9].
وقد حدث ما أخبر به صلى الله عليه وسلم ، حيث مات في مرضه هذا وكانت فاطمة أولُ أهله لحوقًا به.
وعندما بدأ الاحتضارُ بالحبيب صلى الله عليه وسلم بعد هذه الكلمات، جعل يُدخل يديه في الماء، ويمسح بهما وجهَه، ويقول: لا إله إلا الله إن للموت لسكرات، ثم رفع يديه أو إصبعه وتحركت شفتاه، فأصغت إليه عائشة فسمعته يقول: "مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، اللهم اغفر لي وارحمني وألحقني بالرفيق الأعلى، اللهم الرفيق الأعلى"[10].
وكرَّر الكلمة الأخيرة ثلاثًا، وفاضت روحه، ولحق بالرفيق الأعلى.
فقد مات صلى الله عليه وسلم بعد أن أُيد بالحُجة والبرهان والنصر والتمكين!
إن التسليم لصدق هذا النبي وصحة رسالته وتأييد الله له، والله هو رشاد العقل، وتمام الحكمة، وكمال النظر.
***