ورد مثلًا في سفر التثنية، وهو خامس أسفار التوراة، ورد قول الرب لموسى:
قَالَ لِيَ الرَّبُّ: أُقِيمُ لَهُمْ نَبِيًّا مِنْ وَسَطِ إِخْوَتِهِمْ مِثْلَكَ.

قال الرب لموسى في هذا النص: سيأتي نبيٌّ مثلك يا موسى من وسط إخوة بني إسرائيل!
لكن مَن هم إخوة بني إسرائيل؟
إخوة بني إسرائيل هم أبناء إسماعيل؛ فإسماعيل أخو إسحاق، وإسرائيل بن إسحاق، فأبناء إسماعيل هم إخوة أبناء إسرائيل.
وهذا ما تُقرره التوراة نفسها... تقول التوراة عن إسماعيل: وَأَمَامَ جَمِيعِ إِخْوَتِهِ يَسْكُنُ.

إذَنْ يُبشِّر اللهُ موسى في هذا النص من سِفر التثنية أنَّه سيأتي نبيٌّ من بني إسماعيل، وهذه نبوءة لا علاقة لها بالمسيح عيسى عليه السلام ؛ لأن المسيح لم يكن من وسط إخوة بني إسرائيل بل هو منهم.
المسيح كان من بني إسرائيل، وتحديدًا مِن سبط يهوذا بن إسرائيل.
بينما النبيُّ الذي أتى من وسط إخوة بني إسرائيل، أي: من نسل إسماعيل هو فقط النبيُّ محمد صلى الله عليه وسلم .
ولو لم تتحقق هذه النبوءة في محمد صلى الله عليه وسلم ، فهي لم تتحقق حتى الآن!
أُقِيمُ لَهُمْ نَبِيًّا مِنْ وَسَطِ إِخْوَتِهِمْ مِثْلَكَ.
والنبي محمد صلى الله عليه وسلم مثل موسى عليه السلام .
فكلاهما أتى بشريعة جديدة، بينما المسيح لم يأتِ بشريعةٍ جديدةٍ!
بل إنَّ المسيح عليه السلام كان يرفض أن يُنظر له على أنَّه أتى بشريعة جديدة، لدرجة أنَّه رفض حتى تقسيم الميراث!
فقال: يَا إِنْسَانُ، مَنْ أَقَامَنِي عَلَيْكُمَا قَاضِيًا أَوْ مُقَسِّمًا؟

أيضًا موسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام، كلاهما جاهَدَ الكُفار والوثنيين؛ بينما المسيح عليه السلام بُعث إلى بني إسرائيل!
أضِف إلى ذلك أنَّ موسى ومحمدًا عليهما الصلاة والسلام، كلاهما وُلد ولادةً طبيعيةً، وتزوَّج وأنجب ومات موتًا طبيعيًّا، أمَّا المسيح فولادته ولادةً خاصَّةً؛ فقد وُلد بغير أبٍ، ولم يتزوَّجْ، ورُفع للسماء عليه السلام !
ومن دلائل التشابه الشديد بين موسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام أن موسى أكثر الأنبياء ذِكرًا في القرآن الكريم، وما ذُكر بهذا التكرار إلا لتشابُه السيرة والمواقف التي تعرَّض لها بتلك التي تعرَّض لها النبي صلى الله عليه وسلم ، فيأتي ذِكر قصة موسى للتنبيه والعِظة وأخذ الدرس والعِبرة والربط على القلوب!
وكانت دائمًا قَصص موسى حاضرة في الصِّعاب التي يتعرَّض لها النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة حتى كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "رَحِمَ اللَّهُ مُوسَى، لقَدْ أُوذِيَ بأَكْثَرَ مِن هذا فَصَبَرَ"[1].
فكما حُورب موسى حُورب محمدٌ صلى الله عليه وسلم ، وكما أُخرج موسى من بلده أُخرج محمدٌ صلى الله عليه وسلم ، وكما جاهد موسى جاهد النبي محمدٌ صلى الله عليه وسلم ، وكما انتصر موسى انتصر محمدٌ صلى الله عليه وسلم .
فالنبي الذي مثل موسى ومن نسل إخوة بني إسرائيل، هو وحده محمد صلى الله عليه وسلم !
بل إنَّ الكتاب المقدس يُقِرُّ أنَّه لم يقم نبيٌّ في بني إسرائيل مثل موسى عليه السلام !

وعندما نعود لتكملة النص في سفر التثنية، يقول النصُّ: وَأَجْعَلُ كَلَامِي فِي فَمِهِ، فَيُكَلِّمُهُمْ بِكُلِّ مَا أُوصِيهِ بِهِ.

أَجْعَلُ كَلَامِي فِي فَمِهِ: كلام الله مباشرةً في فم النبي صلى الله عليه وسلم ؛ لأنَّه أُمِّيٌّ لا يقرأ ولا يكتب، فيكون كلام الله في فمه لا في ألواحٍ، ولا بكتاب ينزل مرةً واحدةً من السماء!
بل هو وحْي إلهيٌّ سيتنزَّل وينطق به هذا النبي القادم.
فكلام الله في فمه صلى الله عليه وسلم مباشرةً!
19- لكنَّ هناك أنبياءَ كذبةً كثيرين ظهروا في بلاد العرب بعد ظهور النبي صلى الله عليه وسلم ؛ فكيف نُفرِّق بينهم وبين النبي الصادق؟
النصُّ في نفس السفر... سفر التثنية، يُجيب عن هذا السؤال!
ففي هذا النص فرقَانِ ظاهرَانِ نعرف من خلالهما النبيَّ الصادقَ من النبي الكاذب!
يقول النصُّ: وَأَمَّا النَّبِيُّ الَّذِي يُطْغِي، فَيَتَكَلَّمُ بِاسْمِي كَلَامًا لَمْ أُوصِهِ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِهِ، فَيَمُوتُ ذلِكَ النَّبِيُّ.

النبيُّ الذي يفتري على الله، ويتكلم بما لم يُوحِ به اللهُ إليه يموت ذلك النبيُّ.
النبي الكاذب يهلك قبل إتمام رسالته!
سورة الحاقة وهي سورة مكية تُقرر أنَّ النبي الكاذب سيهلك قبل إتمامه للرسالة!
فماذا حصل؟
فالرسالة تمَّت، والشريعة كَمُلت، ومات صلى الله عليه وسلم بعد نزول هذه الآية بأيامٍ.
هذا هو الفرق الأول بين النبي الصادق والنبي الكاذب... النبي الصادق تتمُّ رسالته!
هناك فرقٌ ثانٍ بين النبي الصادق والنبي الكاذب يذكره نفسُ النص في سفر التثنية:

يقول النصُّ:
وَإِنْ قُلْتَ فِي قَلْبِكَ: كَيْفَ نَعْرِفُ الْكَلَامَ الَّذِي لَمْ يَتَكَلَّمْ بِهِ الرَّبُّ؟ فَمَا تَكَلَّمَ بِهِ النَّبِيُّ بِاسْمِ الرَّبِّ وَلَمْ يَحْدُثْ وَلَمْ يَصِرْ: تنبَّأ ونبوءته لم تتحقق.
فَهُوَ الْكَلَامُ الَّذِي لَمْ يَتَكَلَّمْ بِهِ الرَّبُّ، بَلْ بِطُغْيَانٍ تَكَلَّمَ بِهِ النَّبِيُّ: نبي كاذب فَلَا تَخَفْ مِنْهُ.
التفريق الثاني سهل جدًّا.
الله عز وجل يخبرنا أنَّ مَن قال أنا نبي، وتنبَّأ بأمورٍ ولم تحصل، فهو نبي كاذب!
والآن بالله عليكم؟
هل يستطيع أحدكم أن يُحصي ما تنبَّأ به النبي محمد صلى الله عليه وسلم ، ووقع كما تنبَّأ؟
هل يوجد نبيٌّ من الأنبياء؛ سواءً في العهد القديم أو الجديد أخبر بعدد النبوءات التي أخبر بها النبي صلى الله عليه وسلم ووقعت كما أخبر؟
بل لو جمعنا جميع النبوءات التي تنبَّأ بها المسيح عليه السلام ، وأضفنا إليها جميع النبوءات التي تنبَّأ بها موسى عليه السلام ، وأضفْنا إليهما جميع النبوءات التي تنبَّأ بها جميع أنبياء العهد القديم؛ فهذه النبوءات في مجموعها أقل عددًا من النبوءات التي أخبر بها النبي صلى الله عليه وسلم وتحقَّقت كما هي!
20- مثل ماذا هذه النبوءات التي تنبَّأ بها النبي صلى الله عليه وسلم ووقعت كما أخبر؟
ومعاد الرجل بلده؛ لأنه ينصرف ثم يعود، وقد تمَّ كما أخبر.
5- وأخبر أنَّ أبا لهب سوف يموت على الكفر، وقد تم.
مع أنَّ أبا لهب ظل حيًّا بعد نزول هذه السورة لأكثر من أحد عشر عامًا، ومع ذلك لم يُسلم طوال هذه المدة!
نبوءات كثيرة أخبر بها القرآن الكريم ووقعت كما هي!
والسؤال هنا: ما المانع أنْ يُسلم الوليد كما أسلم ابنه... خاصَّةً وأنه تأثر بالقرآن جدًّا؟
فهذا كان أمرًا واردًا في أيَّة لحظةٍ؟

ومع ذلك يضع القرآنُ نبوءة أنَّ الوليد بن المغيرة لن يُسلم، وسيموت كافرًا، وتتحقَّق النبوءة بحرفها!
بل وأخبر القرآن أنَّ الوليد بن المغيرة رُزق ببنين كُثر، وهو يطمع في الزيادة، لكن كلَّا... لن يرزق ببنين آخرين؛ وقد تم.
فهو يتمنَّى الزيادة، لكن كلَّا لن يُرزق بآخرين، فوقع كما أخبر القرآن الكريم!
7- وتنبَّأ القرآن الكريم أنَّ الروم ستَهزِم الفُرس في بضع سنين مع أن هذا كان مستحيلًا بحساب موازين القوى في تلك الفترة، وقد تم.
(غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ * وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} [سورة الروم: 2-6].
فهذا وعْد من الله، وقد وقع كما وَعَدَ سبحانه!
فما تمنَّوُا الموت أبدًا؛ لأنهم يعلمون أنهم لو تمنَّوه أمام النبي لماتوا من ساعتهم، فما تمنَّوه مع المطالبة والإلزام!
حتى قال بعض العلماء: "لا يتمنون ذلك مع خفَّته وسهولته ومع علمه صلى الله عليه وسلم بشدة حرصهم على تكذيبه وفضيحته؛ تعَجَّبَ!
ولم يقل هذا من عندي، بل قال: هذا من عند ربي وإلهي وإلهِكم، وهذا مقام لا يُبديه النبي صلى الله عليه وسلم إلا مع اليقين.
وقد تحيَّرت الملاحدة وأعداء رسول الله صلى الله عليه وسلم لماذا لم يتمنَّ اليهودُ الموتَ زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيُكذبوه بذلك فيستريحون ويُريحون".
نبوءات لا حصر لها أخبر بها القرآنُ الكريم، ووقعتْ كما أخبر.
9- والنبيُّ صلى الله عليه وسلم تنبَّأ بقتل أُميَّة بن خلف، والحديث في البخاري وقُتل أُميَّة بن خلف.

10- وتنبَّأ صلى الله عليه وسلم بأنَّ أُمَّ حَرَامٍ بنْتَ مِلْحَانَ ستكون من غُزاة البحر، والحديث في صحيح مسلم[2].
وقد وقع كما تنبَّأ!
11- وتنبَّأ بأنَّ الحسن بن علي سيُصلح الله به بين فئتينِ عظيمتينِ من المسلمين، والحديث في البخاري[3].
ووقع كما تنبَّأ صلى الله عليه وسلم وسُمي العامُ الذي أصلح الله به بين المسلمين على يد الحسن بن علي، سُمي بـ: عام الجماعة.
تخيَّلْ لو مات الحسن بن علي طفلًا صغيرًا؟
12- وتنبَّأ صلى الله عليه وسلم أنَّ عمَّارًا ستقتله الفئةُ الباغية، والحديث في البخاري[4].
ووقع كما تنبَّأ صلى الله عليه وسلم .
13- وتنبَّأ بأنَّ عُمَر وعثمان وعلي وطلحة والزبير لن يموتوا على فُرُشهم كما يموت الناسُ، وإنما سيموتون شهداء ووقع كما تنبَّأ صلى الله عليه وسلم .

فماتوا شهداءَ!
14- وأخبر صلى الله عليه وسلم برسالة حاطب بن أبي بلتعة، والحديث في البخاري، ووجد الصحابةُ ما أخبر به صلى الله عليه وسلم بصورته!

15- وأخبر صلى الله عليه وسلم بمقتل القادة الثلاثة في غزوة مؤتة.
16- وأخبر بمقتل كِسرى في اليوم الذي مات فيه.
17- وأخبر بموت النجاشي في اليوم الذي مات فيه، وصلَّى عليه صلاة الغائب.
وتنبَّأ بأحداثٍ كثيرةٍ حصلت بعده، وكلها وردت بأسانيد على أعلى درجات الصحة!
مئات النبوءات التي فقط ذكرتُ طرفًا منها، وما زالت النبوءات التي أخبر بها صلى الله عليه وسلم تتحقَّق حتى الساعة.
إذَنْ النبي الصادق يتنبَّأ ويقع ما يتنبَّأ به، بينما النبي الكاذب يتنبَّأ ولا يقع ما يتنبَّأ به، بل يخذله الله!