سفر دانيال مكتوبٌ قبل الإسلام بحوالي ألف عامٍ، هذا أمرٌ لا خلاف عليه بين المؤرخين، وسفر دانيال هو ضمن الترجمة السبعينية؛ والترجمةُ السبعينيةُ بالاتفاق كانت قبل الميلاد بثلاثة قرون كاملة.
وحين تناول يوسيفوس المؤرخ الشهير في القرن الثاني الميلادي، أي: قبل الإسلام بأربعة قرون كاملة حين تناول نبوءة دانيال ذكر الممالك الأربع، وقال إنَّ الحجر الذي سيضرب الممالك الأربع لم يظهر بعدُ[1].
فالناس كانوا ينتظرون كيف ستتحقَّق نبوءة دانيال.
وكانوا يتساءلون: مَن هي الْأُمَّة التي ستعيد التوحيد، وتحارب الأمم الكافرة؟
والآن نبدأ في تنزيل نبوءة دانيال على الأحداث التاريخية:
ظهر دانيال في مملكة بابل؛ إذَنْ أول مملكة وأول وَحْش رآه النبي دانيال كانت المملكة البابلية الكلدانية، وهي الأسد المُجنَّح بأجنحة نَسْر.
وهذا الرمز الأسد المُجنَّح كان رمْزَ المملكة البابلية الكِلدانية، وتوجد صورُهُ على معابدها حتى اليوم.

وبعد هذا الوحش... بعد هذه المملكة البابلية الكلدانية، ظهرت المملكة الفارسية حين استولى كورش الفارسيُّ على بابل، وأسَّس واحدةً من أكبر إمبراطوريات العالم القديم: الإمبراطورية الفارسية.

والأضلاع الثلاثة في الرؤيا هي امتلاك الإمبراطورية الفارسية لأجزاءٍ كبيرةٍ من مشارق الأرض ومغاربها في القارات الثلاثة والله أعلمُ.
أما المملكة الثالثة في نبوءة دانيال، فهي مملكة الإسكندر الأكبر التي ظهرت بعد مملكة فارس، وقد رُمز لها في النبوءة برمز النمر ذي الأجنحة والرؤوس الأربعة.

صفة النمر لسرعة انتشار مملكة الإسكندر في الأرض.
والنمر كان مُبجَّلًا بالفعل في الثقافة اليونانية... ثقافة الإسكندر الأكبر، وكان الإسكندر الأكبر يرتدي في المعارك الكبرى خوذةً بوجه نمر.
والرؤوس الأربعة في رؤيا دانيال: ترمز لانقسام المملكة بعد وفاة الإسكندر الأكبر إلى أربع ممالك.

أما الوحش الرابع... الوحش الضخم في رؤيا دانيال فهو المملكة الرومانية... تلك الإمبراطورية الرومانية الجبَّارة.
والقرون العشرة التي ظهرت من هذا الوحش في النبوءة، والتي تعجَّبَ منها النبيُّ دانيال عليه السلام ، فهي نبوءة بعشرة أباطرة رومان سوف يَضطهدون النصارى الموحدين؛ وهذا بالضبط ما حصل في القرون الثلاثة الأولى بعد رفع المسيح عليه السلام .
ولذلك تُسمى الاضطهادات التي حصلت على يد هؤلاء الأباطرة الرومان... تسمى بالاضطهادات العشرة في تاريخ المسيحية.
فهم عشرة أباطرة رومان اضطهدوا النصارى الموحدين وحاربوهم وقاتلوهم:


وبعد هؤلاء الأباطرة العشرة الذين بطشوا بالمؤمنين ظَهر القرن الحادي عشر... الإمبراطور الحادي عشر... أخطر أباطرة الدولة الرومانية، وهذا الإمبراطور ستنهار أمامَهُ ثلاثةُ قرون: أي سيُقاتل ثلاثة ملوك أقوياء ويهزمهم ويستقر لإمبراطوريته الحكمُ، وسوف يروج للكفر "كَلَامٍ ضِدَّ الْعَلِيِّ"!

فمن هو يا تُرى هذا القرن؟
من المعلوم تاريخيًّا أنَّه بعد الأباطرة العشرة الرومان المشهورين باضطهاد النصارى الموحدين، ظهر الإمبراطور قسطنطين... قسطنطين الكبير!
إذَنْ القرن الحادي عشر هو قسطنطين الكبير![2]
وهذا الإمبراطور بالفعل قد تغلَّب على منافسيه الثلاثة –القرون الثلاثة- كما هو معلوم تاريخيًّا.
هؤلاء المنافسون الثلاثة هم:
الإمبراطور ماكسِنتْيوُس Maxentius
والإمبراطور ماكسيمِينُوس الثاني Maximinus II
والإمبراطور ليِسينيوُس Licinius
كلهم قهرهم قسطنطين الكبير، واستقرَّ له الحكم!
لكن كيف ينطق هذا القرن "قسطنطين الكبير" بالكفر والعظائم، كما ورد في رؤيا دانيال؟

وَيَتَكَلَّمُ بِكَلَامٍ ضِدَّ الْعَلِيِّ: يتكلم بكلام كُفر.
وَيُبْلِي قِدِّيسِي الْعَلِيِّ: يحارب المؤمنين الموحدين ويضطهدهم.
وَيَظُنُّ أَنَّهُ يُغَيِّرُ الأَوْقَاتَ وَالسُّنَّةَ: سيُغير الأيام المقدسة.
وَيُسَلَّمُونَ لِيَدِهِ إِلَى زَمَانٍ وَأَزْمِنَةٍ وَنِصْفِ زَمَان: سيبقى طُغيان إمبراطوريته في الأرض ثلاثة قرون ونصف القرن.
فماذا فعل الإمبراطورُ قسطنطين الكبير حتى يوصم بكل هذه الصفات البشعة؟
العجيب أنَّ قسطنطين الكبير بالفعل هو أخطر شخصيَّة في تاريخ المسيحية تقريبًا!
فقد دعا هذا الإمبراطور إلى أخطر مجمع في تاريخ الإنسانية... دعا إلى مجمع نيقية!
وهذا الأمر كان في عام ثلاثمائة وخمسةٍ وعشرين، وفي هذا المجمع تم إفساد التوحيد!

تمَّ إفساد التوحيد النقي الذي أتى به المسيحُ عليه السلام ، وألزَم قسطنطين الأمم بتأليه المسيح، وبدأ قسطنطين رحلة اضطهاد للمسيحيين الموحدين، وحارب قديسي العلي.
ربما لم يحصُلْ منذ آدم عليه السلام ، وحتى عصر قسطنطين؛ لم يحصل أنْ يتمَّ تحدي التوحيد... توحيد الله كما حصل في عهد قسطنطين[3].
وقسطنطين أيضًا هو الذي غيَّر الأوقات، كما في الرؤيا بالضبط، فهو الذي أحلَّ تقديس يوم الأحد مكان يوم السبت.
وظلَّ اضطهادُ الموحدين منهجًا للإمبراطورية الرومانية منذ عهد قسطنطين؛ ظل قرابة ثلاثة قرون ونصف القرن.
فماذا حصل بالضبط بعد ثلاثة قرون ونصف من ظهور قسطنطين؟
ثلاثةُ قرون ونصف بالتوقيت القمري -التوقيت القمري؛ لأن الشهور في اليهودية كما في الإسلام شهورٌ قمرية - بالتوقيت القمري ثلاثة قرون ونصف تعدل حوالي ثلاثِمائة وبضع وثلاثين عامًا.
نضيف لها ثلاثمائة وستة، وهو العام الذي تولَّى فيه قسطنطينُ الحكمَ؛ حيث تولى الحكم عام ثلاثمائة وستة ميلادية.
ونتيجة المجموع هي تقريبًا: ستمائة وأربعين ميلادية!
فماذا حصل في هذا التوقيت بالضبط؟
هذا التوقيت هو عصرُ مجدِ الأمة الإسلامية، ودخول المسلمين القدس، وعودة نشر التوحيد إلى أمم الأرض.
لقد انتصر التوحيدُ -لأول مرة- منذ عهد قسطنطين، وامتلكت الأمة الإسلامية ممالك الأرض!
محمد صلى الله عليه وسلم [4].
فببعثة محمد صلى الله عليه وسلم عاد التوحيد الذي جاء به المسيح، عاد وانتشر في الأمم مرةً أخرى!
ولأول مرة منذ عهد النبي دانيال تعود الأرض المُقدَّسة في فلسطين للتوحيد... توحيد الله عز وجل حكمًا وتشريعًا ومُلكًا، لقد ظلَّت القدسُ تنتقل من حكم مملكة وثنية إلى أخرى؛ من بابل للفرس للإسكندر للرومان حتى عام ستمائة وبضع وثلاثين ميلادية؛ ليدخل المسلمون القدس لأول مرة في زمن عمر بن الخطاب رضي الله عنه .
لأول مرة في التاريخ منذ عهد دانيال، يسود المؤمنون ويحكمون الأرض المقدسة؛ ويُعطَوا ممالك الأرض كما تنبَّأ دانيال النبي!
وتحرَّر الناس من بطش الإمبراطورية الرومانية، فمن شاء عاد للتوحيد!
تخيَّلْ ذاك الوقت الذي رأى فيه دانيال هذه الرؤيا، وهو في السبي مع اليهود في بابل، ويرى أنَّ خليفةً عظيمًا سيظهر بعد أكثر من ألف عام؛ ليفتح الله على يده القدس أرض الأنبياء ويعيد إليها التوحيد، ليس هذا فحسب، بل ويمتلك مملكة بابل نفسها التي كان فيها دانيال النبي مسبيًّا!
ربما من أجل ذلك دعا دانيال ربه ألَّا يُدفن إلا في هذا الزمن الذي يعود فيه التوحيد للأرض المقدسة، وتتحقق فيه رؤياه العجيبة، فيُدفن دانيال في زمن عمر بن الخطاب رضي الله عنه بعد أكثر من ألف عامٍ من وفاته!
ولم يتنبَّأ دانيال بهذا فحسب!
بل تنبَّأ أنَّ المسلمين سيمتلكون أرض قسطنطين نفسها... القسطنطينية... عاصمة مُلك قسطنطين الكبير، والتي سُميت باسمه القسطنطينية... وهي: عاصمة الإمبراطورية الرومانية الشرقية... الإمبراطورية البيزنطية!
لقد تنبَّأ دانيال أنَّ مملكة هذا القرن الحادي عشر ستُعطى لقديسي العلي!
وبالفعل أصبحت القسطنطينية بلدًا إسلاميًّا!
لقد ملِك المسلمون المملكة... مملكة الإمبراطور الحادي عشر... القرن الحادي عشر، كما تنبَّأ دانيال النبيُّ عليه السلام :

أما قِدِّيسُو الْعَلِيِّ فيَأْخُذُونَ الْمَمْلَكَةَ، وَيَمْتَلِكُونَ الْمَمْلَكَةَ إِلَى الأَبَدِ وَإِلَى أَبَدِ الآبِدِينَ!
لقد أخذوها والله!
لقد أُعطيت لقديسي العلي، وقد بشَّر النبي محمد صلى الله عليه وسلم بفتح القسطنطينية؛ وبشَّر أول جيشٍ يغزوها بأنهم مغفورٌ لهم:

لقد امتلكوا المملكة... مملكة القسطنطينية؛ ليس هذا فحسب، بل لم يَعُدْ أحدٌ يطالب بها أصلًا؛ لقد صارت القسطنطينية بلدًا مسلمًا، ولم تعد تطالب بها أمة من أمم الأرض؛ وَيَمْتَلِكُونَ الْمَمْلَكَةَ إِلَى الأَبَدِ وَإِلَى أَبَدِ الآبِدِينَ!
فهُمْ سيمتلكوها إلى الأبد... إلى قيام الساعة!
لقد امتلك المسلمون الممالك الأربع التي رآها دانيال في رؤياه؛ وسيطرت الأمة الإسلامية، وفي خلال جيلٍ واحدٍ على ممالك الأرض؛ لقد فُتحت بابلُ بالعراق، وبلاد فارس والشام ومصر، وامتدَّ الإسلام من الصين شرقًا إلى الأندلس غربًا، ولم يستطِعْ وحش واحد من الوحوش الأربعة أن يقف في وجه الأمة الإسلامية الموحدة!
يقول النبيُّ صلى الله عليه وسلم والحديث متفقٌ على صحته: "وبيْنَما أنا نائِمٌ البارِحَةَ؛ إذْ أُتِيتُ بمَفاتِيحِ خَزائِنِ الأرْضِ حتَّى وُضِعَتْ في يَدِي، قالَ أبو هُرَيْرَةَ: فَذَهَبَ رَسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وأَنْتُمْ تَنْتَقِلُونَها"[5].
تَنْتَقِلُونَها: أي تستخرجون ما فيها.
رأى النبيُّ محمد صلى الله عليه وسلم في رؤيا رآها فتوحَ أُمَّتِهِ وسيادةَ دينِهِ، وأنَّ خزائن ممالك الأرض ستأتي للأمة الإسلامية، فكان كما رأى، وكما رأى قبله دانيال عليهما السلام.

ولن يختفي الإسلام إلى قيام الساعة، وسيظلُّ التوحيد على الأرض، وسيدخل كلَّ قرية ومدينة، شاء مَن شاء وأبى مَن أبى؛ قال صلى الله عليه وسلم : "ليبلُغنَّ هذا الأمرُ مبلغَ اللَّيلِ والنَّهارِ، ولا يترُكُ اللَّهُ بيتَ مدرٍ ولا وبرٍ إلَّا أدخلَهُ هذا الدِّينَ بعزِّ عزيزٍ أو بذُلِّ ذليلٍ".

يستحيل أن تنطبق نبوءة دانيال على أُمَّة غير الأمة الإسلامية، لا في التوقيت الزمني للنبوءة، ولا في وصف أحداث النبوءة، ولا في وصف ممالك الأرض، ولا في الأحداث التي جرت بعد النبوءة، ولا في حقيقة سقوط الممالك أمام الأمة الإسلامية، ولا في صفات الأمة الإسلامية، ولا في زمن ظهورها!
إنَّ ابن الإنسان لم يكن ولن يكون سوى محمدٍ صلى الله عليه وسلم ، وقديسو العلي لم يكونوا ولن يكونوا سوى الصالحين والمجاهدين من الأمة الإسلامية!
إنَّه صلى الله عليه وسلم هو الحجر الذي رآه نَبُوخَذْنَصَّرَ في رؤياه!
الحَجَر الذي سيهدم التمثال... الحجر الذي سيسحق الممالك الأربع الظالمة الوثنية.

وقال صلى الله عليه وسلم عن نفسه في الحديث المتفق عليه في البخاري ومسلم: "أنا اللَّبِنَةُ وأنا خاتِمُ النبيِّينَ"[6].
اللهم صلِّ على محمدٍ وعلى آل محمدٍ وعلى أصحاب محمدٍ وعلى كل مَن اتَّبع هديه إلى يوم الدين؛ آمين.