ستحصل مفاجأةٌ تجيب عن هذا السؤال، وهي أنَّ النبيَّ دانيال عليه السلام بعد سنواتٍ من رؤيا نَبُوخَذْنَصَّرَ سيرى هو بنفسه نفس الرؤيا التي رآها نَبُوخَذْنَصَّرَ لكن بتفاصيل أدقَّ، وملامحَ أوضح، وهذه الرؤيا ستفسرها له الملائكة؛ حتى نتأكَّد أنَّ المقصود بالفعل هو البشارة بظهور الإسلام، والنبي محمد صلى الله عليه وسلم .
سيرى دانيال في رؤياه الممالك الأربع، وسيرى النبيُّ العظيم الذي سيأتي وتسود أمته، بل وسيعرف دانيالُ زمانَ بَعثة هذا النبي بالضبط؛ فدعونا نقرأ رؤيا دانيال عليه السلام التي رآها بنفسه:

رَأَى دَانِيالُ حُلْمًا؛ أَرْبَعَةَ وحوش عَظِيمَةٍ تصعد من البحر: الأمم الأربع.
الأَوَّلُ كَالأَسَدِ وَلَهُ جَنَاحَا نَسْرٍ. والثاني شَبِيهٌ بِالدُّبِّ، وَفِي فَمِهِ ثَلَاثَةُ أَضْلُعٍ، والثالثُ مِثْلُ النَّمِرِ وَلَهُ عَلَى ظَهْرِهِ أَرْبَعَةُ أَجْنِحَةِ طَائِرٍ. وَكَانَ لِلْوَحْشِ أَرْبَعَةُ رُؤُوسٍ، وَأُعْطِيَ سُلْطَانًا: المملكة الثالثة لها أربعةُ رؤوس انتبهوا.
بعد ذلك ماذا رأى؟

رأى: الوَحْش الرَّابعٍ: المملكة الرابعة.
فهو هَائِلٌ وَقَوِيٌّ وَشَدِيدٌ جِدًّا: مملكة باطشة قوية وللمملكة:
عَشَرَةُ قُرُونٍ: هذه مملكة لها عشرة قرون... أي عشرة ملوك، تنطح بهذه القرون!
كُنْتُ مُتَأَمِّلًا بِالْقُرُونِ، وَإِذَا بِقَرْنٍ آخَرَ صَغِيرٍ طَلَعَ بَيْنَهَا: إذَنْ أصبح لدينا أحد عشر قرنًا... أحد عشر مَلِكًا. القرن الحادي عشر هذا الذي ظهرَ قد سَقطَت من حوله ثلاثةُ قرون؛ وهذا القرن الحادي عشر سيكون أفسد هذه القرون؛ لأنه سينشر الكفر، ويُحرف الدين، ويتكلم بِعَظَائِمَ.
أَمَّا بَاقِي الوحوش الثلاثة السابقة: الممالك الثلاث نُزِعَ عَنْهُمْ سُلْطَانُهُمْ، وَلكِنْ أُعْطُوا طُولَ حَيَاةٍ إِلَى زَمَانٍ وَوَقْتٍ: حيث أصبحوا دولًا صغيرةً، ولم يعودوا إمبراطورياتٍ.
وبعد هذه الممالك الأربع ماذا رأى دانيال؟

وفجأةً، ومع سُحُب السماء يظهر ابْنُ إِنْسَانٍ: الحجر الذي سيأتي في آخر الزمان.
أَتَى وَجَاءَ إِلَى الْقَدِيمِ الأَيَّامِ، فَقَرَّبُوهُ قُدَّامَهُ: وهذه بشارة واضحة بالإسراء والمعراج؛ حيث سيُعرَج بهذا النبي القادم، ويصعد إلى السماء!
فَأُعْطِيَ سُلْطَانًا وَمَجْدًا وَمَلَكُوتًا؛ لِتَتَعَبَّدَ لَهُ كُلُّ الشُّعُوبِ وَالْأُمَمِ وَالأَلْسِنَةِ: أُعطي حكمًا وتشريعًا ونبوَّةً؛ فهو سيكون نبيًّا مجاهدًا تخضع له الأممُ.
سُلْطَانُهُ سُلْطَانٌ أَبَدِيٌّ مَا لَنْ يَزُولَ، وَمَلَكُوتُهُ مَا لَا يَنْقَرِضُ: ستبقى أُمَّتُهُ وتشريعُهُ إلى يوم القيامة.
دانيال عليه السلام تعجَّب من هذه الرؤيا ولم يفهمْها، فاقترب من أحد الملائكة راجيًا منه أن يُفسر له ما يرى!

فقال له الملَكُ: هؤُلَاءِ الْوحوش الْعَظِيمَةُ هِيَ أَرْبَعُ ممالك تقوم عَلَى الأَرْضِ.
وبعد هذه الممالك الأربع سيظهر قِدِّيسُو الْعَلِيِّ الذين سيَأْخُذُونَ الْمَمْلَكَةَ، وَيَمْتَلِكُونَ الْمَمْلَكَةَ إِلَى الأَبَدِ وَإِلَى أَبَدِ الآبِدِينَ: سيكون فيهم الحُكم والتشريع من قِبَل الله إلى قيام الساعة... سيكونون أُمَّةً مجاهدةً!
وهنا دانيال استوقفه الوحش الرَّابعِ تلك الأمة الشرسة التي لها عشرة قرون: عشرة ملوك!
واستوقفه ذاك القرن الحادي عشر الذي سيتكلم بالكفر؛ أراد دانيال أنْ يفهَمَ مَن يكونون هؤلاء؟ وهذه نقطة جوهرية في رؤيا دانيال؛ لأنه لن تظهَرَ الأمة العظيمة... قِديسو العلي، الذين سيعيدون التوحيد إلا بعد ظهور هذا الملك الحادي عشر محارب الموحدين!
فما هي صفات هذا القرن الحادي عشر؟

وَهذَا القرن الحادي عشر الذي له فَمٌ مُتَكَلِّمٌ بِعَظَائِمَ، وَمَنْظَرُهُ أَشَدُّ مِنْ رُفَقَائِهِ.
يُحَارِبُ الْقِدِّيسِينَ فَغَلَبَهُمْ: هذه صفاته... يُحارب الصالحين الموحدين.
وينشر عظائم: أي تحريفات عظيمة في الدين.حَتَّى جَاءَ الْقَدِيمُ الأَيَّامِ، وَأُعْطِيَ الدِّينُ لِقِدِّيسِيِ الْعَلِيِّ: أعطى التشريع والأرض للأمة المؤمنة الموحدة.
فَامْتَلَكَ الْقِدِّيسُونَ الْمَمْلَكَةَ: هزموا مملكة هذا القرن الحادي عشر؛ فقد فتح اللهُ لهم الأرض.
إذَنْ سيأتي عشرة ملوك "القرون العشرة" من المملكة الرابعة، ويقوم بعدهم الملك الحادي عشر، وسيهلكُ أمامه ثلاثة ملوك.
وهذا القرن الحادي عشر سيَتَكَلَّمُ بِكَلَامٍ ضِدَّ الْعَلِيِّ، وسيُحرف الدين.
لكن كم يا تُرى سيبقى فساده في الأرض إلى أن يظهر قديسو العلي؟
نترك دانيال عليه السلام يُجيبُنا عن هذا السؤال:

وَيُسَلَّمُونَ لِيَدِهِ: يُسلِّمون لسلطانه.
إِلَى زَمَانٍ وَأَزْمِنَةٍ وَنِصْفِ زَمَانٍ: أي ستظل إمبراطوريته مسيطرةً على الأرض إلى زمانٍ وأزمنةٍ ونصفِ زمان.
أي: إلى قرن وقرنين ونصف قرن، أي: حوالي ثلاثمائة وخمسين عامًا.
لأنَّ الزمان بحسب الكتاب المقدس يعادل مائة عام[1].
بعد ثلاثمائة وخمسين عامًا ستأتي آخِرُ الأمم... قِدِّيسِو الْعَلِيِّ، الذين ستبقى شريعتُهم إلى قيام الساعة، ويملكون الممالك، بل ويملكون مملكة هذا الملك الحادي عشر نفسها.

هذه كانت نهاية النبوءة العجيبة من دانيال عليه السلام !
فماذا حصل في تاريخ الأمم بعد هذه النبوءة؟
العجيب أنَّ كل ما في هذه النبوءة حصل وبنفس الصورة في تلك الرؤيا!