الرئيسية صحة الإسلام رسـولُ الْأُميـِّينَ
السؤال 36

طالما أن النبوءة والبشارة بهذا الوضوح الشديد، لماذا لم يؤمن أهل الكتاب على بَكْرة أبيهم؟ لماذا ما زالوا يكفرون بالإسلام... يكفرون بدين الله؟

الربِّيُّون علماء التوراة الذين درسوا التوراة بتمعُّنٍ يعترفون أنَّ محمدًا صلى الله عليه وسلم نبيٌّ ورسولٌ من عند الله، وهو نبيُّ الأميين الذي بشَّرت به التوراة، لا يستطيعون إنكار ذلك، لكنهم يقولون: إنَّه نبي مبعوث إلى الأميين وليس نبيُّهم هم[1].

وهذا من عنادهم وكِبْرهم، فالنبي محمد صلى الله عليه وسلم نبيٌّ من الأميين للأميين ولكل البشر!

{وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ} [سورة آل عمران: 20].

فهو لكل البشر لأهل الكتاب وللأميين!

فاعتقادهم هذا اعتقادٌ كاذبٌ حتى يكفروا به ولا يتبعوه عنادًا واستكبارًا.

فالإسلام هو رسالة للعالمين والنبيُّ محمد صلى الله عليه وسلم نبيٌّ لكل البشر: {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا} [سورة الأعراف: 158].

وأنا أتساءل: إذا كانوا يعترفون بنبوَّته، فهل النبي يكذب حين قال: إنَّه بُعِث للناس جميعًا؟

هل النبي يكذب حين أخبرهم أنه يجب الإيمان به، ومَن لم يؤمن به فقد كفر؟

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا} [سورة النساء: 47].

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِّمَا مَعَكُم: مصدقًا للتوراة التي بين أيديكم؛ فهو بشارة التوراة التي معكم فآمنوا به!

ثم ألم تخبرْكم التوراة أنَّ الرسالة ستنتقل من أمتكم إلى أمةٍ أخرى، كما في وصية يعقوب قبل موته؟

ألم يخبرْكم المسيحُ أن ملكوت الله سينتقل لأمةٍ أخرى؟

للأسف تُضيعون نجاتَكم بأيديكم، فلا تلوموا إلا أنفسَكم!

ثم ألم يُهدم الهيكل اليهودي ولا تعرفون له مكانًا حتى الساعة؛ أليس هذا دليلًا على نسخ الشريعة... على نسخ الديانة؟

ثم ألم تتوقَّف النبوات فجأةً عندكم بعد محاولتِكم صلب المسيح عليه السلام ؟

أليست كل هذه أدلة على أنَّ الرسالة والشريعة والنبوة وميراث الأرض قد انتقلوا لأمةٍ أخرى؟

{تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا} [سورة الفرقان: 1].

ليكون للعالمين نذيرًا، وليس للأميين فقط!

نعود لنُكمل النصَّ في سفر حِجي:

وَأُزَلْزِلُ كُلَّ الْأُمَمِ وَيَأْتِي مُشْتَهَى كُلِّ الْأُمَمِ

فَأَمْلَأُ هذَا الْبَيْتَ مَجْدًا: أيُّ بيت يا تُرى؟

قَالَ رَبُّ الْجُنُودِ: الحديث عن نبي مجاهد!

لِي الْفِضَّةُ وَلِي الذَّهَبُ، يَقُولُ رَبُّ الْجُنُودِ: بشَّر النبيُّ محمدٌ صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق على صحته بأنه أُعطي كنزَي الذهب والفضة:

وأُعْطِيتُ الكَنْزَيْنِ الأحْمَرَ والأبْيَضَ: الكنز الأحمر هو الذهب، والكنز الأبيض هو الفضة.

كنزا قيصر وكسرى بالشام والعراق، وهما المعروفانِ في التاريخ بكنزَي الفضة والذهب؛ لأن غالب معاملات الأول بالفضة، والثاني بالذهب؛ فالنبيُّ صلى الله عليه وسلم أخبر بأنَّه أُعطي هذين الكنزين!

هذانِ الكنزانِ سينفقان في سبيل الله، كما ورد في الحديث المتفق عليه: "والذي نَفْسِي بيَدِهِ لَتُنْفَقَنَّ كُنُوزُهُما في سَبيلِ اللَّهِ"[2].

وبالفعل فُتحت بلاد الشام والعراق، وأنفقت كنوزُ الفضة والذهب لقيصر وكسرى في سبيل الله، وتحقَّقت بشارة النبي حجي، ونبوءة النبي محمد صلى الله عليه وسلم !

لِي الْفِضَّةُ وَلِي الذَّهَبُ، يَقُولُ رَبُّ الْجُنُودِ!

فالحمد لله على نعمة التوفيق لدينه الحق الذي دعا له كلُّ الأنبياء!

وهنا يستوقفني حديث عجيب، كيف كانت بداية الإسلام، ثم كيف انتصر هذا الدين ومكَّن الله لنبيه!

في حديث قصة إسلام عمرو بن عَبَسَة؛ قال عَمرُو بنُ عَبَسَةَ السُّلَميُّ: كُنتُ وأنا في الجاهليَّةِ أَظُنُّ أنَّ النَّاسَ على ضَلالةٍ، وأنَّهُم ليسوا على شَيءٍ، وهُم يَعبُدون الأَوثانَ، قال: فسَمِعْتُ برَجُلٍ بمكَّةَ يُخبِرُ أَخبارًا، فقَعَدْتُ على راحِلَتي، فقَدِمْتُ إليه، فإذا رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم مُستَخفيًا، جُرَءاءُ عليه قَومُه، فتَلطَّفْتُ حتَّى دَخَلْتُ عليه بمكَّةَ، فقُلْتُ له: ما أنتَ؟ قال: أنا نبيٌّ، فقُلْتُ: وما نبيٌّ؟ قال: أَرسَلَني اللهُ، فقُلْتُ: بأيِّ شَيءٍ أَرسَلَكَ؟ قال: أَرسَلَني بصِلَةِ الأَرحامِ، وكَسْرِ الأَوثانِ، وأنْ يوَحَّدَ اللهُ لا يُشرَكُ به شَيءٌ. فقُلْتُ له: مَن معكَ على هذا؟ قال: حُرٌّ وعبْدٌ، قال: ومعه يَومئذٍ أبو بكرٍ وبِلالٌ ممَّن آمَنَ به، فقُلْتُ: إنِّي مُتَّبِعُكَ، قال: إنَّكَ لا تَستَطيعُ ذلكَ يَومَكَ هذا، ألَا تَرى حالي وحالَ النَّاسِ؟ ولكنِ ارجِعْ إلى أهْلِكَ، فإذا سَمِعْتَ بي قد ظَهَرْتُ فأْتِني. فذَهَبْتُ إلى أهْلي، فقَدِمَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم المَدينةَ، وكنتُ في أهْلي، فجَعَلْتُ أَتَخبَّرُ الأَخبارَ، وأَسألُ كلَّ مَن قَدِمَ مِنَ النَّاسِ، حتَّى قَدِمَ عليَّ نَفَرٌ مِن أهلِ يَثرِبَ مِن أهلِ المَدينةِ، فقُلْتُ: ما فَعَلَ هذا الرَّجُلُ الَّذي قَدِمَ المَدينةَ؟ فقالوا: النَّاسُ إليه سِراعٌ، وقد أَرادَ قَومُه قتْلَه فلمْ يَستَطيعوا ذلكَ. قال: فقَدِمْتُ المَدينةَ، فدَخَلْتُ عليه، فقُلْتُ: يا رسولَ اللهِ، أَتَعْرِفُني؟ قال: نعَمْ، أَلَسْتَ الَّذي أَتَيْتَني بمكَّةَ؟[3]

انظر لبداية الإسلام: ألَا تَرى حالي وحالَ النَّاسِ!

ثم انظر بعدها بسنوات: النَّاسُ إليه سِراعٌ.

نكمل قراءة سفر حجي:

لِي الْفِضَّةُ وَلِي الذَّهَبُ، يَقُولُ رَبُّ الْجُنُودِ.

مَجْدُ هذَا الْبَيْتِ الأَخِيرِ يَكُونُ أَعْظَمَ مِنْ مَجْدِ الأَوَّلِ: هنا النصُّ يتحدَّث عن بيت جديد للرب!

بيت الرب الجديد الذي تحدثنا عنه قبل قليل بالتفصيل؛ البيت الذي ستُساق له أضاحي بلاد العرب!

مَجْدُ هذَا الْبَيْتِ الأَخِيرِ يَكُونُ أَعْظَمَ مِنْ مَجْدِ الأَوَّلِ قَالَ رَبُّ الْجُنُودِ.

وَفِي هذَا الْمَكَانِ أُعْطِي السَّلَامَ، يَقُولُ رَبُّ الْجُنُودِ: وفي هذا المكان أعطي السلام: {وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ} [سورة آل عمران: 97].

هل تنطبق هذه الصفات صفات البيت الجديد على بيت غير البيت الحرام اليوم؟

هل تنطبق على الهيكل اليهودي الذي اختفى من الوجود أصلًا؟

هل تنطبق على مذبح الكنيسة الذي لا تُقدَّم عليه أضاحي أصلًا؟

المراجع

  1. 1 https://www.youtube.com/watch?time_continue=13&v=4y6NsYLxj3gاعتراف خطير من أحد الربيين اليهود بأنَّ محمدًا صلى الله عليه وسلم هو أحد أعظم أنبياء الأميين!
  2. 2 متفق عليه، صحيح البخاري ح:3121 وصحيح مسلم ح:2919.
  3. 3 السنن الكبرى للبيهقي، م2 ص454.
التالي → 37 - لكن هل وَرَدَ مكان البيت الحرام في "مكة" في التوراة؟ ← السابق 34 - لكن كيف نعرف أنَّ المقصود في النبوءة بالضبط هو الإسلام؟