والجواب كالتالي: الملحد يضع افتراضًا متهافتًا فيقول: بما أن الكون ضخم، فالإنسان ليس مركزًا في هذا الكون، هذا الافتراض مبنيٌّ على مقدمة: بما أن هذه المزارع شاسعة وصاحبُها حجمه صغير جدًّا بالنسبة لها إذنْ: هو ليس بصاحبِها!

ليس الأمر بالحجم إطلاقًا.
والأخلاق التي بلا حجم مادي هي المعيار الأكبر في التفاضُل بين أعظم الناس وأحقر الناس.
وإنقاذ طفل واحد أولى من جبال الأرض، أليس كذلك؟
فقضية الأحجام ليست معيارًا!
ودعونا نضرب هذا المثال: لو أنَّ عندنا مَلِكًا وهذا الملك أوصى لابنه ببعض الوصايا والنصائح، وكَتب له في ذلك كتابًا، هل يمكن أن يأتي معترضٌ ويقول: كيف لملك يملك ملايين الأفدنة والأراضي الشاسعة التي لا حصر لها، كيف يهتمُّ بابنه الذي لا يبلغ حجمه ووزنه واحد على مليون مما يملك هذا الملك من الأراضي والأفدنة؟ ولله المثل الأعلى.
هل هذا اعتراض معقول أصلًا؟
فالقضية ليست بالحجم ولا بالوزن.
ثم أليس هذا الكون بدأ من نُقطة أصغر من رأس الدبوس بمليارات المرات كما يقرر كل فيزيائي اليوم؟
إذنْ الحجم نسبيٌّ.
فاستغراب ضخامة الحجم أو ضآلته أو طول عمر الكون أو قصره هي محاولات لأنسنة الإله، حيث يتصوَّرون أن الإله إنسانًا، وبما أنَّ الإنسان من المفترض أن يُقدِّر الأشياء بحسب إنفاقه عليها، وبما أن الكون عملاق جدًّا، فالمفترض أن يكون مركز هذا الكون شيء ضخم الحجم جدًّا، حتى يوازي النفقات التي أُنفقت على كون بهذا الحجم!
ما الذي يضيركم أيها الملاحدة من أن يخلق اللهُ ما يشاء بالكيف الذي يشاء؟
لماذا المحاولات المتكررة لأنسنة الإله؟
لكن هل نحن بالفعل مركزًا لهذا الكون؟
نعم أنت أيها الإنسان: مركز هذا الكون بالتكليف الإلهي، والتكليف الإلهي هو الدِّين، هو الأمانة التي حملها الإنسان، هو هذا الاختبار الأعظم الذي نحن فيه!
فقط بالتكليف الإلهي تُصبح مركزًا لهذا الكون، فلا بحجمك ولا بقوتك ولا بقدراتك تصبح مركزًا لهذا الكون، وإنما من خلال التكليف الإلهي أصبحت مركزًا في هذا الكون!
والتكليف لا عَلاقة له بالحجم؛ إذ لا يلزم أن يكون التكليف للأكبر حجمًا، بل المنطقيُّ أن يكون التكليف للكائن الذي يدرك معنى التكليف، والقادر على فعل الخير وترك الشر، الكائن القادر على الإيمان والكفر!
وكلنا يعلم أنه مُكلَّف، سواءً شئنا أم أبينا!
الملحد والمؤمن الكل يعلم أنه مُكلَّف ويشعر بالتكليف الإلهي، ويعاني وَخْز الضمير الأخلاقي، ويعرف أنَّ بداخله: افعل ولا تفعل، افعل الخير ولا تفعل الشرَّ، كلنا يعلم من واقع نفسه أنه مُطالَب!
فنحن في مركز هذا الكون تكليفيًّا!
أيضًا نحن في مركز هذا الكون إدراكيًّا ومعرفيًّا، فنحن ندرك ونعي ونعقل ونعرف حقيقة وجودنا، وحقيقة الكون من حولنا، ونفهم معنى وجودنا جيدًا؛ أيضًا نحن في مركز هذا الكون قيمةً ومعنًى، فطفل صغير أولى من كل جبال العالم، ونحن في مركز هذا الكون دينيًّا، فنحن المُطالبون المآخذون المُكلفون المحاسَبون!
ونحن الكائن المُدرِك لروعة الإعداد بعنايةٍ، نحن الكائن المدرك للإتقان، نحن الكائن القادر على تنفيذ ما كُلف به أو الكفر بالتكليف، نحن نَقدر تمامًا على الاختيار، نحن نَقدر حقيقةً على الإيمان والكفر.
فنحن في مركز هذا الكون، سواءً شئنا أم أبينا!