الرئيسية الكون والحياة
السؤال 9

ما المانع أن تكون هناك أكوان كثيرة، وكوننا أتى بين هذه الأكوان بالصدفة؟

فرضية الأكوان المتعددة كما يَعرف كل فيزيائي على ظهر الأرض، هي مجرد تخمين بلا دليل مِن رصد أو بحث.

يقول عالم الفيزياء جون بولكنجهون: "الأكوان المتعددة Multiverse ليست فيزياء، بل هي في أحسن الأحوال تصوُّر ميتافيزيقيٌّ، ولا يوجد سبب علمي واحد يدعو للإيمان بمجموعة من الأكوان المتعددة، لا يوجد دليل علمي يجعلني أُصدِّق بهذه الفكرة"[1].

أما الفيزيائي اللامع راسل ستانرد Russell Stannard فيقول: "لا توجد حتَّى معادلة فيزيائية واحدة تدعم فرضية الأكوان المتعددة".

ففرضية الأكوان المتعددة هي مُجرَّد تخمينات وخيالات غير مُبَرهنة، والانتصار لهذه التخمينات أمرٌ مُربِك وغريب، كما يقول فيلسوف العلوم ريتشارد داويد Richard Dawid.

وحتى على افتراض وجود أكوان متعددة، ستبقى هذه الأكوان المتعددة مُنعزلة سببيًّا، أي أنَّ: كل كون منعزل عن الآخر سببيًّا.

وهذا معناه أنَّ: كل كون قد ظهَرَ مستقلًّا تمامًا، وبالتالي فكل كون هو عبارة عن واقعة مستقلة Independent Event أي: واقعة لا عَلاقة لها بسابقتها.

وبهذه الصورة فلكل كونٍ قوانينه الخاصَّة المستقلة به، ولا يُفسر ظهور بعضِها ظهورُ البعض الآخر.

وهذا سيطرح إشكالًا أعمق، وهو أنَّه: سيصبح لكل كون تصميمه الخاص، وبالتالي فالملحد لم يعد أمامه كون بثوابت فيزيائية مدهشة، بل جملة أكوان لكلٍ منها عملية إبداع، ولكلٍ منها قوانين خاصَّة وإلا ما ظهر!

وربما بعض ثوابت هذه الأكوان تفوق في دهشتها وعظمتها الإتقان الذي نشهده في كوننا بتريليونات تريليونات المرات؛ إنها إلزامات أكبر على الإلحاد.

إذنْ الأكوان المتعددة لم تَحُلَّ مشكلة الضبط الدقيق، بل طرحت مشكلة الضبط على أبعاد أخرى ربما لا يجرؤ العقل البشري على استيعابها في الأمد المنظور.

ثم السؤال الجوهري: مِن أين أتت هذه الأكوان؟

الأكوان المتعددة على افتراض وجودها هي ليست أزليَّة، بل لها بداية!

وبما أن لها بداية فلا بد أن هناك مُسبِّبًا لوجودها!

وبالتالي فأنت لم تُجبْ عن شيء بتقديم فرضية الأكوان المتعددة.

أمَّا مسألة أنَّ الأكوان المتعددة لها بداية، فهذا أمر معروف كما يقول أحد أشهر داعمي فرضية الأكوان المتعددة اليوم، وهو الفيزيائي آلان جوث Alan Guth حيث يقرر أن هذه الأكوان المتعددة على افتراض وجودها ستبقى لها بداية محددة It would still be somewhere an ultimate beginning.

ستبقى هناك بداية في مكانٍ ما لكل هذه الأكوان، ستبقى هناك بداية نهائيَّة للجميع[2].

وبالتالي سيبقى سؤال: مِن أين أتت هذه الأكوان سؤالًا قائمًا.

ثم إنَّ هناك استشكالًا منطقيًّا بسيطًا في موضوع الأكوان المتعددة يُبين عدم جدوى الاحتجاج بها من طرف الملحد وهو:

هل عندما أسألك: من أين أتى هذا الغلام الصغير الجميل؟ فتقول هذا الغلام له إخوة كثيرون غيره، ربما بعضهم يكون قبيحًا! هل أنت بهذا أجبت؟

من أين أتى هذا الكون الأنيق؟

ستقول: هناك أكوان أخرى كثيرة!

إجابة سخيفة على سؤال عقلي ومنطقي!

يقول كريستيان دوف Christian Dove: "لو حاولتَ أن تُغرق السمكة بكل محيطات العالم فستبقى تثبت وجودها، ستبقى حية"[3].

السمكة ستبقى تتنفس؛ لأن السمكة ببساطة لا تغرق بالماء حتى ولو وضعتَها داخل كل محيطات العالم.

فأنت لم تفعل شيئًا بافتراض وجود أكوان متعددة، أنت بهذه الحيلة - حيلة الأكوان المتعددة- لم تهرُب من إلزامات الضبط الدقيق، ولا إلزامات وجود كوننا ولا غيرها من الإلزامات، ما زالت هذه الإلزامات حيةً تتنفس، ولو أغرقتها بمليارات الأكوان!

بل إن كل كون جديد سيزيد الإلزامات تعقيدًا.

وبالمناسبة: ليس هناك ما يمنع عقلًا ولا شرعًا من وجود أكوان أخرى، فالله عز وجل هو ربُّ العالمين.

{الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الفاتحة: 2].

فهذا أمر لا مشكلة فيه شرعًا، لكن التدليس أنْ يتمَّ افتراض أن كل كون مبنيٌّ على الآخر، مع أن كل كون مستقل سببيًّا عن الآخر كما فصَّلنا؛ فكل كون منعزل عن الآخر، وكل كون له ثوابته الخاصة، وليس مبنيًّا على غيره، وبالتالي لا مكان للصُّدفة أو الاحتمالية.

المراجع

  1. 1 John Polkinghorne, One World, P.80نقلًا عن: العلم ليس إلهًـا، محمد أمين خُلال، مركز يقين.
  2. 2 https://www.youtube.com/watch?v=NUI9Dq4WTxg من 30:29إلى 30:56تمت استفادة رابط الفيديو من كتاب براهين وجود الله، د. سامي عامري، مركز تكوين، ص 414.
  3. 3 De Duve, Life Evolving, P.299
التالي → 10 - ما المانع أن يكون الكون أتى بمحض الصدفة؟ ← السابق 8 - لكن ربما في المستقبل نعرف كيف ظهر الكون؟