الرئيسية الكون والحياة
السؤال 26

لكن ألا تحمل الطبيعة صورًا مُعقَّدة وصورًا أقلَّ تعقيدًا من الأنظمة الحياتية المختلفة، كالعين على سبيل المثال؟

هذا الاعتراض هو لُبُّ الإشكال التطوُّري، والذي يُبين أننا أمام نظرية تعتمد بالكلية على الطرح الفلسفي وليس الطرح العلمي المُبرهن!

فالإعجاز ليس فقط في العين، الإعجاز في الخلية الحسَّاسة للضوء؟

لماذا تحسَّست هذه الخلايا للضوء؟

وكيف يتحوَّل التحسُّس للضوء إلى نبضات كهربية؟

وكيف تتحوَّل النبضة الكهربية إلى وعي ورؤية لما أمامك؟

القضية منقوصة من البدء!

الجواب لا يكون بافتراض أنَّ: هناك عيونًا أقل تطورًا!

هذا الطرح الفلسفي من دُعاة نظرية التطوُّر أشبه تمامًا بجواب نفس التطوُّري عندما نسأله: هل تستطيع الطبيعة أن تُنشئ صينية كنافة طازجة بالجُبن؟

سيُجيبك التطوُّري قائلًا: الموضوع بسيط، بسيط جدًّا.

القمح موجود في الطبيعة، وسقوط النيازك قد يتسبَّب في طحن القمح في أحد الأزمنة السحيقة؛ ليتحوَّل إلى دقيق، ومع قليل من المطر يتحوَّل الدقيق إلى عجين!

وعلى طرف أحد صخور الأفران البركانية سيصبح لدينا مكان رائع للطهي السريع!

أما طعم الكنافة اللذيذ؛ فهناك حل بسيط: قصب السكر موجود في كل مكان لإضافة مذاق الكنافة، وينابيع الماء الساخن كثيرة لإذابة قصب السكر.

أما الجُبن فظهوره سهل: فما أكثر الأبقار ونقاط اللبن التي تنزل من ضرعها بعد رضاعة أولادها...

إلى هنا تستوعب تمامًا سخافة الطرح، بل وقد تشعر بالملل والسذاجة.

فالقضية ليست في توافُر الموادِّ الأوَّلية والتي هي: خليَّة حسَّاسة للضوء، أو عين مُقعَّرة، أو عيون أقل تطورًا!

القضية في المعرفة the Know How التي تنتج صينية الكنافة بالجُبن!

القضية منقوصة من البَدء!

أنت لو انتظرت لملايين الأعوام لن تتشكَّل صينية كنافة واحدة؛ لأن القضية معرفة Know How وليست موادَّ أولية.

افتراض أنَّ وجود المواد الأولية كافٍ هذا افتراض فلسفي، لكنه لا يصلح كمُعطًى علمي معتبر!

كلُّ ما يفعله التطوُّري أنه يُفكك في عقله أجزاء النظام البيولوجي المُعقَّد الذي أمامه، يُفكك الأجزاء المكونة للعين في عقله، ثم يقوم بإعادة تجميع هذه الأجزاء من أماكن مختلفة من الطبيعة.

كأننا نلعب لعبة البازل Puzzle Game.

فكِّك وجمِّع!

الخيال خِصْب.

وموهبة توليد الحكايا قد يمتلكها البعض.

لكن على المستوى الجُزيئي داخل الخلية كل التفاصيل مهمة، وخلل في حرف واحد داخل شريطك الجيني قد يُفسد نظامًا بأكملِه!

فما بالك بنظام مبهر كالعين؟

دقة العين البشرية تُوازي خمسمائة وستة وسبعين ميجا بيكسل.

وتحتوي العين على أنقى عدسة في العالم.

وحجم المستقبل الضوئي في الشبكية لا تتجاوز مساحته نصف الملليمتر المربع!

إنَّه إعجاز وخَلْق إلهي مبهر[1].

وحتى تعرف كيف تحصُل الرؤية؟

حتى تعرف مدى تعقيد هذا النظام المبهر، والذي لا يمكن تفسيره بطريقة التفكيك الخرافي الدارويني، حتى تعرف إبهار هذا النظام؛ انتبه معي لهذا الشرح:

عندما تسقط فوتونات الضوء على شبكية عينِك، فإنها تُحفز بروتينًا يُدعى الرودوبسين Rhodopsin -الرودوبسين يوجد داخل خلايا شبكية العين- بعد تحفيز الرودودبسين فإنه يلتصق ببروتين آخر فيُطلقا معًا جزيئة اسمها GDP ويكتسبانِ بدلًا منها جزيئة GTP، وبعد اكتساب هذه الجزيئة فإنهما يصبحانِ أكثر قوة، وبالتالي يكون بإمكانهما الآن فصل جزيئة تُدعي Cgmp.

بعد انفصال هذه الجزيئة تدخل جزيئات الصوديوم ذات الشحنة الموجبة إلى داخل الخلية، وبدخولها يحدث خلل في توازن الشحنات عبر غشاء الخلية، هذا الخلل هو الذي يُولد تيارًا كهربيًّا ينتقل عبر العصب البصري إلى الدماغ.

عندما يصل التيار الكهربيُّ لدماغك تحصل معجزة -تبهرني كلما تفكَّرت فيها- وهي أنَّ دماغَك يقوم بتفسير تردُّد هذا التيار الكهربي الذي وصل إليه على أنه رؤية! وكأنه يمتلك قاموسًا متكاملًا مُسبقًا يُحول التيار الكهربي الذي وصل إليه إلى رؤية لما أمامك!

مُخُك يقبع داخل صندوق مظلم والذي هو الجمجمة؛ ولا يصل لمخِّك إلا تيارات كهربية، فكيف فسَّر المخ هذا التيار على أنه رؤية؟

كيف أعطاك الرؤية؟

كيف يُميز بين عشرة ملايين درجة لونية مختلفة بأبعادها المختلفة؟

كل هذا الإعجاز في منظومة الإبصار يحصل في لحظة واحدة بمجرد أن تفتح عينيك وتنظر!

وبعد دورة الإبصار هذه التي بدأت ببروتين الرودوبسين، فإن هذا البروتين لا بد أن يعود سريعًا ليشارك بعد أقل من لحظة في دورة إبصار جديدة.

الشفرة المطلوبة لتكوين بروتين الرودوبسين توجد داخل الشريط الجيني في كل خلية من خلاياك، وشفرة الإنزيمات المطلوبة لتفكيك بروتين الرودوبسين بعد عملية الإبصار توجد أيضًا داخل الشريط الجيني، كذلك الشبكية وعدسة العين والرموش والحاجب وعظام الجمجمة والمخ كل الأعضاء توجد شفرتها داخل الشريط الجيني.

كل ذرَّات الكون لا تكفي لتشكيل شفرة بروتين رودوبسين واحدة بالصدفة[2].

هذا فضلًا عن تكوين شبكية العين، فضلًا عن المخ، فضلًا عن إدراك معنى الرؤية داخل صندوق المخ المظلم، فضلًا عن ظهورك أنت أيها الإنسان!

{هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} [لقمان: 11].

المراجع

  1. 1 أوصي بالاستماع لهذه الحلقة:اسأل ولا تخف | الحلقة 18 | الصدفة… هل يمكنها خلق العين؟! ج1.| الدكتور مهاب السعيدعلى هذا الرابط: https://www.youtube.com/watch?v=a9GE1AQYVDs
  2. 2 إن احتمالية ظهور إنزيم بسيط هي: 20 أس 100. بينما عدد ذرات الكون هي: 10 أس 80.Richard Dawkins, Climbing Mount Improbable, P.75براهين وجود الله، د. سامي عامري، ص652.
التالي → 27 - لكن هل نحن رصدنا تطورًا للعين خلال البحث في الأحافير؟ ← السابق 25 - لكن ماذا عن مشروع ريتشارد دوكينز Richard Dawkins عندما حاول