الرئيسية الكون والحياة
السؤال 30

لكن هل الطفرات والتطوُّر الصغير هل يُؤديانِ إلى تطور كبير؟

يستخدم دُعاة نظرية التطوُّر دائمًا لُعبة الحِيَل اللغوية، حيث يلعبون بالمُصطلحات، ومن أشهر هذه المصطلحات التي يلعبون بها مصطلح: "التكيُّف في إطار الحَوض الجيني للنَوع".

التكيُّف يُسميه دُعاة النظرية: تطورًا صغيرًا!

لكن ما هو التكيُّف؟

التكيُّف هو: التنوُّع ضمن إطار نوع الكائن الحي!

ففي البشر مثلًا هناك: الأبيض والأسود والطويل والقصير؛ هذا تنوُّع ضمن الحوض الجيني لنفس النوع.

فالحوض الجيني للنوع يُتيح أشكالًا مختلفة.

وحتى نفهم طبيعة الحوض الجيني جيدًا دعونا نضرب هذا المثال:

داخل المطبخ يوجد: دقيق وسُكر وزَيْت وبيض.

نستطيع بمكونات هذا المطبخ أن نصنع صينية كيك أو حتى صينية فطير بالسكر!

الحوض الجيني للمطبخ يتيح الصِّنفين معًا.

هذا هو التنوُّع ضمن الحوض الجيني للنوع.

فالحوض الجيني يتيح تشكيلات وتنويعات مختلفة...

وعندما زار داروين جُزُر الجالاباجوس، وشاهد تنوُّع مناقير العصافير، وجد أنَّ المناقير تختلف بحسب طبيعة الغذاء، فلو أنَّ الأكل كان قريبًا من الأرض سيصبح المنقار صغيرًا، بينما لو كان الأكل بعيدًا داخل الأرض، فإن المنقار سيكون أطول.

ظنَّ داروين أنَّ ما يحصل أمامه هو تطوُّر!

لم يكن داروين في ذاك الوقت يعرف طبيعة الحوض الجيني للنوع، لم يكن يعرف أن هذا تكيُّف طبيعي ضمن إطار النوع الواحد!

لم يدرك داروين هذه الحقيقة؛ لأن تركيب الحوض الجيني لم يُفهم إلا بعد قرنٍ كاملٍ من كتاب أصل الأنواع.

فما كان يحدث أمام داروين لم يكن تطوُّرًا، وإنما تنوُّع وتكيُّف ضمن إطار الحوض الجيني لنفس النوع.

فالشريط الجيني أو الشريط الوراثي لهذه العصافير يتيح أشكالًا مختلفة من المناقير، فهناك في الشريط الجيني لهذه العصافير شفرة لبروتين يُدعى (Bmp4) Bone morphogenetic protein 4.

الجين الخاص بهذا البروتين في المرحلة الجنينية يُشفر لكل الأنواع من أشكال المناقير، وبحسب نشاطِه فيما بعد يعطي بروتينًا مميِّزًا لمنقار محدد، أي: أنَّ الجين نفسَه يُشفر لكل أشكال المناقير، فكل هذه التنويعات للمناقير التي شاهدها داروين، اتضحَ أنها تنتمي لنفس الحوض الجيني؛ تنتمي لنفس النَوع!

داروين لم يكن يفهم معنى الحَوض الجيني، ولا الجينات، ولا التشفير، ولا شيء مما أقوله الآن.

داروين كان يعتمد على رؤية سطحية بدائية، استنبط من خلالها نظريته!

فاعتبَر أن التكيُّفات داخل نفس مكونات الحوض الجيني داخل نفس المطبخ اعتبرها تطورًا!

وللأسف ما زال أتباع النظرية يُروجون لنفس أسطورتِهِ فيُسمون التكيُّف ضمن إطار النوع الواحد يسمونه تطوُّرًا صغيرًا، في إيحاء إلى احتمالية تحوُّل التطوُّر الصغير إلى تطوُّر كبير أي: إلى ظهور نوعٍ جديد!

مع أنَّ الجميع يعلم اليوم أن كل هذه التكيُّفات هي: تنويعات ضمن إطار الحوض الجيني لنفس النوع.

والأغرب من ذلك أنَّنا باعترافهم: لم نرصد حتى الساعة أيَّ انتواع؛ لم نرصد أي ظهورٍ لأنواعٍ جديدة!

وهناك كتيب صدر مؤخرًا ترجمه مركز براهين، الكتيب بعنوان: "الانتواع الخادع" يردُّ على كل التخمينات في كل الحالات التي ظنوا أنها حالات ظهور لأنواع جديدة بالتطوُّر، وبيَّن الكتاب أنها تكيُّفات ضمن إطار النوع الواحد!

فالتكيُّفات تكون دائمًا داخل الحَوض الجيني للنَوع، ولا عَلاقة لها بالتطوُّر!

وهذا الحوض الجيني كما قلنا يتيح أشكالًا مختلفةً: فالحوض الجيني يتيح للبكتيريا آكلة النايلون أن تكتسب خاصية أكل النايلون متى توفر النايلون لها!

والحوض الجيني يتيح مقاومة البكتيريا للمضاد الحيوي متى تعاطى المريض مضادًّا حيويًّا!

وإن كانت مقاومة البكتيريا للمضاد الحيوي تجري بصورٍ مختلفةٍ، حيث ربما: تفقد البكتيريا جزءًا من الشريط الجيني الخاص بها، فلا يتعرَّف عليها المضاد الحيوي!

وأشهر مثال على ذلك طُفَيل المالاريا حين قاوم عقار الكُلوروكوين، وبعد أن توقف الأطباء عن وصف هذا العقار اختفت السلالات الضعيفة من طفيل المالاريا التي فقدت جزءًا من الشريط الجيني الخاص بها، وعادت السلالات الأصلية للظهور مجددًا.

فما حصل أثناء مقاومة المضاد الحيوي كان انتكاسةً Devolution وليس تطوُّرًا Evolution.

التالي → 31 - لكن ألَمْ تحصد نظرية التطوُّر جائزة نوبل في الكيمياء للعام 2 ← السابق 29 - هل الانتخاب الطبيعي نظرية عِلميَّة، أم هو تخمين فلسفي؟