ج: يقول الملحد اللاأدري الشهير برتراند راسل: "عقليًّا ليس هناك مانع أن يكون الكون قد ظهر منذ خمس دقائق، وبه آثار تدلُّ على ماضٍ سحيقٍ"[1].
فالآليات التي يرصد بها العلماء عمر الكون، أو حجم الكون، أو حتى التعقيد الكوني هي آليات في منتهى البدائية.
فأنت تتعامل مع نظام كوني مُعقَّد للغاية بآليات وأجهزة رصد في منتهى البساطة.
إنَّ نظام الكون مُعقَّد جدًّا جدًّا جدًّا، والآليات التي نستخدمها في رصده هي آليات بدائية جدًّا جدًّا جدًّا؛ ولذلك قال برتراند راسل ما قال، وبالمناسبة برتراند راسل هو عالم رياضيات ومنطق، فهو يحاول أن يشرح لنا قصور الفرضيات التي وصلنا لها في علم الفيزياء الفلكية؛ ولذلك قال أيضًا في موضع آخر: "لم يكن صراع جاليليو ومحاكم التفتيش صراعًا بين العلم والدين، وإنما صراع بين الاستقراء والاستنباط"[2].
فهنا يقرر برتراند راسل أنَّ منهج جاليليو كان منهجًا استقرائيًّا سطحيًّا ليس بهذه الوثوقية.
وحتى تعرف معنى الاستقراء: فلنفترض أنَّ هناك نباتًا غريبًا (س) بعد أن تناوله أحد الأشخاص أدَّى لظهور المرض (ص).
فهنا يقرر منهج الاستقراء أنَّ النبات (س) يؤدي للمرض (ص).
هذا هو منهج الاستقراء.
لكنَّ هذا منهج قاصر.
فهناك ألف سبب آخر ربما كان لهم دورٌ في ظهور المرض (ص)، فما الذي يدفعك للربط المباشر بين هذا النبات وبين ظهور هذا المرض.
ربما كان في هذا النبات مواد كيماوية تم رشها عليه، وهي التي أدَّت لظهور هذا المرض.
ربما حصل شيء بالتزامن مع تناول هذا النبات.
فمشكلة المنهج الاستقرائي أنه يتجاهل آلاف المُسببات الأخرى.
وهناك مُسببات خفية أو متغيرات خفية لا تُحصى ولا حصر لها Confounding variable.
فالمنهج الاستقرائي يؤدي لما يعرف بـ: "الارتباط الزائف" بين ظاهرة وأثر، فهو يتجاهل المسببات الخفية، والتي من الممكن أنْ يكون لها دور في ظهور المرض (ص) كمثال؛ لذلك قد يكون حُكم المنهج الاستقرائي حُكمًا بدائيًّا بناءً على ارتباطٍ زائفٍ.
وخير مثال واقعي على ذلك: الافتراض الشائع بين بعض أطباء جراحات المخ في ثمانينيات القرن الماضي من كون أورام معينة في المخ، لها دور في سلوكيات شاذة عند المصابين بهذه الأورام.
وقد اشتهر هذا الافتراض بعد أن بيَّنت النتائج المبدئية أنَّه بإزالة الورم في بعض المرضى اختفت هذه السلوكيات الشاذة.
فهل تصرُّفات الإنسان المُعقدة للغاية يتمُّ النظر لها بمنهج استقرائي أُحادي بدائي؟
أين آلاف المتغيرات والمُسبِّبات الخفية التي لا تُحصى؟
كيف يمكن تجاهُل ما لا حصر له من الأسباب الأخرى، والتي قد تكون أدَّت لتعديل سلوك الإنسان؟
فالإنسان ظاهرة مُعقدة جدًّا، ولا يمكن تحليل سلوكياته بهذه الرؤية البدائية.
فما المانع مثلًا أن يكون المريض قد استشعر اقتراب أجله، فتراجع عن ممارساته الشاذة؟
العجيب أنَّ هذا التصوُّر ظل شائعًا بين بعض أطباء جراحات المخ، حتى تم اكتشاف أنه لا توجد عَلاقة بين الورم في المخ وبين السلوك البشري أصلًا.

لكن لو كنَّا ندرك قصور المنهج الاستقرائي من البداية لما سقطنا في هذا الفخ، ولما احتجنا للتوكيد العلمي على خطأ هذا التصوُّر.
مثال آخر: يقول الملاحدة كيف تكون الشهب رجومًا للشياطين، في حين أننا نعرف القوانين الفيزيائية التي تسير بها الشهب؟
ومصدر هذه الشبهة أيضًا هو المنهج الاستقرائي في الرصد.
فنحن لا نرصد إلا مُتغيرًا واحدًا فقط، وهو قوانين الفيزياء التي تسير بها الشهب، لكن نحن نتجاهل كل المتغيرات الخفيَّة، والتي قد تكون لا حصر لها فعليًّا في عالم المحسوسات، فما بالك بعالم الغيب كعالم الجن والشياطين؟
إذا كنت في عالم المحسوسات منهجك الرصدي الاستقرائي في منتهى القصور، فما بالك بالعالم غير المدرَك... العالم الغيبي؟
لأجل كل هذا يقول كارل بوبر وهو فيلسوف العلوم الأشهر: "منهج الاستقراء لا يمكن أن يحقق الطمأنينة مهما كرَّرت التجربة، فلا بد وأنك ستعاني من ضعف الوثوقية؛ لأن هناك متغيرات خفية لا تحيط بها"[3].
ستبقى دومًا هناك جملة من المُسببات الخفية تثبت خطأ استنتاجك قد تظهر في أي وقت، وقد لا تظهر أبدًا.
ومن أجل هذا قام بوبر بتأسيس مبدأ عُرِف في فلسفة العلم بمبدأ: "القابلية للنفي Falsifiability"، فمهما كررت التجربة لن تستطيع أن تُثبِت صحة نظرية بالمنهج الاستقرائي.
لأنك لن تستطع أن تحيط بكل المُسببات الخفية، فكيف تضع حُكمًا شموليًّا من رصدٍ بسيطٍ لمتغيرٍ واحدٍ؟
ونحن هنا لا ننكر أهمية منهج الاستقراء، فهو على قصوره يُقدِّم خدماتٍ كثيرةً، فبتكرار التجربة نحاول أن نصل لأفضل تصور متاح بحدود قدراتنا البشرية، فنحن دائمًا نكرر التجارب؛ لنرصد أية متغيرات خفية، ونُعدِّل النتائج.
فهنا التكرار يفيد في زيادة الطمأنينة لنتائج التجربة، لكن لا بد أن نعلم أننا لن نصل للوثوقية التامة، ستبقى دائمًا نسبة شك، وهذه طبيعة البحث العلمي.
فتعقيد عالم الفلك أكبر من تعقيد عالم الكائنات الحية، وهناك حواجز في طبيعة هذا الكون من المحال تجاوزها مهما انفتحت لنا من علوم، مثال على ذلك: جدران بلانك.
فأنت لن تستطيع أنْ تعرف ماذا كان قبل الثانية 10-46 من عمر الكون، فمهما أُوتيت من علم يستحيل أن تعرف.
فكيف إذن سننظر في كيفية ظهور الكون؟
ثم إنَّ قضية خلق السماوات والأرض لا تخضع لا للاستقراء ولا للاستنباط.
فهل سبق لأحد أن شهد بعينيه عملية خلق سماء وأرض حتى يقيس عليها خلق سمائِنا وأرضنا؟
هل رأيت سماءً تُخلق، ثم تبدأ أنت في ممارسة المنهج الاستقرائي في كيفية ظهور كوننا؟
فكيف تقيس غائبًا والذي هو خلق السماوات والأرض على أي شيءٍ حاضرٍ؟
لذلك حتى يقوم الباحثون في علم الفيزياء الفلكية على دراسة كيفية ظهور الكون، فإنهم يعتمدون على منهج أقل دقة بكثير من المنهج الاستقرائي، ألا وهو منهج الاستنباط الافتراضي Hypothetico-Deductivism.
وطبقًا لمنهج الاستنباط الافتراضي فـ: الباحثون في علم الفلك يقومون بقياس غائب لم يشهدوه، والذي هو خلق السماوات والأرض على تأويلات في أذهانهم، يُحاكونها على مجموعة من النماذج الرياضية.
فهذا المنهج من أقل مناهج المعرفة العلمية وثوقيةً، ولا يفصل بينه وبين الشعوذة إلا شعرة البالطو الأبيض وشهادة الجامعة كما سأُبيِّن.
لكن الذي يتعجب له الإنسان: كيف لملحد أن يستخدم فرضيات بهذا الضعف في طرح تصوُّراته الإلحادية؟
إنها فرضيات لا تملك حتى مسحة دليل استقرائي واحد!
يقول ريتشارد داويد فيلسوف العلوم: كيف لهؤلاء الفيزيائيين الاعتقادُ في فرضيات لا يوجد دليل واحد يدعمها؟

ثم يأتي ملحد ليعتدي بهذه الفرضيات على الغيب والوحي الإلهي!
انظر كمثال لـ: نظرية الأوتار الفائقة، تلك النظرية التي يشتغل عليها آلاف العلماء في العالم، وأُنفقت عليها مليارات الدولارات.
قوام هذه النظرية على أية أدلة؟
تقوم نظرية الأوتار الفائقة على مجرد تأويلات ذهنية، ونماذج رياضية لا أكثر!
وعندما تحدث ستيفن هاوكنج عن نظرية الأوتار الفائقة في آخر كتبه قال: "هذه النظرية تعطي خمس نظريات، وكل نظرية من هذه النظريات الخمس لها ملايين الحلول الرياضية"[4].
ويمكن من خلال التأويل الذهني لأي حل من هذه الملايين من الحلول التي تفترضها نظرية الأوتار الفائقة، أن يتم رسم عالم كامل من الخيالات والأوهام (فِي خَوْضٍ يَلْعَبُونَ).
لن يعجز إنسان بهذه الملايين من الحلول أن يطرح أية فرضية من الفرضيات باختيار أي حل يعجبه، ويتصوَّر من خلاله أي هذيان في مقابل الوحي الإلهي.
والعجيب أنَّ نظرية الأوتار الفائقة نفسها لا يوجد عليها دليل واحد، ولا يوجد عالم فيزيائي مُعتبَر يستطيع أن يجزم بوجود أوتار فائقة في بِنية الذرة أصلًا!
فنظرية الأوتار الفائقة في مبناها تشبه علم الفيزياء الفلكية، كلاهما يقوم على التأويل الذهني، وبعض النماذج والمعادلات الرياضية.
يقول ستيفن هاوكنج في خاتمة كتابه موجز تاريخ الزمن: "نظرية الأوتار الفائقة تشبه نظرية الأرض التي تحملها سلحفاة، كلتا النظريتين: الأوتار الفائقة والأرض التي تحملها سلحفاة تفتقرانِ إلى دليل، فلم ير أحد قط سلحفاة ضخمة تحمل الأرض على ظهرها، ولم يروا كذلك وترًا فائقًا"[5].

تفترض نظرية الأوتار الفائقة 50010 كون، أي: مليارات الأكوان.
تتخيَّل هذه النظرية مليارات الأكوان حتى تضبط المعادلات الخاصة بها!
تخيل إلى أية درجة وصلت الفذلكة الرياضية.
والبعض ينبهر بهذا الإغراق الرياضي.
مجموعة من النماذج الرياضية والمعادلات التي يُراد بها تفسير كونِنا، تخرج لنا بمليارات مليارات التصوُّرات لأكوان أخرى؟
حتى تصح معادلتك تفترض لي مليارات مليارات الأكوان، ما هذه الضريبة الرهيبة؟
معادلات نظرية الأوتار الفائقة معادلات مُعقدة وصحيحة رياضيًّا تمامًا، لكنها لا تصف أي شيء على أرض الواقع!
للأسف عوام الناس لا يعرفون هذا الكلام، ولا يعرفون أنَّ علم الفيزياء الفلكية أصبح مرتعًا لتأويلات ذهنية تعادل بالضبط ما يمارسه المشعوذون!
دافعو الضرائب في الغرب لا يعرفون أن ملياراتهم تُنفَق في هراء باسم البحث العلمي، والتقدم البشري.
ثم يأتي ملحد ليقول لنا: هناك طاقة كانت موجودة قبل ظهور كوننا، بناءً على فرضية (س)!
لقد خرج ألكسندر فلنكن Alexander Vilenkin وهو من أشهر الباحثين في علم الفيزياء الفلكية، ويعمل مديرًا لمعهد علم الكونيات، خرج بعد 25 سنةً من البحث في فرضيات نشأة الكون، وأصل الكون، وهو يومًا ما كان واحدًا من رُوَّاد هذا المجال، خرج ليعترف أن كل هذه الفرضيات في نشأة الكون بلا قيمة، فهي مجرد تأويلات لا تعمل حتى على مستوى المعادلة الرياضية[6].
ومن فسد اعتقاده الديني فسدت كل تأويلاته الذهنية في عالم الغيب، وعاد بالخزي والفشل!
فالمرجعية الموضوعية الوحيدة Normative Reference التي يمكن الاعتماد عليها يقينًا في عالم الغيب هي: "الوحي الإلهي".
بالوحي الإلهي تعرف الحقيقة مطابقة للواقع.
وليس بديل الوحي الإلهي إلا زبالات التأويلات الذهنية التي يسمونها بـ: فرضيات أصل الكون.
فسماوات وأرض لا يتصورون كيف كان قيامُها أصلًا يدخلون فيها بالتخرُّصات الذهنية؟
شيء مما لا قياس له على عادتنا في هذا العالم، كيف يقومون بوضع التخيلات العقلية فيه؟ ويسمون هذه التخيلات علمًا؟
يتكلَّفون أسخف صور الاستدلال، وأوْهى أنواع الاستنباط، فيما لا سبيل للبشر إلى تحصيله أصلًا![7]
نحن معاشر المسلمين نؤمن بأنَّ طريق معرفة الغيب مما لا سبيل للعلم التجريبي إليه، لا يكون إلا باكتساب العلم من الوحي الإلهي، وليس من تأويلات الذهن.
وبعيدًا عن قضية أصل الكون، فبقية فروع علم الفيزياء الفلكية كدراسة النجوم، هي وإن لم تكن بنفس سطحية الأدلة في فيزياء أصل الكون، لكنها أيضًا تعاني من عيوب القياس على غير مَقيسٍ.
فهي تعتمد على معلومات رصدية شحيحة باهتة بالنسبة لتعقيد النظام الكوني، فتؤسّس على هذه المعلومات الباهتة تصوُّرات كلية، وأكوامًا من الفرضيات والقياسات والتأويلات.
فإذا كان علم الفيزياء الفلكية في أصل الكون لا يملك دليلًا، وأنَّى له الدليل في فرضياته التي يضعها، فإنَّ علم الفيزياء الفلكية في دراسة النجوم يملك أدلة، لكنها شحيحة للغاية، وباهتة بصورة مزعجة، فأنت لا تعرف حجم الأسباب الغيبية التي قدَّر الله بها خلق القوانين، ولا تعرف كم وتعقيد المسببات الخفية.
فأنت عندما ترصد الضوء الذي خرج من النجم، وتبدأ في تحليل كل مكونات النجم بناءً على طيفه الضوئي قياسًا على لون الشعلة الذي نراه في معاملنا، فهذا تحليل بدائي[8].
عندما تُقرر أن هذا الضوء الذي خرج من النجم منذ ثلاثة ملايين عام ووصلنا للتوّ، لم تحصل له متغيرات أو مسببات خفية تؤثر على قياساتك التي تتبنَّى من خلالها تصوُّر عمر النجوم، وعمر الكون فأنت عندك مشكلة!
فما المانع كما يقول برتراند راسل من أن يخرج الضوء منذ خمسة دقائق فقط، وبه آثار ومتغيرات خفية توحي بأن عمره ثلاثة ملايين عام؟[9]
فمنهج الاستنباط الافتراضي، والقياس على غير مقيسٍ، وتجاهل المتغيرات الخفية لا يعطي أية وثوقية في القياس.
ولذلك كان ستيفن هاوكنج يؤكد دائمًا أننا من الممكن في أية لحظة أن نكتشف أنَّ: كل نتائج قياساتنا في فيزياء الفلك هي مجرد خرافات أسطورية خاطئة[10].
إذن لو أردنا تقسيم البحث العلمي اليوم، فهو ينقسم إلى أربعة أنواع:
النوع الأول: البحث في الغيب المحض بالتأويلات الذهنية، كالبحث في أصل الكون.
وهذا النوع من البحث هراءٌ كله، ووهمٌ كله، وشعوذةٌ كله.
ولا أدري ما الذي ألجأ الباحثون في علم الفيزياء الفلكية إلى الدخول في الغيب المطلق وما وراء العالم؟
ألم يعترف العلم التجريبي أنه قاصرٌ على رصد الظواهر فقط في حدود الزمكان؟
فالعلم يرصد الظاهرة في حدود الزمان والمكان فقط!
أما ما وراء العالم، وما وراء الزمان والمكان، فهذا خارج نطاق النظر العلمي.
عندما دخل الباحثون في علم الفيزياء الفلكية إلى الغيب المحض ملأوا الأوراق بالتأويلات الذهنية، وأفسدوا مدرجات الجامعات بأكوام الفرضيات السخيفة!
إذن فهذا النوع من البحث كله هراءٌ ووهمٌ.
النوع الثاني وهو: النظر في النجوم بالاستنباط الافتراضي، وبناء فرضيات عملاقة على معطيات شحيحة باهتة، وهذا النوع من البحث العلم أغلبه فرضيات.
النوع الثالث وهو: النظر في المحسوسات بالمنهج الاستقرائي، وهو علم فيه نفع بقدر عمق البحث والإنفاق عليه وتكرار التجربة، لكن لا تصل فيه أبدًا للوثوقية الكاملة.
النوع الرابع من البحث العلمي وهو: القائم على الرصد المباشر للعينة التي تحت يدك وتحليلها تحليلًا تامًّا، وإقامة الحكم بناءً على تلك العينة وما يضاهيها في مادتها، وهذا أغلبه علمٌ نافعٌ، وهو وهو أصل منهج البحث العلمي عند علماء المسلمين في القرون المتقدمة.
وكل العلوم النافعة التي ننتفع بها اليوم تقوم على النوعينِ الثالث والرابع من البحث العلمي.
ولم ينتفع العلم بشيءٍ من كل أبحاث الفيزياء الفلكية، كما يعترف غير واحد من الباحثين في هذا المجال.
وقد بدأ كثير من علماء الغرب في التصريح ضمنًا في كتبهم بسخافة علم الفيزياء الفلكية في أصل الكون، ولولا الخوف من الاتهام بالتخريف ومعاداة العلم، لكان لهم مع علم الفيزياء الفلكية شأنٌ آخرُ.
للأسف يتمُّ شن حملات سخرية ضد كل مَن ينتقد هذا العلم في الغرب: أنت عدو العلم!
أنت جاهل!
فهذا سوط يرفعه القائمون على علم الفيزياء الفلكية ضد كل مَن يُسخف فرضياتهم، أو يُبدي قلقه الزائد من الإنفاق المبالغ فيه على أبحاثهم.

عندما خرج بول فيرابند Paul Feyerabend وهو أحد أكبر فلاسفة العلم في القرن العشرين، وتلميذ كارل بوبر، وصاحب كتاب ضد المنهج، عندما خرج ليُشكك في معطيات علم الفيزياء الفلكية في أصل الكون، تمَّ اتهامه بأنه عدو العلم، بل وتمَّ وصفه بـ "العدو الأسوأ للعلم".

فهناك سوط يُرفع دائمًا في وجه مَن يُشكك في هذا العلم.
ولذلك نصيحتي لكل مسلمة ومسلمة: الزموا النصَّ بفهمه الصحيح في مسائل الغيب، وقِفوا عنده.
فالعقائد في الغيب لا نتلقَّاها من تأويلات الفلكيين أو فرضيات النماذج الرياضية، وإنما نتلقَّاها بالوحي الحق من رب العالمين.
ومن استقام له الاعتقاد الغيبي بصحة الرسالة فلا يضرُّه ما تراكم في متاحف الجامعات من توهُّمات التأويل الذهني والنمذجة الرياضية والاستنباطات الافتراضية[11].
والآن دعونا نقترب من علم الفيزياء الفلكية أكثر وأكثر وننظر كيف يعمل هذا العلم.
علم الفيزياء الفلكية في أصل الكون يقوم على مجموعة من الفرضيات، ولا وجود لهذا العلم بدون التسليم بصحة هذه الفرضيات.
ومن هذه الفرضيات:
فرضية الوتيرة الواحدة Uniformitarianism هذه الفرضية تقرر أنَّ: القوانين والآليات الطبيعية التي يعمل بها كونُنا اليوم، هي نفسها القوانين والآليات الطبيعية التي كان يعمل بها الكون قبل عشرة آلاف سنة، وقبل مليون سنة، وقبل مائة مليون سنة، وقبل مليار سنة، وقبل عشرة مليارات سنة، بل هي نفسها القوانين والآليات الطبيعية التي بدأ بها كونُنا.

لا قوام لعلم الفيزياء الفلكية إلا بهذه الفرضية.
فمن المستحيل أن تكون هناك فيزياء فلكية دون التسليم مسبقًا لصحة هذه الفرضية.
فالكون يعمل بالآلية والقوانين نفسيهما عبر مليارات السنين، بل وبدأ الـPlanck size بالآلية والقوانين نفسيهما.
لو لم تكن هذه الفرضية صحيحة فلا وجود لعلم الفيزياء الفلكية، فكيف للباحث في علم الفيزياء الفلكية أن يضع فرضياته في أصل الكون إن لم تكن بناءً على قياسات يقيسها اليوم، ويفترض أنها القياسات نفسها التي كانت لحظة ظهور الكون؟
لكن الإشكال الأكبر هنا: من أين لكم أن القياسات كما هي منذ لحظة ظهور الكون؟
فرضية الوتيرة الواحدة هي محض تخيُّل وافتراض!
فهي مجرد ادعاء لا يمكن إثباته assumption.
لكن الباحثين في علم الفيزياء الفلكية يضطرون لإثبات هذه الفرضية، وإلا لأصبح علمهم كله وهمًا.
فهم يكتبون المعادلات التي تصف حالة الكون قبل مليارات السنين، معتمدين على الآليات التي يرصدونها اليوم في الكون، فهم مُضطرون للتسليم بهذه الفرضية التخيلية ابتداءً.
والسؤال هنا: ما المانع أن تكون قد حصلت تغيرات في الآليات بمسببات خفية Confounding variable؟
إذا حصلت مثل هذه التغيرات، فبالتالي ستصبح كل المعادلات الموضوعة بلا معنًى؛ لأنها تضع قياسات غير صحيحة!
فأي تغير بأقل مقدار في قيمة أي قياس أو ثابت سيعني أن النموذج الرياضي الذي تم بناؤه لوصف نشأة الكون لا يصف كوننا.
فهو نموذج رياضي لا يعمل!
لأن هذا النموذج الرياضي اعتمد على قياسات اليوم، وهذه القياسات لم تكن بتلك الصورة عبر تاريخ الكون.
وقد ثبَت اليوم بالفعل وجود قياسات كثيرة تتغيَّر عبر الزمن.
مثال على ذلك: الثابت الكوني.
تبيَّن للعلماء أنَّ الثابت الكوني يتغيَّر مع الزمن.
إذن أية معادلة تصف كيف نشأ الكون ستكون فيها مشكلة خطيرة.
لأن الثابت الكوني الموجود في معادلات نشأة الكون هو غير ثابت أصلًا، بل هو متغير.

وبالتالي فعندما تضع لي قيمة الثابت الكوني بقياسه الحالي في معادلات نشأة الكون، فأنت بهذا لا تصف كوننا؛ لأن قيمة من قيم معادلتك غير صحيحة، وهي قيمة الثابت الكوني.
وبالتالي فنموذجك الرياضي ككل، ذلك النموذج الذي تخيَّلت به آلية نشأة الكون فيه مشكلة فعلية.
الأعجب من ذلك أن فرضية الوتيرة الواحدة لا تصحُّ حتى مكانيًّا.
فما يجري في قياساتنا على الأرض، وما نرصده بالقياسات، لا يلزم أن يكون هو الذي يجري في كل الكون بالقياسات نفسها.
فقد تختلف قيم القياسات من مكانٍ لآخَرَ في الكون، وهذا الأمر يُولِّد مشكلات أخطر في علم الفيزياء الفلكية.
فهذا الأمر يتخطَّى حتى علم الفيزياء الفلكية في أصل الكون إلى علم الفيزياء الفلكية ككلٍّ.
إذن ففرضية الوتيرة الواحدة لا تستقيم حتى مكانيًّا، والقياسات قد تختلف من مكانٍ لآخر في هذا الكون، وهذا حقيقةً يُضعِف وضع نموذج رياضي كلي يصف الكون؛ لأن هذا النموذج في الواقع سيكون نموذجًا فيه مشكلة عميقة.
فالقياسات لا تصف إلا وصفًا مرتبطًا بزماننا ومكاننا في الكون، ولو غيَّرنا الزمان أو المكان ربما اختلفت القياسات تمامًا.
ولذلك عندما تطرح نموذجًا رياضيًّا كليًّا يصف لي آلية ظهور هذا الكون، أو عمر هذا الكون، وهذا النموذج الرياضي يُعاني من مشكلة في قيم القياسات الموضوعة فيه، فهذا يجعل نموذجك بلا قيمة.
والآن دعونا ننظر في كيفية وضع قيمة قياس الثابت الكوني:
مصدر قيمة الثابت الكوني الذي يُوضع في معادلات نشأة الكون، هو أرصاد الخلفية الكونية الـ CMB Cosmic Microwave Background.

فالثابت الكوني هو قيمة لمقدار معينٍ في معادلة المجال في النسبية العامة لأينشتاين، ومصدر هذه القيمة هو أرصاد الخلفية الكونية CMB.
أيُّ تغيير في قيمة هذا المقدار كما قلتُ سيجعلنا نخرج بنموذج رياضي مختلف تمامًا، أو بمعنى أدقَّ سنخرج بصورة كون غير كونِنا الذي نحن فيه أصلًا.
العجيب هنا أنَّ نظرية الحقل الكمومي Quantum Field Thoery تقول: إن قياسات الثابت الكوني هي قياسات مختلفة تمامًا.
فقياسات الثابت الكوني التي يقوم بها الكوزمولوجيون تختلف تمامًا عن قياسات الثابت الكوني في نظرية الحقل الكمومي.
فعندما درسَت نظرية الحقل الكمومي Quantum Field Thoery مقدار طاقة الفراغ... مقدار هذا الثابت الكوني بقياس الأطوال الموجية للذبذبات الكمومية، اكتشفت أن قيمة الثابت الكوني ليست بالقيمة الموجودة نفسها في معادلة المجال لأينشتاين.
إنَّ قيمة الثابت الكوني في نظرية الحقل الكمومي تساوي قيمة الثابت الكوني في معادلة المجال، مضروبة في واحدٍ وأمامه 120 صفرًا.
هذا شيء رهيب، وأمر لا يُتصوَّر.
فنحن أمام مليارات مليارات مليارات مليارات مليارات أضعاف القيمة.
فعلى أي قيمة نعتمد؟
قيمة الثابت الكوني في معادلة المجال، أم قيمته في نظرية الحقل الكمومي؟
والمشكلة حتى الآن ليست هنا، المشكلة أننا لا نعرف من فيهما الصحيح، وربما كلاهما خطأ!
إننا أمام ثابتٍ واحدٍ، لكن قيمته تختلف اختلافًا جذريًّا بين نظريتين، كلتا النظريتين يتلقَّاهما المجتمع العلمي بالقبول.
فأنت لا تستطيع أن تقول: إنَّ قيمة الثابت الكوني في هذه النظرية أصحُّ من قيمته في تلك، فكلتا النظريتين نظريات مقبولة في الفيزياء المعاصرة.
لو غيَّرت قيمة الثابت الكوني في معادلاتك بأقل تغييرٍ، فأنت أمام كون مختلف تمامًا، فما بالك وقيمته تختلف هذا الاختلاف المدهش؟
والعجيب هنا في إشعاع الخلفية الكونية CMB Cosmic Microwave Background الذي يُعتبر مستندَ علم الفيزياء الفلكية في تصوُّر نشأة الكون في لحظاته الأولى، العجيب أنَّ هذا الإشعاع نفسه لا يعود أصلًا إلى لحظات الخلْق الأولى للكون، بل هو يعود إلى مئات الآلاف من الأعوام بعد ظهور الكون.
فمستند علم الفيزياء الفلكية في أصل الكون في لحظات الخلْق الأولى للكون، على إشعاع الخلفية الكونية، والذي يعود إلى مئات الآلاف من الأعوام بعد نشأة الكون.
فلا هو إشعاع اللحظة الأولى، ولا هو ثابت في قياساته عبر الزمن.
الفرضية الثانية التي يقوم عليها علم الفيزياء الفلكية في أصل الكون، ألا وهي: فرضية أنَّ ما تجيزه المعادلة الرياضية هو واقع أنطولوجي!
وحتى نفهم هذه الفرضية، فلنتصورْ أنني قمتُ بعمل مجموعة من المعادلات الرياضية الصحيحة تمامًا، فأثبت من خلالها أن هذا الكون شكله مقعَّر وليس مُحدَّب، وأنَّ الأرض ليست محدَّبة، وإنما هي مقعرة.
والسماوات كلها التي نراها تقبع داخل التقعُّر الأرضي!
أنا قمتُ بعمل المعادلات التي تقول بذلك.
هل بهذه المعادلات يكون الكون مقعرًا فعلًا، والأرض مقعرة؟
هل بهذه المعادلات تصبح السماوات كلها داخل فلك الأرض؟
لا إطلاقًا!
هذا لا يلزم حتى لو صحَّت المعادلات.
فما تجيزه المعادلة الرياضية حتى ولو كانت معادلة صحيحة لا يلزم على الإطلاق أن يكون هو الواقع على المستوى المادي... على المستوى الواقعي... على المستوى الطبيعي... على المستوى الأنطولوجي الوجودي، هذا لا يلزم على الإطلاق.
وهذا الأمر لا خلاف عليه فيما أعلم بين المتخصصين في الفيزياء!
فعندما تضع مجموعة من المعادلات، وتقول بأن الكون نشأ بهذه الصورة، أنت تعلم أنَّ هذه المعادلات هي محض تخيُّل... مجرد توصيف رياضي تخيلي تصف به لحظة ظهور الكون، فلا تُلزمني بالتسليم بأنَّ صورة نشأة الكون كانت بالتصوُّر نفسه التي تفترضه معادلاتك!
فتلك اللحظة الفريدة العجيبة التي نشأ فيها هذا العالم المدهش، تضع أنت مجموعة من المعادلات تصف بها هذه اللحظة الرهيبة، وتقول لي: هذه هي الآليات التي جرت لحظة ظهور الكون؟
مَن أعطاك هذا الحق أصلًا لتصف حدثًا فريدًا كلحظة ظهور الكون بمجموعة من المعادلات؟
ذاك الحدث الذي هو يقينًا من الغيب المحض!
فأنت تريد أن تصف هذا الحدث المميز جدًّا بتخرُّصات رياضية؟
من أعطاك هذا السلطان؟
تضع معادلاتٍ وتتخيَّل بناءً على هذه المعادلات هذه اللحظة الفريدة؟
إذا كنت أنت بنفسك تُقِرُّ أن ما تُتيحه المعادلة الرياضية لا يلزم تحقُّقه ماديًّا، فما بالك بتلك اللحظة المميزة؟
المعادلة الرياضية هي لغة رمزية تجريدية توصف بها الحقائق، لكن أيضًا توصف بها الأوهام، فهي كأية لغة رمزية أخرى.

فالمعادلة الرياضية هي مجرد لغة رمزية بمقدورها وصف الحقيقة، وبمقدورها وصف الخيال والدجل والشعوذة.
وخيرُ مثال على ذلك: معادلات النظرية إم M theory، فمعادلات هذه النظرية هي معادلات رياضية صحيحة، بل وهي غاية في الدقة والتعقيد والضبط، لكنها ماذا تصف؟
تصف عوالم خيالية Higher dimensions!
تصف أوهامًا.
أينشتاين نفسه كان يصف كثيرًا من المعادلات الصحيحة، بأنها من قبيل السحر الأسود[12].
فالمعادلات تصف الهذيان، وتصف الحقائق.
فبأي سلطان تقول لي: إنَّ الكون نشأ وَفْق هذه الفرضية أو تلك؟
من الذي أعطاك هذا السلطان لتقترح عليَّ الغيب المحض بمعادلاتك ونماذجك وفرضياتك؟
مثال آخر: معادلات نظرية الأوتار الفائقة، هذه المعادلات لها ملايين الحلول الرياضية كما قلتُ قبل قليل، وكلها صحيحة رياضيًّا، لكن كل هذه الملايين من الحلول في الوقت نفسه هي مجرد وهم؛ لأننا لا نحتاج في الأخير إلا إلى معادلة واحدة فقط من كل هذه المعادلات الصحيحة لتصف عالمنا، هذا في حال صحَّت نظرية الأوتار الفائقة ابتداءً[13].
فحتى لو صحَّت المعادلة هذا لا يلزم منه أن يكون ما تفترضه المعادلة هو الذي حصل بالفعل على أرض الواقع.
نعود لموضوع الكون المقعر، والأرض المقعرة مرةً أخرى!
هل تعلم أن هذه القصة حقيقية وليست خيالًا؟
بالفعل هناك دراسة علمية بمعادلات صحيحة مائة في المائة، وباستخدام النسبية العامة لأينشتاين... باستخدام معادلات المجال، أثبت العلماء أنَّ الكون مُقعر، وأنَّ الأرض مقعرة، وأنَّ كل السماوات موجودة داخل تقعُّر الأرض.
ومن خلال معادلات المجال لأينشتاين تبيَّن أن جميع الأشعة التي تصل لسطح الأرض منحنية في الأصل، فهي ليست مستقيمة، ونقطة مركز الأرض المقعرة هي نقطة تباطؤ لجميع الحركات بما فيها حركة الضوء، وبالتالي فالذي يرصد الفضاء يحصل تطاول عنده في المسافات توهمًا وليس حقيقةً.
فأنت عندما ترى النجوم فأنت تراها أبعدَ بكثير عن مكانها الحقيقي.
فمكان النجوم طبقًا لنموذج الأرض المقعرة قريب جدًّا من الأرض، لكن لتباطؤ جميع الحركات عند الاقتراب من الأرض يجعل المسافات تطول توهُّمًا؛ لذلك فأنت ترى الفضاء وكأنه لانهائي، وفي الواقع هو ليس كذلك، لكن لأن المسافات يحصل فيها تطاول وهمي كلما ابتعدت بالرصد عن مركز الكرة المقعرة، فتشعر وكأن الفضاء لانهائي.
وقد يقول قائل: لكن نحن نرى الأرض محدبة من الفضاء، أليس كذلك؟
والجواب: نحن نرى الأرض محدبة من خلال المراصد الفلكية ومن الطائرة؛ نتيجةً لانحناء موجة الضوء، وأنها ليست مستقيمة، لكن الأرض في الواقع مقعرة[14].
طبعًا نحن لا نعتقد هذا الكلام، فنحن لا نعتقد أنَّ الأرض مقعرة، أو أنَّ الكون مقعر، نحن لا نعتقد هذه الأمور.
لكن الشاهد من كلامي أنَّ: معادلات الأرض المقعرة هي معادلات علمية صحيحة معتبرة.
فالمعادلة تستطيع أن تصف لك أي شيء!
والكل يمكنه أن يقدم فرضياتٍ وتخرُّصاتٍ وخيالاتٍ بلا علمٍ ولا هُدًى ولا كتابٍ منيرٍ.
Pure Conjecture: {إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ} [الأنعام: 116].
فهذا العالَم العظيم المدهش بسماواته وأرضه وأفلاكه ونجومه وثوابته وقوانينه، لا يُتصوَّر كيف كان قيامُه أصلًا، ندخل نحن فيه بهذه الخيالات والتخرُّصات والأوهام والمعادلات المبنية على عشرات الفرْضيات؟
وهذا يضع فرضية وذاك يحذفها؟
ثم ندعي أنَّ الله خلق هذا العالم بهذه الطريقة، وغيرُنا يدعي أنَّه سبحانه خلقه بتلك الطريقة؟
قيام سماوات وأرض، هذا أمرٌ لا قياس له على عادتنا في هذا العالم، فنحن لم نر سماوات وأرضًا تُخلق أمامنا، فالبحث في أمر كهذا لا يخضع للنظر العلمي أصلًا، ولا يخضع للقياس.
فكيف نقوم بوضع التخيلات العقلية والفرضيات بمجموعة من المعادلات والنماذج الرياضية والتجريدات الهندسية، ثم نقوم بقياس بداية ظهور الكون عليها؟
هل سبق لأحد أن شهد بعينيه عملية خلْق سماء وأرض حتى يقيس عليها خلْقَ سمائنا وأرضنا بمجموعة من المعادلات والتخيلات والفرضيات؟
ثم ماذا استفدنا من عشرات الفرضيات في أصل الكون؟
بماذا انتفع الناس من هذه الفرضيات؟
هل هذه الفرضيات أدَّت لاختراع مثلًا؟
كلها مجرد استغراق فلسفي، وغرور بشري؛ للمجيء بنموذج بديل للوحي الإلهي، هذه حقيقة الأمر.
طبعا أنا أُقدر أنَّ هناك من المشتغلين بهذا العلم مَن لديه غَيْرة على الوحي الإلهي، بل وقد يستخدم آليات هذا العلم للتأكيد على صدق النص الشرعي في كيفية ظهور الكون، وهناك مِن الغربيين ممن لديهم بقايا نبوات يستخدمون هذا العلم كمستنَد وحُجة في بيان أن لهذا الكون بداية، وأنه يدعم حقيقة الصنع المتقن، ويقطع بوجود دقيق الثوابت الفيزيائية والحدود الحرجة التي بدأ بها الكون.
نعم نحن نُقدر كل هذا، ونحترم كل هذه المشاريع.
لكن كل هذا لا يجعلنا نعمى عن حقيقة أن قوام هذا العلم على الفروض المحضة!
فليس معنى كون هذا العلم يقدم خدمة لحقائق دينية بالتخمينات الرياضية أن أُسلِّم له!
لا طبعًا!
التخمين سيبقى تخمينًا، والفرضيات ستبقى فرضياتٍ، ولن تصبح يقينيات لمجرد أنها تدعم قضيتي.
المسلم مُنصِف حتى في التعامل مع الأدلة التي تدعم موقفه.
ثم إن الدين فطرة بشرية، فالدين لا يحتاج إلى فرضيات لتدعمه.
وكُلُّ مَن نظر إلى آليات هذا العلم، والفرضيات التي يقوم عليها سيقطع بأنه علم وهميٌّ قوامه التخمين المحض، وكثير من علماء فلسفة العلم يقررون هذه الحقيقة؛ لئلا يظن ظانٌّ أن اتهامنا لهذا العلم هو شيء اخترعناه من عند أنفسنا!
كلا!
هناك الكثير من فلاسفة العلم ممَّن نظروا في حقيقة علم الفيزياء الفلكية في أصل الكون يُقررون أن علم الفيزياء الفلكية في أصل الكون ليس علمًا، ولا يُصنَّف باعتباره علمًا.
مثال على ذلك: توماس كون Thomas Kuhn.
وبول فايرابند Paul K. Feyerabend.
ويلارد كواين Willard Quine.
وغيرهم الكثير.
فهذا العلم كلُّ مَن نظر فيه بتجرُّد خرج بالشك التام في كل معطياته!
المشكلة تكمُن فقط في تعصُّب القائمين عليه!
والآن هل تتخيَّل أنَّ: نموذج الكون المقعر والأرض المقعرة كما يقول مارتن جاردنر Martin Gardner هو نموذج لا يمكن نقضه فيزيائيًّا.
فنحن لا نستطيع أن نثبت خطأه من ناحية الفيزياء إطلاقًا كما يقول جاردنر[15].
فهو نموذج صحيح على مستوى المعادلة الرياضية.
ولم يتمَّ اعتماد هذا النموذج كما يقول جاردنر ليس لأنَّه غير صحيح... إطلاقًا.
وإنما لم يتمَّ اعتماده؛ لأن معادلاته أطول وأعقد بكثير من اللازم!
فمعادلات نموذج الأرض المقعرة، وانحناء شعاع الضوء هي معادلات طويلة وأعقدُ بكثير من المعادلات المعتمدة حاليًا والتي تصف الأرض بأنها محدبة.
لكنها تبقى في الأخير معادلات صحيحة معقدة عميقة تثبت أنَّ الأرض مقعرة!
لكنها نظرًا لتعقيدها لم يعتمد اعتمادها، فطبقا لشفرة أوكام: التعقيد لا ينبغي اللجوء إليه دون ضرورة؛ لذلك تم رفض نموذج الأرض المقعرة.
لكن ما المانع أن يسير العالم بالنظام الأكثر تعقيدًا؟
تخيل لو كنَّا افترضنا نموذج الأرض المقعرة، وأنَّ الأفلاك كلها في فلك الأرض، وصار هذا توجه الفيزياء الحديثة، ساعتها لم تكن ثمَّة مشكلة من ضبط الأرصاد والمشاهدات لنصرة هذا التوجه.
يقول مارتن جارندر: "الأفكار السائدة اليوم في الفيزياء، ليست سائدة؛ لأنها مطابقة للواقع، ولكن لأنها الأسهل والأيسر رياضيًّا"[16].
إنَّ اعتماد نموذج الأرض المقعرة يحتاج إلى كلفة باهظة لا تحتملها الفيزياء الحالية، ويحتاج تعديلات جوهرية في معادلات النسبية العامة.
وهنا لي وقفة مهمة: ينتقد بعض المعاصرين توجُّهًا لدى بعض أهل العلم من المسلمين ممَّن قالوا بثبات الأرض ودوران الشمس حولها.
وهذا من وجهة نظري لقلَّة اطلاع المعاصرين من المنتقدين على طبيعة علم الفيزياء الفلكية، فهل النماذج الرياضية تمنع ثبات الأرض ودوران الشمس حولها؟
إذا كانت هذه النماذج لا تمنع الأرض المقعرة، ولا تمنع الكون المقعر، هل ستمنع ثبات كرة الأرض، ودوران الشمس حولها؟
يمكن رياضيًّا إثبات أن كرة الأرض ثابتة والشمس تدور حولها، فهذا غير ممتنع فيزيائيًّا.
وسنواجه فقط مشكلة سرعات الأجرام فوق مستوًى معينٍ.
فنموذج ثبات الأرض ودوران الشمس حولها هو نموذجٌ لا تقبله النماذج الرياضية الحالية؛ لأن المشكلة في تحويلات لورنتز على النسبية الخاصة، لكن بحل هذه المشكلة يمكن رياضيًّا أن نخرج بنموذج رياضي جميل مقبول يقول لنا: إنَّ كرة الأرض ثابتة، وإن الشمس تدور حولها[17].
فالذي يهاجم القول بثبات الأرض هم غير علماء الرياضيات المدققين فيها.
فمن نحن في علم الله؟
وفي ملكوت الله؟
نحن على كل جامعتنا وإغراقنا الرياضي لا نجد نموذجًا رياضيًّا واحدًا لشكل العالم ينقذُنا من حيرتِنا الراهنة.
يُقرِّر ستيفن هاوكنج في آخر كتاب كتبه، وهو "التصميم العظيم The Grand Design " أنَّ: تغيُّر نظرتنا للكون قد يحصل في أية لحظة.
فقال في صفحة 63 من كتابه: "داخل حوض السمك، ترى الأسماكُ شعاعَ الضوء ليس بالصورة الإقليدية".

ثم عقَّب في صفحة 72 من الكتاب نفسه قائلًا: "من الممكن أن نكون نحن بالصورة نفسها، فتصل لنا الحقائق بآلية وصولها نفسها إلى داخل حوض السمك، لا مانع من ذلك".
فنموذج الأرض المقعرة غير مُستبعد، لكن تم رفضه؛ لأنه نموذج معقد وطويل المعادلات.
وأُكرر نحن لا نُصدق هذا النموذج ولا نعتقده، لكن نحن نحاكم هذا العلم إلى معطياته.
وهنا نأتي للفرضية الثالثة التي يقوم عليها علم الفيزياء الفلكية، أَلَا وهي فرضية أنَّه: كلما كانت المعادلة أقصر وأبسط كانت أكثر صحةً وقبولًا في المجتمع العلمي.
وهذه تُسمَّى بفرضية الاقتصاد في الافتراض Parsimony، حيث يكون النموذج الأيسر والمتناسق ذاتيًّا هو الأكثر قبولًا في الفيزياء بوجهٍ عامٍّ[18].
وخير مثال على ذلك قَبول نموذج الأرض المحدبة، ورفض نموذج الأرض المقعرة.
لكن السؤال: مَن أنت حتى تفترض أنَّ الكون يسير بالمعادلة الأقصر، أو المعادلة الأيسر وليس الأعقد؟
مَن أنت وبأي سلطان معرفي تزعم هذا الزعم؟
وهناك فروض أخرى كثيرة يقوم عليها علم الفيزياء الفلكية، ولا بد من التسليم بكل تلك الفروض مسبقَا ثم تُبني على هذه الفروض التخمينات العقلية.
فهناك فرضية الشكل الجمالي للمعادلة Aesthetic value!
فكثير من المعادلات تُقبل فقط لمجرد أنها جماليًّا أفضل من غيرها.
حتى يقول بول ديراك: "جمال المعادلة يثبت صحة النظرية أكثر من تجريبها"[19].
ونظرية هيرمان فايل Herman Weyl في القياس وُجد أنها لا تنطبق على الجاذبية، لكنها قُبلت لأنها جميلة.
وهنا قد يسأل سائل: لماذا أنا أقوم بوصف علم الفيزياء الفلكية بأنه علم قائم على الشعوذة، أليس الأليق أن نقول: إنَّ فرضيات هذا العلم هي فرضيات وتخمينات، فلماذا أنا أستخدم لفظة شعوذة؟
والجواب: لأن الفرضية في المنهج العلمي هي تخمين قد يتحوَّل لنظرية أو يظل فرضية أو يثبت خطؤه.
هذه طبيعة الفرضية في المنهج العلمي.
لكن هذا التوصيف يصحُّ في الأمور المشاهَدة، ويصحُّ في الأمور التي تخضع للتجربة والقياس، فأنت تقيس حدثًا على حدث، وتقوم بالتجربة؛ لتتأكَّد من صحة تخمينك.
لكن علم الفيزياء الفلكية هو مجرد تخمينات لا تخضع لا للتجربة، ولا للقياس؛ لطبيعة العلم نفسه. فحَدَث ظهور الكون لا يُقاس عليه شيء آخر، ولا يرصد بالتجربة بالبداهة، فأنت مهما وضعت من فرضيات وتخمينات ليس لديك أي سلطان معرفي للتمييز بين الباطل والصواب في الموضوع، وليس لديك لا آليات القياس، ولا آليات التجريب؛ لتتأكَّد من صحة فرضياتك أو بطلانها.
لأنَّ هذه الآليات تتغيَّر مع الزمن طبقًا لمبدأ الوتيرة الواحدة كما فصَّلنا.
وبالتالي ففرضيات علم الفيزياء الفلكية في أصل الكون هي فرضيات لا تخضع للمنهج العلمي، ولا تخضع للقياس ولا التجريب، إذنْ فتوصيفها باعتبارها فرضيات، هذا شرعنة لها وصبغ لها بصبغة علمية، وهذا الصبغ لا تستحقه فهي ليست بعلم، ولا تخضع للمنهج العلمي.
فكل ما لا يملك دليلًا، ولا يمكن برهنته، ولا سبيل للتأكُّد من صحته، لا يمكن أن نُوصِّفهُ بتوصيفات المنهج العلمي، أو بتوصيفات "الفرضية والنظرية".
فالعلم المحترم هو العلم القائم على الدليل والبينة، وهو العلم الخاضع للرصد والنظر، وهو العلم الذي يمكن برهنته أو تكذيبه، هذا هو العلم.
أما التخرُّص والتخمين المحض فهذا ليس بعلمٍ، ولو قال به كل البشر.
المشكلة عند كثير من الناس، والتي تدفعهم لقبول هذا العلم واعتباره علمًا معتبرًا هي: التسليم للسائد.
وهذا خطأ تمامًا، وإلا لسلَّمنا لأصحاب الملل الباطلة؛ لكثرة عددهم.
نحن أتباع الحق بالدليل.
نحن أتباع الحق بالبينة.
فهذا هو معيارنا.
فالمسلم يتبع الحق بدليله... يتبع البرهان الظاهر وليس السائد.
ولذلك فنحن نحترم فروع الفيزياء الأخرى، وأية نظريات فيزيائية مدعومة بالتجربة أو الرصد أو القياس.
وحتى الفرْضيات التي تحتمل الإثبات أو النفي، ينبغي أن تحظى ببعض الاحترام.
فالفرضية التي تحتمل أن تكون صحيحة أو خطأ، هذه تُحترم كفرضية طالما احتملت الإثبات أو النفي، أما إذا كان من غير الممكن أن نعرف صحة الفرضية أو خطأها، فهي بهذا ليست بعلم تجريبي، ولا يَنتظر منا أحد أن نحترمها.
قبل أعوام قليلة خرج عالم الرياضيات والفيزياء الفلكية روجر بنروز Roger Penrose والذي أنا أتصوَّر أنَّه أكبر عالم رياضيات اليوم، وهو حاصل على جائزة نوبل منذ عامين فقط، خرج ليقرر أنَّ أغلب علم الفيزياء الفلكية في أصل الكون مجرد خيال.
مع أنَّه يومًا ما كان أحد أشهر واضعي النماذج الرياضية والفرضيات في هذا العلم.
لكنه خرج ليعترف مؤخرًا أنَّ أغلب هذا العلم وهمٌ.
فقد سُئل في حوار مع أحد المذيعين العلميين، فقال له المذيع: سير روجر يبدو أنَّ لديك حفنةً كاملةً من المشاكل مع الفيزياء الفلكية الحديثة، هل هذا صحيحٌ؟
فأجاب بنروز قائلًا: حسنًا!
يوجد العديد.. نعم!
أنا لا أوفق مع أغلبها!
المحاور: دعنا نتحدَّث عما لا تتفق معه، على سبيل المثال أنت تصف نظرية التضخم بأنها خيال "فنتازيا"؟
أجاب بنروز: حسنًا!
أنا أحاول كتابة كتاب من عشر سنوات لجامعة برنستون، بعنوان: "السائد والإيمان والخيال في الفيزياء الكونية المعاصرة".
والخيال بالتأكيد يعود لنظرية التضخُّم هذا صحيح[20].
فروجر بنروز لا يتفق مع أغلب هذا العلم بعد أنْ كان أحد أعمدته، وقد أصدر بالفعل بعد ذلك كتاب: "السائد والإيمان والخيال في الفيزياء الفلكية المعاصرة".

ومُلخَّص هذا الكتاب في سطرٍ واحدٍ: "أغلب علم الفيزياء الفلكية المعاصرة في أصل الكون لا يمكن أن يكون صحيحًا"[21].
روجر بنروز الحائز على نوبل في الفيزياء، لا يثق في أغلب علم الفيزياء الفلكية في أصل الكون!
مع أنَّه كما قلتُ كان من أكبر المشتغلين فيه، وله أبحاث مطوَّلة مع هاوكنج، وفاز مع هاوكنج بجوائز عالمية، لكنه لم يعد يثق في هذا العلم.
وعندما سأل المذيعُ روجر بنروز مجددًا: هل نحن اليوم نحتاج إلى فيزياء جديدة؟
أجاب: نعم، نحن نحتاج إلى فيزياء جديدة، نعم بكل تأكيد[22].
للأسف بعض المسلمين اليوم اتَّجهوا إلى فريقينِ:
فريق ينكر العلوم المادية بالكلية، وينكر الفيزياء، ويُكذِّب البحث العلمي، ويقول بنظرية المؤامرة الشمولية، وفريق آخر يُصدِّق أية فذلكة رياضية لا تملك دليلًا لمجرد أنها مكتوبة في مجلة علمية أو صادرة عن عالم فيزياء فلكية.
فنحن نحتاج لعقلية إسلامية علمية نقدية، ونحتاج لكشف الإشكالات في العلوم المعاصرة بوضوح، وبلا مداهنة، أو خوف.
ونحن لم نشهد خلْق السماوات والأرض، ولا نستطيع بالبداهة إجراءَ تجربة مشابهة، ولا نملك القياس.
فأنت ليس عندك: لا رصد، ولا تجربة، ولا قياس!
إذن فالآلية نفسها للبحث عن أدلة هي مفقودة من الأساس.
وأضف إلى ذلك أننا: لا نعرف قيم القياسات التي كان عليها الكون في بدايته.
إذن أنت لا تملك الآلية التي تبحث بها عن أدلَّة ترجح بها صحة نموذجك الرياضي، ولا تعرف قيم القياسات، فعن أي شيءٍ تبحث؟
وفي أي شيءٍ تخوض؟
من شهور قليلة أصدرت ناسا بيانًا تقول فيه إنَّ: أعداد المجرات هي أقلُّ بكثير مما كنا نعتقد، وهذا طبقًا لأحدث بيانات وصلت إلينا من المركبة الفضائية نيوهورايزنز.
يبدو أننا وحدنا في هذا الكون. والكلام لفوكس نيوز!

ببحثٍ بسيطٍ اختلفت كثير من النتائج السابقة بصورة جذرية.
نحن في الواقع نلعب بمعادلات بدائية في كونٍ مهيبٍ.
مشكلات علم الفيزياء الفلكية لا ينكرها باحث!
والشكل الأخير لمكاننا في العالم لم يقل العلم كلمته الأخيرة فيه بعدُ.
والنماذج الرياضية تتيح صورًا مختلفة، وتستطيع من خلال هذه النماذج أن تخرج حتى بنموذج الأرض المقعرة.
إنَّ كشف أحد العلوم الزائفة المتلبسة بالعلوم الحقيقية، هذا ليس ضد العلم، بل هو يُحسن من مسيرة العلم.
فالسكوت عن العلوم الزائفة؛ خوفًا من التهمة بعداوة العلم، هو أضرُّ شيء بالعلم التجريبي.
إنَّ السوط الذي يرفعه المدافعون عن العلوم الزائفة ضد مَن ينتقد هذه العلوم نقدًا علميًّا سيجعلنا في تبعية أبدًا إذا وجلنا منهم.