ج: التنوير هو حركة عالمية ظهرت في الأساس للحرب على الدين، أو بالأدق: لتحييد الدين جانبًا.
فهدف التنوير هو: إبعادُ الدين عن المجتمع.
وقد قامت هذه الحركة بهذا الأمر في أوروبا قبل قرنين من الزمان؛ ولذلك لم تمضِ عقود قليلة حتى تحوَّلت أوروبا للإلحاد.
وقد ظهَرت مؤخرًا نفس هذه الحركة بالأهداف نفسها في عالمنا الإسلامي.
فهدف حركة التنوير: إزاحة وإبعاد الدين عن حياة الناس.
وفي الواقع ففكرة التنوير تختلف جذريًّا عن فكرة الإلحاد، وإنْ كان كلاهما يهدف لمشروع كفري يبدأ بخفوت التسليم للنص الشرعي في قلب الشباب، وينتهي بضياع الإيمان ومداهنة ومعاقرة أي إلحاد.
لكن تظلُّ السمة المميِّزة لمشروع دعاة التنوير ليست إلحاد الناس ذاك الإلحاد المادي، وإنما: لا مانع أنْ يظل الناس مسلمين، لكن يصير إسلامهم إسلامًا شكليًّا.
فلا يأخذ الناس من الإسلام إلا بعض المعاني الأخلاقية، وبعض الجماليات في المعاملات، لكن يصبح الدين في الأخير مفرغًا تمامًا من محتواه.
فيتحوَّل الدين إلى مجرد طقوس تُؤدَّى!
والهدف الأساسي من حركة التنوير هو أن يصبح الدين تابعًا لثقافة العصر السائدة، ولا يُظهِر أية ممانعة للقيم السائدة مهما كان انفساخها أو انحلالها أو تميعها.
فحركة التنوير تريد دينًا لا يمانع الشيوعية حين ظهرت في القرن الماضي، ولا يمانع ليبرالية القرن الجديد، ولا يمانع أية فكرة مستقبلة يراها الناس.
وبهذه الصورة فالإسلام يُمثّل مشكلة كبيرة لحركة التنوير؛ لأنَّ الإسلام الذي أنزله الله على نبيه محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم بالحق، هذا الإسلام يدخل في كل كبيرة وصغيرة في حياة الإنسان، ولا طريق فيه لمداهنة الباطل أو الفساد، ولا يقبل أية صورة من صور الإلحاد.
ولذلك فهذا الإسلام عند حركة التنوير مرفوض مرفوض مرفوض.
فهم يريدون أُمةً من الناس لا تعرف معروفًا، ولا تنكر منكرًا.
وقد أخبر الله عز وجل عن حال الناس في آخر الزمان، وأنَّ هذا سيصير حالهم فعلًا.
قال النبي صلى الله عليه وسلم : "لا تقومُ السَّاعةُ حتَّى يأخُذَ اللهُ شريطتَه من أهلِ الأرضِ فيبقى فيها عَجاجةٌ لا يعرِفونَ معروفًا ولا يُنكِرونَ مُنكرًا"[1].
فدعاة التنوير يريدون التعجيل بهذه المرحلة.
يريدون التعجيل بتدجين هذه الأمة بالكامل حتى تفقد أية مقاومة مقدسة، وتفقد الغيرة على أي ثابت من ثوابت الشريعة.
يريدون أن تفقد الأمة استعلاءها بإيمانها، فيصير المسلمون: "حُفَالَةٌ كَحُفَالَةِ التَّمْرِ والشَّعِيرِ، لا يَعْبَأُ اللَّهُ بهِمْ شيئًا"[2].
وعلى أمثال هؤلاء تقوم الساعة.
فالساعة ستقوم على الذين تم تدجينُهم بالكامل، ممن لا يعرفون معروفًا، ولا ينكرون منكرًا، وبالتالي لا يكون لإيمانهم اعتبار في قلوبهم، ولا ينشغلون بعقيدتهم، ولا يرفعون بها رؤوسهم، فيصيرون أتباعًا لأية قيم سائدة مهما كان شذوذُها أو انحلالُها.
فعلى مثلهم تقوم الساعة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "يُقْبَضُ الصَّالِحُونَ، الأوَّلُ فَالأوَّلُ، وتَبْقَى حُفَالَةٌ كَحُفَالَةِ التَّمْرِ والشَّعِيرِ، لا يَعْبَأُ اللَّهُ بهِمْ شيئًا"[3].
وأمثال هؤلاء لا تتمعَّر وجوههم غضبًا أمام انتهاك محارم الله، ولا ينشغلون بها أصلًا.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "يُخَرِّبُ الكَعْبَةَ ذُو السُّوَيْقَتَيْنِ مِنَ الحَبَشَةِ"[4].
وفي الرواية الأخرى: "فيهدِمُها حجَرًا حجَرًا، ويَرْمي بها في البحرِ"[5].
تخيل!
تُهدم الكعبة حجرًا حجرًا، ويُرمي بها في البحر، ولا أحد يعترضُ.
ومَن سيعترض سيكون ضد التنوير.
فحتى تكون تنويريًّا، تقبَّلْ هدم مقدساتك.
وإياك أن تعتزَّ بدينك.
أو يتمعَّر وجهُك لانتهاك مقدساتك.
هم يريدون هذا النوع من الإسلام، ويسعَون لظهوره.
يريدون إسلامًا عالمانيًّا.
يريدون إسلامًا مُميعًا.
يريدون إسلامًا رخيصًا في قلبك.
يريدون إسلامًا بنكهة البوذية.
فإذا جلست وعملت جلسة الاسترخاء والتأمل الخاصة بك، وأخذت الطاقة الروحية التي تحتاجها، فالآن يمكنك أن تنطلق للعمل.

هذا هو منتهى الدين عندهم.
مجرد استرخاء طقوسي.
يريدون تبويذ الإسلام (تبويذ: تم نحتها من لفظ البوذية).
يريدون إفقاد الإسلام معناه.
ومن العجيب أنَّ مشروع دعاة التنوير بدأ ينتشر في بلادنا الإسلامية، وأصبحت هناك برامج تُنكر الأحاديث النبوية علنًا، وبرامج ثانية تدَّعي تنقيح كتب التراث، وثالثة تدَّعي تجديد الخطاب الديني، وطبعًا هناك تجديد مطلوب للخطاب الديني سنتحدَّث عنه فيما بعد، لكن مشروع حركة التنوير ليس هدفه تجديد الخطاب الديني، وإنما هدفه إسقاط قيمة الدين من قلب الشاب المسلم والفتاة المسلمة، فهم يَعمدون إلى إسقاط تسليمنا للنص الشرعي بالهجوم على السُّنة النبوية، والسخرية من سلف هذه الأمة، وتأويل القرآن وَفْق أهوائهم.
إذن فغاية حركة التنوير هي: تأويلُ النص الشرعي بإخراجه عن معناه وعن مراد الشارع منه حتى يتوافق مع الثقافة التي يريدونها، فيتقبَّل المسلم أية قيم سائدة مهما كان تفسُّخُها.
إذن فالهجوم على السُّنة النبوية، والهجوم على منهج العلم الحديثي في جمع الحديث النبوي، وازدراء علماء المسلمين كالبخاري، والهجوم على سلف هذه الأُمة، ونقد التراث، كل هذا حتى يتسنَّى في الأخير لدعاة التنوير أنْ يُؤولوا النص الشرعي بإخراجه عن معناه وعن مراد الله منه؛ فيتوافق مع أي تصور دنيوي يريدون، وبالتالي لن تكون هناك مُمانَعة مِن تَقبُّل أية ثقافة وافدة، ولو كانت شذوذًا أو إلحادًا أو زنًا بالتراضي.
ويبدأ مشروع دعاة التنوير دائمًا بالهجوم على أهل العلم وحَمَلة الشريعة، والاستخفاف بسلف هذه الأمة، فإذا سقطت قيمة أهل العلم تسنَّى لهم في مرحلة تالية تأويل النص الشرعي بإخراجه عن سياقه، وعن معناه، وعن مدلوله لموافقة أي هوًى يريدون.
ويمكنهم في هذه المرحلة تضعيف ما ثبت من أحاديث؛ لأن الذين نقلوا هذه الأحاديث هم العلماء الذي تم تجريحُهم منذ قليل.
وسيقوم دعاة التنوير بإنكار ما أجمعت عليه الأمة، وسيُهاجمون ثوابت هذا الدين ولا أحد يعترض؛ لأن الذين قرَّروا هذه الثوابت هم العلماء الذين سقطت قيمتهم في قلب الشاب المسلم والفتاة المسلمة منذ قليل.
إذن الغاية في الأخير هي العبثُ في دين الله بدون ضابط، وليس هناك أهل علم ترجع إليهم فكلهم مُجرَّحون.
فإذا سقط أهل العلم في نظر الناس، هنا سيقوم التنويري بتفسير الدين وَفْق ما يرى.
وساعتها من البديهي أن يضيع الدين على أيديهم، وتضيع العقيدة.
ودائمًا يدخل التنويري على المسلم بطريقةٍ لطيفةٍ فيقول له: أنا مشروعي تنقية التراث، وتنقيح الكتب السابقة، فهدفي أن ننتشل المسلمين من الجهل، وأن ننهض، وأنا أريد أن أقدّم الإسلام للغرب دون أن يأخذوا علينا شيئًا، فأنا أريد أن أُجدد الخطاب الديني.
لكنه بعد قليل!
سيُنكر الأحاديث النبوية.
لأن هذه الأحاديث لا يقبلها عقل المواطن الغربي اليوم.
وبعدها: سيُكَذِّب بثوابت هذه الشريعة، بدعوى تقديم الإسلام للغرب.
ولا مانع أن يُسقط أمورًا مُتفقًا عليها حتى يُنقي الدين بزعمه، ويُنقِّح كتب التراث.
إذن فالتنويري أثناء حديثك معه ودون أن تدري: يزرع لك قنابل موقوتة في قلبك، وفي عقيدتك، وفي أصل تسليمك لشرع الله، وفي أصل اعتزازك بثوابت الدين.
فهو يزرع هذه القنابل بمنتهى الدهاء.
وبعد أيام أو شهور تعود إلى نفسك، فتجد الشبهات قد اجتاحت حياتَك، إن لم تكن ألحدتَ.
فالتنويري قام بتشكيكك في أصول وثوابت شرعية لم تختلف عليها الأُمَّة عبر كل تاريخها.
واستطاع أن يهُزَّ ثقتك في أهل العلم، وعليه قام بتكذيب ما صحَّ من دين الله.
فتبدأ تفقد خشوعك في صلاتِك، ثم تفقد لذة الطاعة، ثم قد تفقد الصلاة والإيمان وكل شيء!
يقول التنويري حسن حنفي معترفًا بكل هذا: "التنوير هو شُغل حرب عصابات، ازرع قنابل موقوتة في أماكن متعددة، وستنفجر"[6].
التنوير شغل حرب عصابات!
ازرع الشبهات بحجة تنقيح التراث، وتنقية الخطاب الديني.
وأنكِر الحديث النبوي الصحيح، وأنكِر المعلوم من الدين بالضرورة، بحُجة الرغبة في نهضة هذه الأمة.
وبعد أن تتمَّ زراعة قنابل الشبهات في قلبك، وفي إيمانك، سيقول لك: أنا أكره الملحدين، وأخاف على الإسلام، وأحترم النبيَّ محمد.
فالتنويري يعبث بإيمانك وهو يرتدي عباءة المسلم؛ ولذلك هو أخطر بألف مرة من الملحد الصريح؛ لأنه يعمل من داخل المنظومة الإسلامية لتوليد الطرح الإلحادي.
فهو يغزل الإلحاد في مصنع الإسلام.
وهذا من أخطر ما يكون.
هذا أخطر ما يهدد الشباب الذين لا يفهمون هذا المكر الذي يُحاك لهم، ويُحاك لدينهم ولعقيدتهم، ولأصل تسليمهم بشرع الله عز وجل .
فالتنويري يعمل على تأويل النص الشرعي من داخل المنظومة الإسلامية حتى يتوافق هذا التأويل مع أي هوًى.
والتنويري لن يقول لك: إنَّ الخمر حلال.
هو سيقوم بتأويل النص الشرعي حتى يجعل الخمر حلالًا.
وهذا هو الفرق بين التنويري والملحد:
فالملحد يقول: الخمر لا مشكلة فيها.
أما التنويري فيقول: سأقوم بتأويل النص الشرعي حتى أثبت لك أن الخمر حلالٌ.
فالتنويري يعمل من داخل المنظومة الإسلامية؛ لتوليد الطرح الإلحادي الكفري.
وبطبيعة الحال فالتنويري يكفر بأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم ، ويُنكر ما أجمعت عليه الأُمَّة عبر كل تاريخها، ويجعل كل ما اتُفق عليه مختلفًا عليه.
ويُبرِّر لإنكاره ثوابت الشريعة بأنَّ هذه الثوابت مسائلُ عفا عليها الزمن... فهو يجعل بديهيات شرعية أمورًا فيها نظر بأي حجة، وبأي طريق.
إذن فهدف التنويري في الأخير تفريغ الدين من أصوله وثوابته، وجَعْل المسلمين: حُفَالَةً كَحُفَالَةِ التَّمْرِ والشَّعِيرِ بلا وزنٍ ولا قيمةٍ.
حين أخبر القرآن الكريم في أول سورة البقرة عن الكافرين تحدَّث عنهم في آيتَينِ اثنتَينِ:
ثم تأتي بعد ذلك ثلاث عشرة آية في بيان أساليب المنافقين، وبيان حيلهم ومكرهم وخدعهم التي يدخلون بها على المسلمين.
فالمنافقون الذين يَظهرون بمظهر الذي يريد الإصلاح، وتنقيح التراث، وتقديم الإسلام للغرب، ونهضة الأمة، هم في حقيقة الأمر يريدون إفسادًا في الأرض... يريدون أن يُضيعوا على الناس آخرتهم... يريدون محاربة دين الله وإضلال المسلمين وفتنتهم عن دينهم بكل السبل.
قال الله عز وجل واصفًا حال هؤلاء:
لا عَلاقة لهم بالإيمان.
يخادعون الله والمؤمنين بإظهار الإيمان وإبطان الكفر، وهم في الحقيقة يخدعون أنفسهم فقط.
في قلوبهم شك، لكذبهم على الله وعلى الناس، وتكذيبهم بما يرون من دلائل هذا الدين، فزادهم الله شكًّا، ولهم عذاب شديد.
وإذا نُهوا عن الإفساد قالوا: نحن مصلحون... نحن نريد تنقيح كتب التراث... نحن نريد تنوير هذه الأمة.
هم أصحاب الإفساد.
وإذا قيل لهم: آمِنوا كما آمن سلف هذه الأمة... آمِنوا بما أجمعت عليه الأمة، قالوا أنؤمنُ كإيمان خِفافِ العقول؟
والحقُّ أنهم هم السفهاء، ولكنهم يجهلون ذلك.
وإذا التقوا بالمؤمنين قالوا: نحن مثلكم مؤمنون.
وإذا انصرفوا عن المؤمنين إلى حزبهم قالوا: إنا معكم.
الله يستهزئ بهم في مقابلة استهزائهم بالمؤمنين، فيُملي لهم؛ ليتمادَوا في ضلالهم وطغيانهم، فيبقون حائرين تائهين[7].
ثلاث عشرة آية من أول سورة البقرة تكشف أساليب هؤلاء الذي يسرقون آخرة الناس باسم التنوير.
فهؤلاء دعاة على أبواب جهنم من بني جلدتنا.
قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي أصله في الصحيحين: "تكونُ دعاةٌ على أبوابِ جهنمَ، مَنْ أجابَهم إليها قذفوه فيها، هم قومٌ مِنْ جِلْدَتِنا، يَتَكَلَّمُونَ بألسنتِنا، فإِنْ لم تَكُنْ جماعَةٌ ولَا إمامٌ، فاعتزِلْ تِلْكَ الفِرَقَ كُلَّها، ولَو أنْ تَعَضَّ بأصلِ شجَرَةٍ حتى يُدْرِكَكَ الموتُ وأنتَ كذلِكَ"[8].
فالزمْ جماعَةَ المسلمينَ وإمامَهم: الزْم ما اتَّفقت عليه هذه الأمة... الزمْ دين الله وشريعته... الزمِ المنهج الذي سار عليه سلف هذه الأمة... الزمِ الدعاة الصادقين إلى الله في زمنك.
فإِنْ لم تَكُنْ جماعَةٌ ولَا إمامٌ، فاعتزِلْ تِلْكَ الفِرَقَ كُلَّها، ولَو أنْ تَعَضَّ بأصلِ شجَرَةٍ حتى يُدْرِكَكَ الموتُ وأنتَ كذلِكَ: اعتزل الدنيا كلَّها المهم ألَّا تُفتن عن دينك.
وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ: يترك ما اتفقت عليه هذه الأمة، فيُنكر السُّنة، ويُنكر الإجماع، ويَتبع كل هوًى، فهذا ممن يتبع غير سبيل المؤمنين.
فَرَّقُوا دِينَهُمْ: جعلوا ما اتفقت عليه الأمة مُختلفًا فيه، فهؤلاء لستَ منهم في شيء.
ذاتَ يومٍ ذَكَرَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم شيئًا، فقالَ: ذاكَ عندَ أوانِ ذَهابِ العِلمِ، قال راوي الحديث زياد بن لبيد: يا رسولَ اللَّهِ، وَكَيفَ يَذهبُ العلمُ، ونحنُ نَقرأُ القرآنَ، ونقرئُهُ أبناءَنا، ويُقرئُهُ أبناؤُنا أبناءَهُم إلى يومِ القيامةِ؟ فقالَ صلى الله عليه وسلم : ثَكِلتكَ أمُّكَ زيادُ، إن كُنتُ لأراكَ مِن أفقَهِ رجلٍ بالمدينةِ، أوليسَ هذِهِ اليَهودُ والنَّصارَى يقرؤونَ التَّوراةَ والإنجيلَ لا يعمَلونَ بشيءٍ مِمَّا فيهِما[9].
يقرؤونَ التَّوراةَ والإنجيلَ لا يعمَلونَ بشيءٍ مِمَّا فيهِما: فليست القضية بأن تقرأ القرآن أو يكون القرآن في بيتك وسيارتك وعلى مكتبك، المهم أن تفهم القرآن فهمًا صحيحًا، وأن تعمل بما فيه، وألَّا تُخرجه عن معناه وسياقِه.
فالنبي صلى الله عليه وسلم أخبر باليوم الذي يذهب فيه العلم، حين يكون القرآن بين أيدينا ونتلوه، لكن لا نعمل بشيءٍ مما فيه.
والله المستعان.
فلا نجاة إلا بالالتزام بما شرع ربُنا، والتسليم للنص الشرعي.
وأنْ تُقصِّر في ألف طاعة خيرٌ من أن تنكر حرفًا مما أجمعت عليه هذه الأُمة، وسار عليه سلف هذه الأمة.
وإياك أن ترى أنَّ فلانًا يُدرك واقع الأمة اليوم؛ ولذلك فهو سيُضطر لإنكار ما أجمعت عليه الأمة؛ لأنَّ الوضع اختلف الآن، أنت بهذا وكأنك تقول: إنَّ الله لا يعلم الغيب، فهو سبحانه أنزل شرعَه في كتابه وسُنة نبيه، وأخبر أنَّ شرعه يُصلِح كل زمان ومكان، ويَصلُحُ لكل زمان ومكان، لكن أنت ترى أنَّ الوضع اختلف الآن، ويجب تغيير ما أجمعت الأمة عليه بحجة تغيُّر الزمن، فهذا إلحاد في دين الله.
قال عمر بن عبد العزيز: "قِفْ حيث وقف القومُ، وقُلْ كما قالوا، واسكُتْ عمَّا سكتوا؛ فإنَّهم عن عِلمٍ وقَفوا، وببصرٍ نافذٍ كَفُّوا"[10].
وإذا رأيتَ هوًى متَّبعًا، وإعجابَ كلِّ ذي رأيٍ برأيهِ، فعليكَ بخاصَّةِ نفسِكَ، وَدَعْ عنكَ أمرَ العوامِّ[11].
أصلِحْ نفسَك، واتَّقِ ربَّك حتى تلقى الله وأنت كذلك، ولا تشغل نفسَك بمن سقط في هذه الفتن، وأجر الصابر في وقت الفتن عظيمٌ عند الله عز وجل .
أجره بأجر خمسين من الصحابة كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم [12].
فهذا الأجر العظيم: لعظمة تلك الفتن، وتزيُّن الدنيا على أشُدها.
فاصبرْ نفسك، والتزمْ بشرع ربك، وحافِظْ على القرآن بتدبُّرٍ.
والزمْ ما كان عليه سلف هذه الأمة.
فلو فعلتَ فقد نجوتَ، وأنعِمْ بأجرك عند ربك.
نعود لسمات دعاة التنوير:
من سمات دعاة التنوير الذين يتبعون غير سبيل المؤمنين، أنهم دائمًا يؤكدون أنَّ أيَّ إنسان على خُلُقٍ حسنٍ فهو من أهل الجنة -باعتبار أنهم يؤمنون بالجنة أصلًا- حتى ولو كان نصرانيًّا أو يهوديًّا وَرَدَّ على الله وحيه، حتى ولو كان يعبد الأحجار، فطالما أنه مُهذب فهو من أهل الجنة.
فهم يرفعون مقام صاحب الخلق الكريم أيًّا كان دينه، ويعطوه صكًّا بالجنة.
وهذه فكرة خبيثة تُسمَّى الديانة الإنسانوية Humanism وهي تعني تعظيمَ حق الإنسان على حق الله، فلو اعتديت على حق الله في عبادته فلا مشكلة، المهم ألَّا تعتدي على حق الإنسان.
وقد ظهرت الديانة الإنسانوية؛ لأنَّه لا وجود لله في قلوبهم، فهم لا يعنيهم اعتداؤك على الدين، وكفرُك بربك، المهم لا تؤذي إنسانًا.
فلو آذيت إنسانًا فهذا غير مقبول، أما لو أضعت على إنسانٍ آخرته، ونشرت الشبهاتِ بين الناس، وحرَّضتهم على الكفر بالله، فهذه حرية تعبير، ولا يحقُّ لأحدٍ أن يمنعك.
فتضييع الآخرة الأبدية لا مشكلة فيها؛ لماذا؟ لأنهم لا يؤمنون بالآخرة ابتداءً.
فهذه هي عقيدة الديانة الإنسانوية، والتي تعني الإيمان بالإنسان بديلًا عن الإيمان بالله ورسله وكتبه واليوم الآخر.
فالديانة الإنسانوية هي جزء لا يتجزَّأ من حركة التنوير.
وأنا لا أدري كيف يؤمنون بحقوق الإنسان في عالم مادي، ينكرون فيه الخالق والغيب واليوم الآخر؟
كيف لهم الإيمان بالإنسان في عالمٍ كهذا؟
كلمة إنسان كما قلت من قبل هي كلمة ميتافيزيقية أصلًا.
كلمة تستمدُّ معناها من عالمٍ آخر.
فلا يوجد إنسان في العالم المادي الإلحادي.
يوجد في الإلحاد حيوان متطور لا فرق بينه وبين الطفيليات المعوية، كما يقول فرانسيس فوكوياما[13].
أما "إنسان" فلا وجود له في عالم الإلحاد.
فمن يرغب عن الدين يسفه نفسه، ويصبح لا فرق بينه وبين الطفيل المعوي.
أيضًا من سمات دعاة التنوير أنهم: يهتمون دائمًا بشخصياتٍ مارقةٍ ظهرت في التاريخ الإسلامي، ويقدمونهم باعتبارهم مفكرين حتى يوهنوا قيمة السلف في قلب الشاب المعاصر.
أيضًا سمة أخرى عند هؤلاء، وهي: إثارة القوميات في كل بلد.
فهم يُشعلون الضغائن بين المسلمين الأمازيغ وإخوانِهم من غير الأمازيغ في المغرب.
ويشعلون الضغائن بين المسلمين الأكراد وإخوانِهم في الشام وهكذا.
هم يجيدون اللعب على ملف العصبيات والقوميات باحترافيةٍ.
أيضًا من سمات دعاة التنوير: التقرُّب جدًّا من الملحدين ومن الخطاب الإلحادي.
فهم دائمًا يمتدحون الملاحدة، ويَعرضون في كثير من القضايا نفس تصوُّراتِهم؛ لأنهم ببساطة منهم.
ومن السمات البارزة عند دعاة التنوير إلى جانب ما سبق: التسامح مع أية فكرة، وأي مذهب، وأي تصوُّر، وأي خرافة، ولو كانت عبادة حشرات، فلا مشكلة عندهم من التسامح مع أكلة لحوم البشر، بل هم يتسامحون مع النازية الجديدة، لكنهم في الوقت نفسه هم أشدُّ الناس عداءً وكراهيةً وبُغضًا وإقصاءً لدعاة المسلمين وعلماء المسلمين وشيوخ المسلمين.
فهم يُبغضون كل ما ينتمي للإسلام، حتى تَشعر من خطابهم أنَّ جهنم ليس فيها إلا علماء السلف، وأن الجنة أغلب مَن فيها ملاحدة.
إذن لا بد للمسلم أن يعرف سمات دعاة التنوير حتى يَحذر منهم؛ لأنهم أصبحوا منتشرين في القنوات والفضائيات ومواقع التواصل.
فسماتُهم باختصار:
1- تأويل النص الشرعي بما يخرجه عن معناه، وعن مراد الشرع تمامًا.
2- إنكار السُّنة النبوية، والهجوم على علم الحديث.
3- الهجوم على علماء السلف والتنقُّص منهم.
4- تبني الديانة الإنسانوية، وتقديم حق البشر على حق الله.
5- إثارة القوميات والنعرات.
6- الاصطفاف مع الملحدين والحرب على المؤمنين.
التنوير الظلامي ظهر في أوروبا قبل قرنين تقريبًا بالمصطلحات نفسها، والأهداف نفسها، والأسلوب نفسه، وانتهى كما قُلتُ بإلحاد أوروبا، وتمَّت علمنة كل أوجه الحياة.
وكانت البداية هي تهاوُن الناس في التعامل مع دعاة التنوير، فقد استحى الناس من نقد حركة التنوير، وكشف مكرها بدعوى حرية التعبير وحرية الرأي.
فانتشر الإلحاد انتشار النار في الهشيم.
فهذا النوع أخطر من الإلحاد الصريح بألف ألف مرة لو تُرك دون مواجهة مباشرة مع أهم ما يقوم عليه من أفكار، فيجب تفنيد وتعرية وكشف قبح هذا المذهب.
يريد دعاة التنوير في بلادنا أن يعيدوا الكرَّة نفسها التي حصلت في أوروبا.
ولذلك لا بد أن يعلم الناس حقيقة حركة التنوير، ويعلموا خطرها ليس فقط على دينهم، وإنما على دنياهم أيضًا.
فحركات التنوير في أوروبا نشأت في كنفها كل عصابات الإبادة الجماعية.
فالستالينية في الاتحاد السوفيتي كانت تنويرية Stalinist Enlightenment.
والماوية في الصين كانت تنويرية.
والنازية في ألمانيا كانت تنويرية.

فمصطلح التنوير يقبل أية فكرة إبادية، وسيُسمي مشروع الإبادة الذي يقوم به مشروعًا تنويريًّا!
وهتلر على سبيل المثال كان يُسمِّي إبادة الأعراق البشرية الأدنى بـ: "دُش تطهير الألمان من الأوساخ العالقة بهم".
باعتبار أن الأعراق الأدنى أوساخٌ عالقة بالعرق الآري الألماني.

فإبادة المعاقين والضعفاء والأعراق البشرية الأدنى -أدنى من وجهة نظر إلحادية- هذا شيء طبيعي في الفلسفة التنويرية.
لأن الفلسفة التنويرية في الأساس فلسفة إلحادية تؤمن بالتطوُّر والمادية، وأنَّ الإنسان مجرد خبط عشواء في الطبيعة بلا قيمة، وبالتالي فلا عزاء للضعفاء ولا المرضى ولا المعاقين.
لقد أدَّى التنوير إلى وصول أوروبا إلى العبثية والعدمية، ووصل الناس إلى أعلى معدلات انتحار في تاريخ أوروبا، وتاريخ العالم، وفقد الناس معنى الحياة.
ويُراد لنا اليوم أنْ نسير وَفْق نفس هذه الأجندة التنويرية.