ج: هذا كلامٌ لا يقوله إنسان يعرف شيئًا في علم الحديث.
وللأسف هذه الأسئلة المضحكة تنتشر بين نُفاة السنة.
فالبخاري جمع أغلب ما صحَّ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم .
وهو فقط قام بتوثيق نقل كل حرف خرج من فم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قام بتوثيق الروايات، ووضع لذلك شروطًا قاسيةً بحيث يصبح كتابه أدقَّ كتاب على وجه الأرض بعد كتاب الله.
فهو جمع الأحاديث بضبط وتوثيق الرواية لأبعد مدًى.
كان هذا مشروع البخاري.
فقد جمع هذه الأحاديث ثم رتَّبها وقسَّمها وطرَّزها بعناوينه الفقهية، وأثبَتَ طُرُقَها المتصلة منه إلى الرسول .
وطبعًا كل حديث في البخاري بالبداهة مكتوبٌ ومحفوظٌ منذ زمن الصحابة.
فكل حديث في البخاري تستطيع أن تعرف مصدره ومرجعه ورواته، لكن البخاري جمع أغلب ما صحَّ من أقوى الطرق، وضَبَط الرواية، وبوَّب الأبواب.
وأغلب ما في موطأ مالك على سبيل المثال موجودٌ في صحيح البخاري، والموطأ يروي فيه مالك بعض أحاديثه عن نافع عن ابن عمر.
فبين نافع الذي ينقل عنه مالك وبين النبي صلى الله عليه وسلم عبدُ الله بن عمر الصحابي الجليل.
فالموطأ ذلك الكتاب عظيم الشأنِ، القريب العهد بوفاة النبي صلى الله عليه وسلم موجودٌ أغلبه في البخاري.
وما في البخاري موجود أيضًا عند ابن جُريج، وابن أبي عَروبة، وعند معمر بن راشد، وعبدِ الله بن المبارك، وعبد الله بن وهب، والأوزاعي، والثوري، وحماد بن سلمة بن دينار، والإمام الزُّهْري شيخ مالك، فما في البخاري موجود عند هؤلاء وكل هؤلاء دوَّنوا الحديث قبل البخاري.
إذن لا يوجد حديث عند البخاري إلا ويمكنك أن تعرف سنده من غير طريق البخاري.
قال الإمام مسلم يومًا للبخاري: "لا يبغضك إلا حاسد، وأشهد أن ليس في الدنيا مثلُك، وقال له بعد أن قبَّل ما بين عينيه: دَعْني أُقَبِّلُ رِجْلَيْكَ يا طبِيبَ الحديثِ في عِلَلِهِ، ويا أُستاذَ الأُستَاذِينَ، ويا سَيِّدَ الـمُحدِّثينَ"[1].
فالبخاري هو أمير المؤمنين في الحديث، وقد اختار أقوى الطرق لأغلب ما صحَّ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من حديث، فبعد أن أتقَنَ كل الأحاديث أخرج صحيحه، قال الحافظ أبو العباس الفضل بن العباس: جَهَدْتُ كلَّ الجَهْدِ على أنْ آتيَ بحديثٍ لا يعرفه البخاريُّ، فما أمكنني[2].
وقال الإمام ابن خزيمة: ما رأيتُ تحت أديم السماء أعلَمَ بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وأحفَظَ له مِن محمد بن إسماعيل[3].
ولما سمع أهل بغداد بحِفظ البخاري ودقَّتِهِ، أرادوا امتحانَهُ، فعمدوا إلى مائة حديثٍ، فقلبوا متونها وأسانيدَها، وجعلوا متنَ هذا لإسناد هذا، وإسنادَ هذا لمتن ذاك... مائة حديث قَلَبوا أسانيدها، فصار سند الحديث الرابع مثلًا مكان سند الحديث الخامس عشر وسند الحديث الثالث والأربعين مكان سند الحديث التاسع والخمسين وهكذا.
ودفعوا إلى كلِّ واحدٍ عشرةَ أحاديث ليُلْقوها عليه في المجلس.
فجاء الطلاب، واجتمع الناس، وبدأ الطالب الأول يقرأ السند، ثم قرأ الحديث فقال البخاري: لا أعرفه.
ثم قرأ الثاني، وقال البخاري: لا أعرفه.
وهكذا في كل حديث.
فتعجَّب الناس!
أنه لا يعرف أيَّ حديث!
لكن الفقهاء الذي قاموا بالاختبار التفت بعضهم لبعض وقالوا: الرجل فَهِمَ -أدرك الحيلة.
فلما فرغ الطلاب من إلقاء المائة حديثٍ، والبخاري يقول لكل حديث: لا أعرفه.
بعد انتهائهم التفت البخاريُّ إلى الأول، فقال: "أمَّا حديثك الأول فهو كذا، وحديثك الثاني كذا... إلى آخر العشرة؛ فردَّ كلَّ متنٍ إلى إسناده، وفعل بالثاني مثلَ ذلك إلى أن فرغ"، فأقرَّ له الناسُ بالحفظ والضَّبط والإتقان.
لقد قام البخاري بآية عجيبة في هذا المجلس؛ إذ ردَّ كل سندٍ لكل حديث بترتيبه.
فقال للأول على سبيل المثال: حديث الأول سنده عند الحديث الثامن والثلاثين، وحديثك الثاني سنده عند الحديث الرابع والأربعين، وهكذا إلى تمام المئة.
قال الحافظ ابن حجر في هذه الواقعة العجيبة: "ليس العجب من ردِّهِ الخطأ إلى الصواب؛ فإنه كان حافظًا، بل العجب من حفظه للخطأ على ترتيب ما ألقَوْهُ عليه من مرة واحدة"[4].
لقد كان البخاري آيةً من الله عز وجل .
قال رجاء بن مُرَجَّى: "هو آية من آيات الله يمشي على الأرض"[5].
***