ج: أولًا: السُّنة كما فصَّلنا هي تشريعٌ مستقلٌّ كالقرآن.
فقد يرد في السُّنة النبوية حكم شرعي مستقلٌّ ليس في القرآن.
وعذاب القبر ونعيمه وردت فيه أحاديث متواترة.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "فأما أحاديثُ عذاب القبر، ومسألة مُنكَر ونكير، فكثيرة متواترة عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم [1].
ومثال ذلك ما في الصحيحين:
مَرَّ النبيُّ صلى الله عليه وسلم بحَائِطٍ فَسَمِعَ صَوْتَ إنْسَانَيْنِ يُعَذَّبَانِ في قُبُورِهِمَا، فَقالَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم : يُعَذَّبَانِ، وما يُعَذَّبَانِ في كَبِيرٍ[2].
وفي صحيح مسلم: إِذَا تَشَهَّدَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْتَعِذْ باللَّهِ مِن أَرْبَعٍ يَقُولُ: اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِكَ مِن عَذَابِ جَهَنَّمَ، وَمِنْ عَذَابِ القَبْرِ، وَمِنْ فِتْنَةِ المَحْيَا وَالْمَمَاتِ، وَمِنْ شَرِّ فِتْنَةِ المَسِيحِ الدَّجَّالِ[3].
وفي صحيح مسلمٍ أيضًا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : فَلَوْلَا أَنْ لا تَدَافَنُوا، لَدَعَوْتُ اللَّهَ أَنْ يُسْمِعَكُمْ مِن عَذَابِ القَبْرِ الذي أَسْمَعُ منه ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْنَا بوَجْهِهِ، فَقالَ: تَعَوَّذُوا باللَّهِ مِن عَذَابِ النَّارِ، قالوا: نَعُوذُ باللَّهِ مِن عَذَابِ النَّارِ، فَقالَ: تَعَوَّذُوا باللَّهِ مِن عَذَابِ القَبْرِ، قالوا: نَعُوذُ باللَّهِ مِن عَذَابِ القَبْرِ[4].
فقد تواترت الأخبارُ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثبوتِ عذاب القبر ونعيمه، فيجب اعتقادُ ذلك، والإيمان به، ولا نتكلَّم عن كيفيته؛ إذ ليس للعقل وقوفٌ على كيفيتِه؛ لكونه لا عهدَ له في هذه الدار[5].
وكلُّ مَن مات وهو مستحقٌّ للعذاب يُعذَّب، سواءً دُفن أو لم يُدفن.
فعذاب القبر ونعيمه حقٌّ.
ثانيًا: عذاب القبر لم يثبت فقط بالسُّنة المتواترة بل هو ثابتٌ أيضًا بالقرآن الكريم.
فهذا عذابٌ حاصلٌ قبل يوم القيامة بظاهر الآية بلا شك.
الجواب: وهل نحن أنكرنا أننا سنُبعث يوم القيامة من مرقدنا؟
هذا لا ينفي عذاب القبر.
وعذاب القبر بالنسبة لأهوال القيامة كأنه راحة... كأنه مرقدٌ.
أيضًا لا ننسى أننا بين النفختين سنرقد.
سترقد كل مخلوقات الله عز وجل قبل أن تُبعث يوم القيامة.
فإذا نُفخ النفخة الثانية خرج الجميع إلى محشرهم.
فالحساب ينقضي في نصف نهار قبل وقت المقيل.
قبل وقت القيلولة سيكون أهل الجنة على سُرُرهم متقابلين.
نسأل الله أن يجعلنا معهم.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم : "يومُ القيامَةِ على المؤمنينَ كقَدْرِ ما بينَ الظُّهرِ والعصرِ"[6].