الكتاب بنص الآية هو: "اللوح المحفوظ"، فاللوح المحفوظ فيه خبر كل دابة، وكل مخلوق، فهل في القرآن خبر كل دابة وكل مخلوق؟
الجواب: لا.
فـ"الكتاب" في الآية هو: اللوح المحفوظ.
والجواب: القرآن دستور كامل يأتي بالقواعد الكلية، أما التفاصيل لهذه القواعد فيُحال فيها للحديث.
وهناك بديهة يعرفها المشرِّعون عبر العالم، وهي أنَّ: الدستور قواعد، وليس قوانين.
يقول المشرعون: لا يصحُّ أن يكون في الدستور مواد مفسِّرة.
فالتفسير يكون في كتب القانون.
ولكلام الله المثل الأعلى، فهذا حال الكتاب والسُّنة فـ: القرآن دستور، والسُّنة مُفسِّرة للقواعد الكلية في القرآن.
ثم إنَّه من المعلوم يقينًا أنَّ: القرآن لم ترد فيه كلُّ جزئية من جزئيات الشريعة.
فليس في القرآن من أحكام الصلاة إلا تقريرُ وجوبها، والأمر بحسن أدائها.
وليس في القرآن من أحكام الزكاة إلا الأمرُ بأدائها، وبيان مصارفها.
والكلام نفسه بالنسبة للحج والصيام.
أما كيفية إقامة الصلاة، وأركان الصلاة، وواجباتها، وسُننها، وعدد الركعات، وعدد الصلوات، ومواقيت الصلوات، وكيفية السجود والركوع، فكل هذه الأمور لا وجود لها في القرآن الكريم، وإنما هي في السُّنة فقط.
وقل الشيء نفسه في أركان الإسلام الأخرى.
فكل الأحكام التي عليها مدارُ الدين يُبيِّن فيها القرآنُ الأصولَ والقواعد العامة، بينما التفاصيل تكون في السُّنة النبوية.
والقرآن تبيان لكل شيء من وجهٍ آخر، فهو تبيان للقواعد العامة، وفي الوقت نفسه تبيان لطريق الإحالة لفهم هذه القواعد وتطبيقها:
وتبيان لطريق الإحالة لفهم وتطبيق وتفسير كيف نقيم الصلاة: بالإحالة إلى الطريق الذي تُعرف به تفاصيل الأحكام.
فالقرآن يحيل إلى السنة المبيِّنَة.
فالقرآن يأمرك بإقامة الصلاة، ويحيلك للسُّنة حتى تعرف تفاصيل وكيفية إقامة الصلاة.
إذن بهذا يكون القرآن تبيانًا لكل شيء فهو: تبيان للقواعد العامة، وتبيان لطريق الإحالة الذي تفهم به كيف تقيم الصلاة.
وكما قال جابر بن عبد الله ﭭ: "ورَسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم بيْنَ أَظْهُرِنَا، وَعليه يَنْزِلُ القُرْآنُ، وَهو يَعْرِفُ تَأْوِيلَهُ، وَما عَمِلَ به مِن شيءٍ عَمِلْنَا بهِ"[1].
فهو صلى الله عليه وسلم يبين لهم التطبيق العملي: (يَعْرِفُ تَأْوِيلَهُ) في مناسك هذا الدين.
إذن فالقرآن يحيل للسُّنة التي فيها تفصيل القواعد.
كان الكفار يريدون آيةً على صدق نبوَّتِهِ صلى الله عليه وسلم ، فأخبرهم الله عز وجل بأعظم آية، وهي هذا الكتاب -القرآن الكريم- ألا يكيفهم هذا الكتاب المعجز بتشريعاته ومعناه وقصصه، والمعجز بلفظه، والمعجز بدقائق أخباره، والمعجز بلهفة القلوب إليه، والمعجز بخطابه لوجدانِ كل إنسان على حدةٍ بحسب همه وما يشغله، ألم يكفهم هذا القرآن الذي نزل على رجل أُمي يرعى الغنم على قراريط لأهل مكة، ألم يكفهم كآية على صحة هذا الدين؟
فهذا هو تفسير الآية، وليس أنَّ القرآن يغني عن السُّنة.