الرئيسية شبهات وأفكار منحرفة أفكار ضالَّةالفصل الأول - منكرو السُّنَّة
السؤال 85

هل السُّنة كلُّها مكتوبة؟

ج: نعم!

كل السنة مكتوبة وموثَّقة تمامًا.

ذكر الطبراني في الكبير: "إنَّا لم نسمع منه صلى الله عليه وسلم شيئًا إلا وهو عندنا في كتاب"[1].

فكل شيء في سُنته صلى الله عليه وسلم مُدوَّنٌ، حتى سكتات النبي صلى الله عليه وسلم : سكتاته محفوظة مُدوَّنةٌ.

كانَ رَسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَسْكُتُ بيْنَ التَّكْبِيرِ وبيْنَ القِرَاءَةِ إسْكَاتَةً[2].

بل ونقل الصحابة أنَّه صلى الله عليه وسلم سَعَلَ سَعْلةً في صلاته: "أخَذَتِ النبيَّ صلى الله عليه وسلم سَعْلَةٌ فَرَكَعَ"[3].

فقد نقلوا كلَّ سنتِهِ واجتهدوا أشدَّ اجتهاد في حفظها، وقد أخبر صلى الله عليه وسلم أنَّ سُنته ستُنقل عبر الأجيال فقال: "تَسمعونَ، ويُسمعُ منْكم، ويسمعُ مِمَّن سمعَ منْكم"[4].

فالصحابة سيسمعون الحديث وينقلونه للتابعين، والتابعون سينقلونه لتابعي التابعين، وهذا ما حصل فقد نُقلت السُّنة من الصحابة للتابعين، ثم لتابعي التابعين.

وهنا يأتي السؤال: هل هذا يعني أن السُّنة نُقلت فقط نقل شِفاهٍ أم أيضًا كانت مكتوبة؟

والجواب: السُّنة نقلت نقل شفاهٍ، وكانت مكتوبة، فكُتُب الحديث موجودة منذ عهد النبي صلى الله عليه وسلم ، وجرت الكتابة للحديث بين يديه صلى الله عليه وسلم ، وعندنا اثنان وخمسون صحابيًّا من كُتَّاب الحديث النبوي.

وفي كتاب عبد الله بن عمرو بن العاص أكثرُ من ألف حديث، وهناك كتاب أنس بن مالك، وكتاب سعد بن عُبادة... كتب كثيرة للصحابة في الحديث[5].

فالسنة محفوظة في الصدور ومكتوبة.

وبعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم بسنوات بدأت مرحلة جمع الأحاديث في كتابٍ واحد، وهذا ما يُعرف بالتدوين.

فالتدوين غير الكتابة:

أما الكتابة فهي كما قلنا منذ عهد النبي صلى الله عليه وسلم وبين يديه.

بينما التدوين فهو: جمع كل الأحاديث في مكانٍ واحدٍ.

والتابعون وتابعو التابعين اجتهدوا في التدوين اجتهادًا عظيمًا عجيبًا، فجمعوا الأحاديث بالأسانيد المتعددة؛ ولذلك قد يأتي حديث من مائة طريق وأكثر.

فجمعوا كل أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم بطرقها، وصنَّفوا كتبًا في أسماء الرواة وضبط الرواة، حتى يُضبط كل حديث بحرفِهِ الذي خرج به من فم النبي صلى الله عليه وسلم ، وصنَّفوا في علوم الرجال، وصنَّفوا في الجرح والتعديل، وصنَّفوا المسانيد والجوامع والمستدركات والمستخرجات والزوائد والأجزاء، وصنَّفوا في شروح الحديث، وفي علوم الإسناد والمتن.

لذلك كانت درجة أي حديث صحيح أعلى من درجة توثيق كل كتب التاريخ في كل الحضارات مجتمعة، فشروط ضبط الحديث أعلى بألف مرة من وثوقية أي مصدر تاريخي تتخيَّلهُ.

بل إنَّ درجة توثيق الحديث الضعيف أعلى من درجة توثيق كتب أهل الديانات السابقة.

فلو حصل انقطاع في سند الحديث في طبقة واحدة، أي: أنْ يفتقد سند الحديث لراوٍ واحدٍ، أو أنْ يكون الراوي مجهولًا لا نعرفه، ففي هذه الحالة يُحكم على الحديث بالضعف.

بينما نجد أنَّ الكتب السابقة تصل درجة الانقطاع فيها لمئات السنين.

فنقلة السُّنة كانوا أغيرَ الناس على ضبط كل حرفٍ خرج من فمه صلى الله عليه وسلم .

في الحديث المتفق على صحته، أخبر عبد الله بن عمر: "أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: بُنِيَ الإسْلامُ علَى خَمْسَةٍ: علَى أنْ يُوَحَّدَ اللَّهُ، وإقامِ الصَّلاةِ، وإيتاءِ الزَّكاةِ، وصِيامِ رَمَضانَ، والْحَجِّ. فَقالَ رَجُلٌ: الحَجُّ، وصِيامُ رَمَضانَ؟ قالَ: لا، صِيامُ رَمَضانَ، والْحَجُّ. هَكَذا سَمِعْتُهُ مِن رَسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم "[6].

فهذا يعني حرص الصحابة على أدق التفاصيل في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم .

وفي حديثٍ آخر: نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الدُّبَّاءِ والمُزفَّت أن يُنتبذ فيه، فقيل لسفيان: أن يُنبذ فيه؟ فقال: لا.. يُنتبذ فيه[7].

يحرصون على الحرف من فمه صلى الله عليه وسلم .

لقد هيَّأ الله برحمته لهذه الأُمَّة الأسباب التي حُفِظت بها سُنة النبي صلى الله عليه وسلم ، فقد حمل سنة النبي صلى الله عليه وسلم جيلٌ كانت فِطرتهم سليمة، وسَلِيقَتهم قويمة، وتَمَرَّسوا على قوة الحفظ عبر الزمن، فقد حَفِظوا تاريخهم، ونَقَلُوا أشعارَهم، فكانت عندهم ملكة الحفظ عجيبة، فلما جاء الإسلام وكانوا أشدَّ الناس غَيرةً على سُنة رسول الله صلى الله عليه وسلم مِن أن يدخل فيها أيُّ شيء غير صحيح، لهذا ضبطوا نقل كل حديثٍ خرج من فمه صلى الله عليه وسلم ، وكل شيء أقرَّه أو فَعله... ضبطوا سُنَّته صلى الله عليه وسلم أعجب ضبطٍ.

ومَن عُلِم أنَّه يخطئ أو يتعمَّد الكذب من التابعين أو تابعي التابعين كانوا يفضحونه على رؤوس الأشهاد.

فهم يغارون على سُنته صلى الله عليه وسلم أشد غيرةً.

وما كانوا يستحون؛ لأن الأمر دينٌ، فالسُّنة يتوقَّف عليها العمل الشرعي.

لذلك لو كَذَب أحد على رسول الله صلى الله عليه وسلم في المغرب، لأصبح مفضوحًا في المشرق.

ما كانوا يستحون أبدًا.

مثال على هذا الأمر:[8]

عندنا حديث للنبي صلى الله عليه وسلم : "اللَّهمَّ أنْجِ عَيَّاشَ بنَ أبي رَبيعةَ"[9].

وعَيَّاشُ كان من كبار المهاجرين رضي الله عنه ، لكن حفيد عيَّاش والذي اسمه: أبان بن أبي عياش، كان يكذب في رواية الحديث مع أنَّه من كبار القُرَّاء، لكن لما يروي حديثًا عن النبي صلى الله عليه وسلم لا يُوثق في روايته.

فهل السلف تركوا أبان لمقام عياش جده أو سكتوا عنه لسِنه أو لكونه من كبار القراء؟

والله هذا مستحيل، بل إنَّ السلف فضحوه.

وكان شعبة بن الحجاج يمشي في الأسواق ويقول: أيُّها الناس! أبان بن أبي عياش كذَّاب.

يمشي بين الناس ويُحذر منه حتى ذهب حماد بن زيد إلى شُعبة فقال له: أمسِكْ عن الرجل.

فالرجل مُسِنٌّ، وعائلته كبيرة، وجدُّه من كبار المهاجرين، وقد علم الناس بحاله، وأنه يكذب في الحديث، فلا داعي لأن يُفضح في كل مجلس.

بعد أيام، وكانوا في جِنازةٍ فرأى شعبة أبان، فصرخ بأعلى صوته: يا أبا إسماعيل -يقصد: حماد بن زيد- رجعت عن قولي، أيُّها الناس! أبان كذَّاب.

ثم قال: مَا أَرَانِي يَسعُني السُّكُوتُ عَنهُ[10].

فالأمر دينٌ.

بل وقد نقل الإمام أحمد بن حنبل عن شُعبة بن الحجاج قولَه: "لأن أزني أحبُّ إليَّ من أن أروي عن أبان بن أبي عياش".

هل يجرؤ أحد في مجتمع كهذا أن يكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟

إذا تبيَّن أنَّ أحدًا يتعمَّد الكذب فضحوه.

أما لو أخطأ في روايةٍ دون تعمُّد الكذب يصبح واهيًا في الحديث، ويُترَك.

وقد كانت هناك اختبارات بصفة دورية لكل راوٍ، بحيث لو أخطأ الراوي في أحد هذه الاختبارات ولو كان أعبد أهل الأرض حكموا على رواياته بالضعف.

فلم يكن هناك تساهُل مع سُنة النبي صلى الله عليه وسلم .

وانظر في حال أشهر الزُّهَّاد في تاريخ الإسلام، الإمام الحسن البصري التابعي الشهير تلميذ الصحابة.

هل يجادل مسلم في علم وتقوى وعبادة الحسن البصري؟

كان الحسن البصري إمام الزهد، من أشهر العُبَّاد، وكان مفتيًا للمسلمين، وقد تربَّى في كنف أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم ، ودعا له عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، فقال: اللهم فقِّهْه في الدين وحبِّبْه إلى الناس.

تتلمذ الحسن البصري على يد ابن عباس وكثير من كبار الصحابة.

وعلى علو قدر الحسن البصري في العبادة والفقه، وعلى زُهده الشديد وورعه لو روى حديثًا عن صحابي فقال حدثني ابن عباس مثلًا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال كذا لصحَّ حديثه، لكن لو روى الحديث مباشرة إلى النبي صلى الله عليه وسلم ولم يذكر اسم الصحابي الذي سمع منه الحديث، فحديثه مرسل لا يُعتدُّ به، ويُصنَّف في قسم الحديث الضعيف.

تخيل! يُرَدُّ حديث الحسن البصري لو روى مباشرةً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم .

هذا حال السلف مع حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فعلى عُلوّ قدر الحسن البصري، لكن هناك عقيدة تُؤخذ من الحديث، إذنْ يلزم ضبط كل حرف بسنده إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم .

بل والأعجب من هذا:

انظُرْ في حال الإمام حفص الذي يقرأ أهل الأرض القرآنَ بقراءته: حفص عن عاصم.

الإمام حفص الذي ضَبَطَ طريقة تدوير كل حرف في القرآن، ومخرج كل حرف في القرآن من فم النبي صلى الله عليه وسلم .

الإمام حفص والذي هو مُنتهى علم القراءات هو في الحديث ضعيف!

لك أنْ تتعجَّب!

الإمام حفص إمامُ الدنيا في القرآن، لكنه لما انشغل بالقراءاتِ، وتعمَّق فيها، وصارت تملك كلَّ وقتِهِ، قَلَّ ضبطه لألفاظ الحديث النبوي؛ لذلك فهو في الحديث ضعيفٌ.

ولو ورد اسم حفص في سند حديث حُكِمَ بضعف الحديث.

فالسلف كانوا لا يخجلون أمام ضبط الحديث النبوي، ولا هَيْبة لأحد أمام ضبط الحديث النبوي، ولا يستحون من تضعيف أحدٍ مهما علا قدرُه في الإسلام.

وفي وقت تدوين السُّنة ظهرت فتنة اسمها فتنة: "خلْق القرآن" وهي فتنة مشهورة زمن الخليفة المأمون، حاول أن تتخيَّل لو امتلك الخليفة المأمون حديثًا واحدًا يدعم موقفه في القول بخلق القرآن!

سينتهي الأمر.

كان مع المأمون السُّلطان والسجن والقتل -قُتل بعض العلماء في هذه الفتنة- لو استطاع المأمون أن يأتي بحديثٍ واحدٍ لانتهى الموضوع.

لكن مَن كان يجرؤ على صناعة حديث للقول بخلق القرآن؟[11]

لا يجرؤ حتى المأمون نفسه.

لم يستطيعوا أن يُقحِموا حديثًا واحدًا ينسبوه للنبي صلى الله عليه وسلم في هذا الموضوع؛ لأنه بدراسة سند الحديث سيفتضح أيُّ وضَّاع، وسيُصبح مَن وضع هذا الحديث عارًا عبر التاريخ.

فعِلم الحديث له ضوابط حادَّة، وشروط قاسية، يفتضح من خلالها أيُّ شخص يحاول التلاعب بحرفٍ واحدٍ في أي حديثٍ.

فعِلم الحديث هو علم حقيقي متكامل له ضوابط.

والضوابط الستَّة المشهورة للحديث النبوي هي:

1- اتصال السند.

2- عدالة الراوي.

3- ضبط الراوي.

4- السلامة من الشذوذ.

5- السلامة من العلَّة القادحة.

6- وجود العاضد عند الاحتياج إليه[12].

واتصال السند يعني: وجود سند متصل للحديث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلا يوجد فيه انقطاع.

فلو كانت هناك حلقة مفقودة في السند حُكم على الحديث بالضعف، ولو كان بقية الرواة في السند أعدل أهل الأرض.

أما عدالة الراوي فمعناها: أنْ يكون راوي الحديث معلومًا بدينه وخُلقِه وصدقِه وأمانتِه.

أما ضبط الراوي فمعناه: أنْ يكون راوي الحديث حافظًا متقنًا.

وكانت هناك اختبارات كما قُلتُ تجري بانتظام في حياة كل راوٍ، فيأتي شخص ممتحِن بصورة طالب علم، فيُسمِّع على الراوي أحاديثه فيُدخل في الأحاديث حديثًا ليس من طريقه، وينظر هل سينتبه الراوي أم لا؟

كانت اختبارات منتظمة متكررة في جنبات العالم الإسلامي؛ لضبط الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم .

فلا يُقبل الْحَدِيثُ إذا لَمْ يَكُنْ لَهُ إسناد نظيف معروفٌ كل راوٍ فيه.

فالله تعالى بلطيف عنايتِهِ أقام لعلم الحديث رجالًا نُقَّادًا تفرَّغوا له، وأفنَوْا أعمارهم في تحصيله، وفي البحث عن رجاله، ومعرفةِ مراتبِهم في القوة واللين[13].

فقد أتقنوا ضبط الحديث بصورةٍ عجيبةٍ.

قال عبد الرحمن بن مهدي: "يحرُمُ على الرجل أنْ يروِيَ حديثًا في أمر الدِّينِ حتى يُتقِنَهُ ويَحفظَهُ كالآية من القرآن، وكاسم الرجل، والمستحب له أن يورد الأحاديث بألفاظها؛ لأن ذلك أسلمُ له"[14].

وكان سلف هذه الأمة آية في الحفظ.

فالإمام ابن شهاب الزُّهري راوٍ، وهو مِن أوَّل مَن دوَّن الحديث بأمر عمر بن عبد العزيز الخليفة الراشد، وهو شيخ الإمام مالك يقول عن نفسه: "ما استعدْتُ حديثًا قطُّ، ولا شككتُ في حديثٍ إلَّا حديثًا واحدًا، فسألتُ صاحبي فإذا هو كما حفظتُ"[15].

أما قتادة فقد قال الإمام أحمد: "قُرِئَ على قتادة صحيفةُ جابرٍ مرةً واحدةً فحَفِظَها"[16].

وصحيفة جابر بن عبد الله الصحابي الجليل صحيفةٌ معروفةُ، فقد كان له كتاب في الحديث.

قال قتادةُ لسعيد بن أبي عَرُوبَة: أمسِكْ عليَّ المُصحف، فقرأ البقرة فلم يخطئ حرفًا، فقال: يا أبا النضر! لأنا لصحيفة جابرٍ أحفظُ مني لسورة البقرة[17].

أما الإمام جوهرة الحُفاظ البخاري، فكان كما يقول عن نفسه يحفظ مائة ألف حديث صحيح، ويحفظ مائتي ألف حديث غير صحيح[18].

وذات يوم كان البخاري يَحضُرُ درسًا في علم الحديث، ومازال صبيًّا لم يبلغ أحد عشر عامًا، فقال الشيخ عن سفيان عن أبي الزبير عن إبراهيم. فقال له البخاري: أبو الزبير لم يروِ عن إبراهيم. فتعجَّب الشيخ ثم قال: إذنْ مَن هو؟ قال: ليس أبو الزبير عن إبراهيم، وإنما الزبير بن عَدي عن إبراهيم. فراجع الشيخ درسه، فقال: صدقتَ[19].

كان هؤلاء الأئمة هبةً من ربِّ الأرض والسماوات؛ لِحِفظِ دينِهِ، وسُنَّةِ نبيِّهِ صلى الله عليه وسلم .

تخيل أنَّ الشافعي حفظ موطأ مالك وهو ابن عشر سنين[20].

والكلام عن حفظهم لا ينتهي، ولم يكتفوا فقط بالموهبة، بل عانوا وجاهدوا حتى وصلوا لما وصلوا إليه.

كان الرجل منهم يُسافر في ضبط صحة الحديث الواحد شهرًا.

رحل جابر بن عبد الله ﭭ الصحابي الجليل مسيرةَ شهرٍ إلى عبد الله بن أُنيس في طلب حديثٍ واحدٍ[21].

وأبو أيوب الأنصاري رضي الله عنه رحل من المدينة إلى مصر؛ ليسأل عقبة بن عامر عن حديثٍ سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم فلما حدَّثه، ركب أبو أيوب راحلته وانصرف عائدًا إلى المدينة، وما حلَّ رحله.

وقال مكحول: طُفتُ الأرضَ كلها في طلب العلم[22].

وسافر بَقِيُّ بنُ مَخْلَدِ في طلب الحديث رحلتينِ: الأولى عشرين عامًا، والثانية أربعة عشر عامًا، وقد مشى على قدمه ولم يركب دابة أربعًا وثلاثين سنة.

فقد خرج من الأندلس سيرًا على الأقدام إلى بغداد، وتَنقَّلَ بين بلاد المسلمين؛ لينقل الحديث، ويضبط الرواية.

لا تُعرف أُمة جرَّحت وعدَّلت نفسها مثل أمة الإسلام، حيث جاءت وتكلَّمت عن نفسها، ونقدت نفسها، ونقَّحت نفسها.

فهذا راوٍ ثقةٌ، وهذا كذَّاب، وهذه رواية بلا وزن، وهذه رواية متواترة.

لا توجد أمة جرَّدت نفسها لكل حرفٍ من فم نبيها كما فعلت هذه الأمة.

فقد ضبطت النقل وأتقنته، فحفظت شريعة ربها قرآنًا وسُنةً.

والإسناد عند هذه الأمة من الدين؛ لأن به حفظ الدين.

نَقل الإمام مسلم عن عبد الله بن المبارك قوله: "الإسناد من الدين، ولولا الإسناد لقال مَن شاء ما شاء"[23].

فجزى الله سلف هذه الأمة خيرًا وتجاوز عن خلفها. آمين.

المراجع

  1. 1 الطبراني في الكبير، ح: 14278.
  2. 2 صحيح البخاري، ح: 744.
  3. 3 صحيح مسلم، ح: 455.
  4. 4 صحيح سنن أبي داود، ح: 3659.
  5. 5 دراسات في الحديث النبوي، محمد مصطفى الأعظمي، صفحة (84) وما بعده.
  6. 6 متفق عليه... صحيح البخاري، ح: 8... وصحيح مسلم، ح:16.
  7. 7 الكفاية في علم الرواية، الخطيب البغدادي، ص162.
  8. 8 هذا المثال ذكره الشيخ عثمان الخميس في أحد أشرطته.
  9. 9 متفق عليه.... صحيح البخاري، ح: 1006... وصحيح مسلم، ح: 675.
  10. 10 الكامل، ابن عدي، م1 ص382.
  11. 11 هذه الفائدة مستقاة من إحدى محاضرات الشيخ خالد الدريس حول حجية السنة والرد على شبهات القرآنيين.
  12. 12 منهج النقد في علوم الحديث، د. عتر، ص 242.
  13. 13 فتح المغيث بشرح ألفية الحديث، م1 ص 289.
  14. 14 الكفاية في علم الرواية، ص167.
  15. 15 الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع، (2/ 253) وسير أعلام النبلاء، (5/ 344).
  16. 16 سير أعلام النبلاء، (5/ 276)؛ تذكرة الحفاظ، (1/ 123).
  17. 17 التاريخ الكبير، للبخاري (7/ 186(.
  18. 18 تاريخ بغداد (2/24).
  19. 19 تاريخ بغداد، (2/ 7).
  20. 20 صفة الصفوة م1 ص434.
  21. 21 صحيح البخاري م1 ص26.
  22. 22 سير أعلام النبلاء، م1 ص158.
  23. 23 أخرجه مسلم في مقدمة صحيحه، م1 ص87.
التالي → 86 - هل تأخَّر تدوين السُّنة النبوية لـ 200 سنة كاملة حتى جاء الب ← السابق 84 - ما هي منزلة السُّنة في الإسلام؟