ج: لأنهم ببساطة لا يجرؤون على القدح في الإسلام.
فمَن هي الحلقة التي لو هاجمها التنويري لما انتقده الناس، وفي الوقت نفسه سيسهل عليه بعدها الهجوم على الإسلام؟
إنها حلقة الصحابة.
وبعد أن يُسقط التنويري قيمة الصحابة من قلبك، سيسهُلُ عليه بعدها تأويل أي نص شرعي وفقًا لأي هوًى.
وبهذا يُبطل التنويريون أحكامَ الدين القطعية، وينكروا ما عُلم من الدين بالضرورة بكل بساطة، ولو بيَّنت لهم أنَّ فهمهم مخالفٌ لما أجمعت عليه الأمة، ومناقضٌ لظاهر وصريح النص الشرعي والمعني اللغوي، فلن يهتمُّوا بما تقول؛ لأنهم منذ قليل أسقطوا قدوة هذه الأمة، أسقطوا الصحابة، أسقطوا أكثر الناس معرفةً بمعاني التنزيل، فلن يوقفهم شيء عن تأويل أي نصٍّ شرعيٍّ وفقًا لأي هوًى، فالهجوم على الصحابة هو طريق سهل وذكي للهجوم على الإسلام.
قال أبو زُرعة الرازي: "إذا رأيت الرجل ينتقص أحدًا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فاعلم أنه زنديقٌ؛ لأن الرسول عندنا حقٌّ، والقرآن حقٌّ، وإنما أدَّى إلينا هذا القرآن والسُّنة أصحابُ الرسول صلى الله عليه وسلم ، وإنما يريد القوم أن يُجرِّحوا شهودنا؛ ليبطلوا الكتاب والسُّنة"[1].
فهم يعرفون جيدًا أنَّ الحائط في مواجهة التلاعب في دين الله هم الصحابة؛ لأن فهمهم أقربُ وأصلحُ فهم لمعاني التنزيل.
فالصحابة أقرب الناس للرسالة، وشَهِدوا تنزُّل القرآن والسُّنة، وهم أعرف الناس بالعربية، وأدْرى الناس بمراد الشرع.
ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم : "أَصْحَابِي أَمَنَةٌ لِأُمَّتِي، فَإِذَا ذَهَبَ أَصْحَابِي أَتَى أُمَّتي ما يُوعَدُونَ"[2].
فالصحابة أمانٌ لهذه الأمة، وأمانٌ للفهم الصحيح للكتاب والسُّنة.
ودعاة حركة التنوير يعرفون قدر الصحابة؛ لذلك هم يريدون أن يُسقطوا أمنة هذه الأمة، يريدون أن يُسقِطوا هذا الحائط؛ ليسهل عليهم بعد ذلك الهجوم على القرآن والسُّنة كما يحبون.
لما سئل أبو عبد الرحمن النسائي صاحب "السنن الكبرى" عن معاوية، قال: "الإسلام دار لها باب، فباب الإسلام الصحابة، فمن آذى الصحابة إنما أراد الإسلام"[3].
فمن فقه النسائي عَلِم أن الهجوم على معاوية يُراد به شيءٌ آخر.
فمن آذى الصحابة إنما أراد الإسلام.
والسلف كانوا يعرفون أنَّ مدخل من أراد الهجوم على الإسلام هو: الصحابة.
لذلك قال البربهاري: "واعلم أن مَن تَناول أحدًا من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم إنما أراد محمدًا صلى الله عليه وسلم "[4].
وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ: مَن اتبع غير سبيل المؤمنين مِن الصحابة فمَن بعدهم، ضلَّ سعيُهُ.
وقال صلى الله عليه وسلم : "إِنَّ اللهَ تعالى لا يجمَعُ أمتي على ضلالَةٍ، ويدُ اللهِ على الجماعَةِ"[5].
فإجماع الصحابة معصوم، وسبيلهم هو النجاة، فهؤلاء عاصروا النبوة، وأخذوا عن النبي صلى الله عليه وسلم بلا واسطةٍ، وعاينوا النبي صلى الله عليه وسلم في جميع أحواله، في حله وترحاله، فكان النبي صلى الله عليه وسلم مُعلمهم.
ولذلك كانوا أصلح الناس قلوبًا.
قال ابن مسعود رضي الله عنه : "فإِنَّهُمْ كَانُوا أَبَرَّ هَذِهِ الْأُمَّةِ قُلُوبًا، وَأَعْمَقَهَا عِلْمًا، وَأَقَلَّهَا تَكَلُّفًا، وَأَقْوَمَهَا هَدْيًا، وَأَحْسَنَهَا حَالًا، قوم اختارهم الله لصحبة نبيه، وإقامة دينه، فاعرفوا لهم فضلهم، واتبعوا آثارهم؛ فإنهم كانوا على الهدى المستقيم"[6].
أَعْمَقَهَا عِلْمًا: أكثر هذه الأمة فهمًا وإدراكًا، فهم كتبوا الوحي بأيديهم وقت تنزُّله، وحضروا أسباب نزوله.
قال الشاطبي: هم القدوة في فهم الشريعة والجري على مقاصدها.
وقد احتجَّ العلماء بهذه الآية على وجوب اتباع الصحابة، واستحقاقهم أن يكونوا أئمَّة متبوعين يُقتدى بهم، وتؤخذ أقوالهم.
لأن الآية تقول: وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ. فالآية تتضمَّن المدح لكل من اتبع الصحابة.
روى ابن جرير بسنده عن الضحاك، قال: هُمْ أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم .
وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ: المدينة المنورة.
وَالْإِيمَانَ، أي: تشرَّبوا الإيمان في قلوبهم.
كل هذه تزكيات في كتاب الله لمجتمع الصحابة.
مَن آمن مِن الناس بمِثل ما آمن به الصحابة فقد اهتدى.
ولذلك حذَّر النبي صلى الله عليه وسلم أشدَّ التحذير من التعرُّض لمجتمع الصحابة، فهم أطْهر وأسْمى وأنْقى وأصلح وأسلمُ مجتمع في الدنيا بعد الأنبياء... مجتمع صحابة النبي محمد صلى الله عليه وسلم .
لذلك قال صلى الله عليه وسلم : "لا تَسُبُّوا أصْحابِي، لا تَسُبُّوا أصْحابِي، فَوالذي نَفْسِي بيَدِهِ لو أنَّ أحَدَكُمْ أنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا، ما أدْرَكَ مُدَّ أحَدِهِمْ، ولا نَصِيفَهُ"[7].
وقال صلى الله عليه وسلم : "أَصْحَابِي أَمَنَةٌ لِأُمَّتِي، فَإِذَا ذَهَبَ أَصْحَابِي أَتَى أُمَّتي ما يُوعَدُونَ"[8].
فذهاب الصحابة وذهاب هَدْي الصحابة هو إيذان بمجيء الفتن.
فعصر الصحابة هو أعظم عصور هذه الأمة؛ لذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق على صحته: "خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي"[9].
فقرن الصحابة هو أفضل قرن في تاريخ هذه الأمة في كل فضيلة وكل علم وعمل وقصد.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله : "وكلُّ مَن له لسانَ صدق مِن مشهورٍ بعلمٍ أو دينٍ معترفٌ بأنَّ خير هذه الأمة هم الصحابة"[10].
وقال الإمام أحمد: "أصولُ السُّنَّةِ عندنا: التمسُّك بما كان عليه أصحابُ رَسولِ الله صلى الله عليه وسلم ، والاقتداءُ بهم"[11].
ومذهب الإمام مالك يقوم على ترجيح عمل أهل المدينة؛ لأنهم أقربُ الناس لتطبيق القرآن والسُّنة.
فهذا قدْر الصحابة الذي لا بد أن يُنزلهم إياه كل مسلم.
قال النبي صلى الله عليه وسلم : "فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتي وَسُنَّةِ الخُلَفاءِ الرَّاشِدينَ المَهْدِيِّينَ، عَضُّوا عليها بالنَّواجِذِ"[12].
فما اجتهد فيه الخلفاء الراشدون من الصحابة كان حُجَّةً بشهادة رسول الله صلى الله عليه وسلم .
ويكفيك قولُ النبي صلى الله عليه وسلم : "تفترقُ أُمَّتي على ثلاثٍ وسبعينَ ملَّةً، كلُّهم في النَّارِ إلَّا ملَّةً واحِدةً، قالوا: مَن هيَ يا رسولَ اللَّهِ؟ قالَ: ما أَنا علَيهِ وأَصْحابي"[13].
فالفرقة الناجية هي ما كان عليه عقيدة الصحابة، وفهم الصحابة، وفقه الصحابة.
فالواجب علينا أن نُحب صحابةَ رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ لثناء الله عليهم، ولإيمانهم به، ولتصديقهم بنبيه، ونصرتهم له، ولما نفعنا الله به من جهادهم في سبيل نصرة هذا الدين ووصوله إلينا.
فنحن نحبهم، ونتبع هَديهم، وندافع عنهم، ولا نقبل بموجة الهجوم عليهم، ونُعرِّف الناسَ حقَّهم.
قال عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه: "إنَّ اللهَ نظَرَ في قلوبِ العِبادِ؛ فوجَدَ قلبَ محمَّدٍ صلى الله عليه وسلم خيرَ قلوبِ العِبادِ، فاصطَفاه لنفْسِهِ، فابْتعَثَه برِسالتِه، ثُمَّ نظَرَ في قلوبِ العِبادِ بعدَ قلبِ محمَّدٍ؛ فوجَدَ قلوبَ أصحابِه خيرَ قلوبِ العِبادِ، فجعَلَهم وُزَراءَ نبيِّه، يُقاتِلونَ على دينِه، فما رَأى المُسلمونَ حَسنًا؛ فهو عندَ اللهِ حَسنٌ، وما رأَوا سيِّئًا؛ فهو عندَ اللهِ سيِّئٌ"[14].
وقال ابنُ عبَّاسٍ ﭭ في مناظرته الشهيرة للخوارج: "أتيتُكُمْ من عند أصحابِ النبيِّ صلَّى الله عليه وعلى آله وسلم المهاجرين والأنصارِ، ومن عندِ ابنِ عمِّ النبيِّ صلَّى الله عليه وعلى آله وسلم وصهرِهِ، وعليهم نزل القرآنُ. فهم أعلمُ بتأويلِهِ منكم"[15].
فالصحابة هم أعلمُ الناس بفقه هذا الدين.
فاتباع الصحابة يقطع مادَّة الابتداع في الدين؛ لأنك تتبع المنهج الأول قبل ظهور الفتن.
ولو نحَّينا فقه الصحابة، ومنهج الصحابة، وفهم الصحابة، لتأول الناس القرآن بإخراجه عن معناه، وعن مراد الشرع.
ولذلك كان الهجوم على الصحابة هو مشروع التنويريين لإفساد دين الناس.
ومن أجل هذا عدَّ العلماءُ الطعنَ في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم علامةَ أهل البدع والنفاق، الذين يريدون إبطال الشريعة بجَرْح رواتها.
عن عبد الله ابن الإمام أحمد قال: "سألت أبي عن الرجل شتم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم . فقال: ما أراه على الإسلام"[16].
وقال الإمام مالك: "من انتقص أحدًا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فليس له في هذا الفيء حقٌّ، قد قسم الله الفيء في ثلاثة أصناف فقال:
لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ: وهذا هو الفيء الأول.
وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ: هذا هو الفيء الثاني.
وَالَّذِينَ جَاءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ: وهذا هو الفيء الثالث"[17].
والفيء الثالث هم أتباع منهج الصحابة.
ولا يوجد فيءٌ رابعٌ.
فمن لم يتبع منهج الصحابة فليس له في هذا الفيء حقٌّ.
والصحابة كلهم عُدولٌ.
قال الإمام النووي: الصحابة كلهم عدول، مَن لابس الفتن وغيرهم بإجماع من يُعتد به[18].
ولا يوجد أحد يطعن في عدالتهم إلا ويَضعف إيمانه وتصديقه بالنصوص بقدر ما يطعن في الصحابة.
قال ابن الصلاح: "إن الأُمَّة مُجمعة على تعديل جميع الصحابة. ومن لابس الفتن منهم: فكذلك؛ بإجماع العلماء الذين يُعتد بهم في الإجماع، إحسانًا للظن بهم، ونظرًا إلى ما تمهَّد لهم من المآثر، وكأن الله سبحانه وتعالى أتاح الإجماع على ذلك؛ لكونهم نقلةَ الشريعةِ"[19].
وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "واللَّهِ لا تزالونَ بخَيرٍ ما دامَ فيكُم مَن رأى مَن رآني، وصاحبَ مَن صاحَبَني"[20].
اللهم ارزقنا حبَّهم ونُصرتهم آمين.