ج: القاعدة الأولى: العدم لا يفعل شيئًا:
العدم لا يصنع شيئًا وهذه بديهة عقلية، فلا بد لكل فعلٍ من فاعل.
وإذا نظرت إلى هذا العالم وعرفت أنَّ له بداية، وعلمت أنَّ الكائنات الحية كذلك لها بداية، فهذا يجعلك توقن بأنَّه لا بد لهذا العالم ولهذه الكائنات من صانعٍ مُوجِدٍ... وليس أنَّ العدم هو الذي أوجد العالم أو أوجد هذه الكائنات الحية، فالعدم كما قلنا ليس بشيءٍ ولا يصنع شيئًا.
إذنْ: بما أن العالم كلَّه بكل ما فيه من مادة وقوانين ونجوم وكواكب له بداية، فهذا دليل على أنَّ له خالقًا خلقه.
القاعدة الثانية التي نستدلُّ بها على وجود الله وهي أنَّ: الموجودات تدلُّ على بعض صفات مَن أوجدها:
فإذا رأيت شيئًا متقنًا فسوف تقطع بأنَّ صانعه قد أتقن صُنعه، وستقطع بالعقل أنَّ صانع هذا الشيء عنده قدرة على إيجاده وتصميمه وضبطه.
وهكذا يمكننا أن نعرف بعض صفات الخالق سبحانه من النظر في خلقه.
انظر للسماء والأرض والنبات والشجر والجبال وانظر للدواب من حولك، عالم مدهش من المخلوقات العجيبة.
انظر لداخل جسدك، وانظر لضبط الوظائف الدقيق في جسمك.
سأعطيك مثالًا واحدًا على الصنع المبهر والضبط الدقيق والأمثلة في هذا لا حصر لها:
هرمون النمو الذي يساعدك على النمو، هذا الهرمون تركيزه في الدم: 5 نانو جراماتٍ.
لو ازدادت نسبة هذا الهرمون بمقدار يُقاس بأجزاء من المائة مليون من الجرام -يعني أن الجرام مقسم إلى مائة مليون جزء- لو ازداد هذا الهرمون بأجزاء من المائة مليون من الجرام، فإنَّ هذا يؤدي إلى مرض العملقة -تضخم جسم الإنسان بصورة مخيفة- ولو قلَّت بأجزاء من المائة مليون من الجرام، فإنَّ هذا يؤدي إلى مرض التقزُّم -صغر حجم الجسم والأعضاء.
هذا التغيُّر المدهش بسبب تغير بأجزاء بسيطة جدًّا من هذا الهرمون.
فانظر لجسدك الذي خلقه الله في أحسن تقويم، بهذا الضبط المدهش لهذا الهرمون ولغيره من الهرمونات والوظائف التي لا تُحصى.
فنحن مُحاطون بالرعاية الإلهية في كل جزءٍ من أجسادنا، وما الجوائز التي يحصل عليها العلماء إلا لاكتشافهم بعض أوجه هذه الرعاية في العالم.
القاعدة الثالثة والتي نستدلُّ بها على وجود الله هي: فاقد الشيء لا يعطيه:
الأوثان والطبيعة لا تملك القدرة على الخلق، ولا على الإيجاد، ولا على الضبط، ولا على الإتقان.
فالأوثان التي يعبدها الكفار، والطبيعة التي يؤمن بها الملحد كلاهما مفتقرٌ لخالقه.
فلا تملك الأوثان ولا الطبيعة من أمرهما شيئًا، وليس لديهما القدرة على ضبط الهرمونات بداخلك بهذا المقدار المدهش، ولا لديهما القدرة على وضع الشفرة الوراثية، والتي هي ملايين المعلومات داخل البذرة، ولا لديهما القدرة على إيجاد أي شيء، ولا حتى على إيجاد أنفسهما.
فخالق هذا العالم بهذه العجائب هو خالق عظيم عليم قدير حكيم.
والآن سنعطي بعض الأمثلة البسيطة على دقيق الصنع الإلهي، والعلم الإلهي، والقدرة الإلهية، والحكمة الإلهية، لنعرف كيف أنَّ المخلوقات خلقها الله وحده، وليست الطبيعة أو الأحجار أو الأوثان:
وأنت في بطن أمك لا تستخدم رئتيك في التنفس أبدًا، فأنت يأتيك الأوكسجين الذي تحتاجه مع دم الأم، ومع ذلك ومع عدم حاجتك للرئة إلا أنَّ الله خلق رئتيك وأنت في بطن أمك؛ لأنك بمجرد خروجك من بطنها ستستخدم رئتيك فورًا، وإلا فبدون رئتيك لن تعيش لحظةً واحدةً بعد الولادة
وكذلك خلق الله عينيك في بطن أمك، وأنت لا تحتاجهما أصلًا إلا بعد الولادة.
فالله؛ لأنه عليم بما ستحتاج إليه بعد خروجك من بطن أمك قدَّر لك الأعضاء التي تريدها بقدْرِها.
وبعد نزولك من بطن أمك بلحظات يبدأ لبن الأم في الخروج لتغذيتك، وأُمك لا تعرف شيئًا عن المضادات الحيوية التي تكون في لبنها في أول أربعة أيام، والتي تُطهر مجاري جسمِك كلِّها، ولا تعرف شيئًا عن مراحل إنتاج اللبن، ومستويات تركيز اللبن بحسب عمر الرضيع، فكل هذا خلَقه الله اللطيف الودود الكريم بمقدار.
وأودع الله في أبويك غريزة حبِّك والتضحية بالمال والصحة والوقت من أجلك، وهم في كل هذا راضون تمام الرضا.
فنِعَمُ الله عليك لا تحصى في كل وقت.
فهل الأوثان أو الطبيعة تستطيع أن تفعل من ذلك شيئًا؟
ثم تخيَّلْ! لو كانت الشمس من الفحم؟
هذه الشمس العظيمة، تخيَّلْ لو أنها كانت من الفحم، هل تعرف كم سيكون عمرها؟ ثلاثمائة عام فقط، وتنتهي وبالتالي تنتهي الحياة على الأرض.
فالله خلق كل شيء بمقدارٍ سبحانه.
تخيل! لو أنَّ الإنسان بلا عظام؟
سيصبح كومة لحم لا حركة فيها.
فآيات الله في خلقه لا تنتهي، ولا يُحصيها أحد.
فالنظر في هذه النِّعم مع استحضار أسماء الله الحسنى يزيدك إيمانًا ومعرفةً بالله.
فالله هو الرزاق العليم الحكيم الخبير الكريم اللطيف المنان ذو الجلال والإكرام الحي القيوم.
فانظرْ في نِعم الله وتأمَّلْ وسبِّحْ بحمده... وقل: سبحان ربي وبحمده.