ج: هناك إشكالية تواجه الملحدين وهي: كيف صبَر النبي صلى الله عليه وسلم على دعوته، ورفضَ الإغراءات المتكررة من كفار قريش، وتحمَّل أذاهم طيلة ثلاثة عشر عامًا؟
ثم الإشكال الأكبر وهو: ثبات النبي صلى الله عليه وسلم على الصدق طيلة عمره، وإخلاصه ويقينه التام بالحق الذي يحمله.
فلم يُنقل عنه أنَّه كذب ولو لمرة واحدة في حياته على تعدُّد مواقفه، والمشاكل التي واجهها.
فأي إنسانٍ يبحث ببعض الإنصاف في سيرته صلى الله عليه وسلم لن يجد أمامه إلا شخصًا على يقينٍ تامٍّ من رسالته.
فإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم مُدَّعيًا كما يزعم الملاحدة، فهذا يعني أنه يكذب طوال الوقت، والشخص الكذوب له صفات معلومة في الطب النفسي، فهو: شخص جبان، وليس له مبدأ، ويسهل إغراؤه، ولا يلبث أن يفتضح كذبه مع الوقت.
لكن حال النبي صلى الله عليه وسلم وسيرته وعدم مهادنته للباطل، وثباته على الحق حتى تُوفي، وعدم ثبوت كذبة واحدة عليه طيلة عمره، كلها أمور على النقيض تمامًا من طبيعة ذاك الشخص الكذوب الذي يكذب طوال الوقت.
من أجل ذلك، وأمام هذا الإشكال ادَّعى الملاحدة لتفسير نبوة النبي محمد صلى الله عليه وسلم وتفسير شجاعته وصدقه وأمانته أنَّ: نبوته هي مجرد نوبات من صرع الفص الصُّدغي.
فهو بالفعل كان صادقًا أمينًا قويًّا شجاعًا، ولكن النبوة التي يدّعيها ما هي إلا تخيُّل منه بسبب صرع الفص الصُّدغي -وحاشاه صلى الله عليه وسلم .
وهذه الدعوى أنا أعتبرها آخر رهانات الملحدين، فإذا سقطت هذا الدعوى سقط الإلحاد، وثبتت نبوة النبي محمد صلى الله عليه وسلم .
وأنا سأناقش هذه الدعوى في البداية من الناحية الطبية.
وأقول: لا يوجد ملحد يتزعم دعوى إصابة النبي صلى الله عليه وسلم بصرع الفص الصُّدغي، ولا يُروّج لها إلا إذا كان غير متخصص في الطب النفسي وجاهلًا تمام الجهل بسيرة النبي صلى الله عليه وسلم .
فمَن نظر في أعراض نوبة صرع الفص الصُّدغي جيدًا، ثم نظر في سيرته صلى الله عليه وسلم ، لَعَلِمَ بجلاءٍ تامٍّ أنَّ هذه دعوى كاذبة كذبًا فاحشًا.
فصرع الفص الصُّدغي Temporal Lobe Epilepsy على نوعين: بسيط Simple ومُعقَّد Complex.
ويفترض الملاحدة من مُروّجي هذه الشبهة أن النبي صلى الله عليه وسلم يحصل له النوعانِ البسيط والمعقد.
والصرع الصُّدغي في المجمل تحصل معه عدة أعراض قبل النوبة مباشرةً في كل مرة تأتي فيها النوبة، ومن هذه الأعراض:
1- تشوُّش في الذهن.
2- خلل في الوعي.
3- فِقدان الذاكرة.
4- غثيان واضطرابات بالأمعاء.
5- قد تحصل بعض الهلوسات الخفيفة كـ: كبر أو صغر أحجام الأشياء.

إذنْ من أهم سمات صرع الفص الصُّدغي كما في صورة المرجع الطبي بالأعلى هي: تأثُّر الذاكرة.
لماذا؟
تتأثَّر الذاكرة في مرض صرع الفص الصُّدغي؛ لأن هذه المَنطقة مِنْطقة الفص الصُّدغي هي المسؤولة عن معالجة الذاكرة.
ولذلك عند مَن تتكرَّر لديهم نوبات صرع الفص الصُّدغي، فإن ذاكرتهم تضعف تمامًا.
فصرع الفص الصُّدغي يؤدي لتعطل الذاكرة.
بل وقد يؤدي لفقدانها.

وفي أثناء نوبة صرع الفص الصُّدغي المعقد يحصل فِقدانٌ تامٌّ للوعي، وتحصل اضطرابات حركية وتشنجات، والتي هي السمة الأساسية والجوهرية في الصرع.
إذن تحصل: تشنُّجات شديدة للعضلات، وقد يحصل سيلان للعاب خارج الفم.
ويكون هناك دوران بالرأس بطريقة غير واعية.

وتستمرُّ هذه النوبة من 30 ثانية إلى دقيقتين.
وإذا استمرَّت النوبة لأكثر من دقيقتين، فهذا يعني أنَّ المريض يُعاني من مشكلة صحية خطيرة، ويحتاج للعناية فورًا.
وبعد أن تنتهي نوبة الصرع يدخل المريض في مرحلة ما بعد النوبة.
وفي هذه المرحلة يُعاني المريض من صعوبة شديدة في الكلام، ويحصل اضطراب في الذاكرة.
إذن الملاحَظ مما سبق أنَّ: تشوُّش الذاكرة مستمرٌّ معنا مِن قبل الدخول في النوبة إلى ما بعد النوبة.
وقد لا يعرف المريض أنَّه مرَّ بالنوبة أصلًا.
وتشتدُّ الآلام في البطن، وفي الغالب يدخل المريض خلال دقائق بعد النوبة في مرحلة النوم العميق.

هذه كانت أهم سمات صرع الفص الصُّدغي الطبية.
فهل كان النبي صلى الله عليه وسلم يمُرُّ بأي مرحلة من هذه المراحل؟
هل كان صلى الله عليه وسلم تتشوَّش ذاكرته، أو تضطرب أمعاؤه، أو يمُرُّ بمرحلة تشنجات؟
هل كان يفقد وعيه؟
لم يُنقل عنه صلى الله عليه وسلم شيء من ذلك.
بل كان يأتيه الوحي وهو على دابَّته فيرتفع عنه، ثم يبلغ الناس رسالة ربه.
ومن المعلوم أن مريض الصرع لو كان على دابة، فإنه يسقط على رأسه أثناء النوبة.
وكان صلى الله عليه وسلم يأتيه الوحي وهو على المنبر، فيبلغ الناس رسالة ربه.
أما عن ذاكرته صلى الله عليه وسلم فبعد أن يأتيه الوحي -والذي يتخيل الملاحدة أنَّها نوبة صرع صُدغي- فهل كان يحصل في ذاكرته صلى الله عليه وسلم تشوش بعد نزول الوحي عليه؟
نترك الإجابة للنبي صلى الله عليه وسلم نفسه: حين سُئل النبي صلى الله عليه وسلم عن كيف يأتيه الوحي، قال: أحْيانًا يَأْتِينِي مِثْلَ صَلْصَلَةِ الْجَرَسِ، وَهُوَ أَشَدُّهُ عَلَيَّ، فَيُفْصَمُ عَنِّي وَقَدْ وَعَيْتُ عَنْهُ مَا قَالَ، وَأَحْيَانًا يَتَمَثَّلُ لِيَ الْمَلَكُ رَجُلًا فيُكَلِّمُنِي فَأَعِي مَا يَقُولُ[1].
فَيُفْصَمُ عَنِّي وَقَدْ وَعَيْتُ عَنْهُ مَا قَالَ!
فَأَعِي مَا يَقُولُ!
إذن هذا على العكس تمامًا من طبيعة صرع الفص الصُّدغي.
فصرع الفص الصُّدغي من أهم سماته ألَّا يعيَ المريض ما حدث.
بل قد لا يعي أنَّ النوبة جاءته أصلًا.
بل وتكرار نوبات صرع الفص الصُّدغي يؤدي لتلف الذاكرة تمامًا، ويؤدي بالخصوص إلى عدم الاحتفاظ بالمعلومات الجديدة.

تخيَّلْ هذه الصورة التي فيها عدم الاحتفاظ بالمعلومة الجديدة، وبين صورة خبر الوحي الذي كان يأتي النبي صلى الله عليه وسلم كل بضعة ساعات، فيُفصم عنه وقد وعى صلى الله عليه وسلم كل الوحي، ويجيب المستفتي، أو يحل مشكلة، أو يتنبأ بمعجزة أو يتلو آياتٍ على كتبة الوحي.
وقد يأتيه الوحي ببعض آياتٍ، بل وبالسورة الكاملة فيقول لصحابته بعد أن يُفصم عنه الوحي: ضعوا هذه الآيات بين آيات كذا وآيات كذا في سورة كذا، ثم تظلُّ هذه الآيات بترتيبها محفورة في ذاكرته صلى الله عليه وسلم طيلة عمره.
تدبَّرْ حال صاحب الرسالة، وانظر في سيرته.
ثم: أين التشنُّجات لجسده الشريف صلى الله عليه وسلم ، والتي هي إحدى السمات الأساسية لنوبات الصرع؟
الصحابة نقلوا كلَّ تفاصيل حياته صلى الله عليه وسلم بدقيقها وجليلها، ولم ينقلوا ولو لمرة واحدةٍ أنَّه تشنَّج أو اهتزَّ جسده الشريف صلى الله عليه وسلم .
ثم إنَّ الصحابة كانوا يعرفون الصرع، والنبي صلى الله عليه وسلم كان يعالج الصَّرعى.
مثال على ذلك حين ذكر عطاءٌ تلميذُ ابن عباس، أنَّ ابنَ عباسٍ قال له: ألَا أُريك امرأةً من أهلِ الجنةِ؟ قلتُ: بلى. قال: هذه المرأةُ السوداءُ أتتِ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قالت: إني أُصْرَعُ وإني أتكشَّفُ، فادعُ اللهَ لي. قال: إن شئتِ صبرتِ ولكِ الجنةُ، وإن شئتِ دعوتُ اللهَ أن يُعافيكِ. قالت: أصبرُ. قالت: فإني أتكشَّفُ، فادعُ اللهَ ألَّا أتكشَّفُ، فدعا لها[2].
وبعد هذه الدعوة لهذه المرأة كان يأتيها الصرع ولا تتكشَّف[3].
فالصحابة كانوا يعرفون الصرع، ويعرفون تشخيص حالات الصرع، ولم يَخْفَ عليهم حالُ النبي صلى الله عليه وسلم ، فكيف يأتي جاهل بعد 1400 عام ليتَّهمه بما يتهمه به؟
لكن هنا قد يسأل سائل: ماذا عن صوت صلصلة الجرس الذي كان يسمعه النبي صلى الله عليه وسلم حين يأتيه الوحي؟
والجواب: كان الصحابة يسمعون الصوت نفسه.
قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : "كانَ إذا نَزَلَ عليهِ الوحْيُ سُمِعَ عندَ وجهِهِ كدَوِيِّ النَّحلِ"[4].
فالصحابة كان يسمعون عند وجهه صلى الله عليه وسلم نفس هذا الصوت وقت نزول الوحي، فهل كان الصحابة يُعانون جميعًا من صرع فص صُدغي في الوقت نفسه؟
ثم هل كان ما يأتيه صلى الله عليه وسلم لحظة نزول الوحي هي تشنُّجات وشدٌّ عضليٌّ واضطراب أمعاء وفقدان ذاكرة؟
أم كانت حالة سكون واحترام لوحي الله سبحانه؟
في صحيح مسلم من حديث عُبادة بن الصامت: "كان النبيُّ صلى الله عليه وسلم إذا نزل عليهِ الوحيُ نكسَ رأسَهُ، ونكسَ أصحابُه رؤوسَهم. فلما أُتْلِيَ عنهُ، رفع رأسَه[5].
فهل هناك عَلاقة والحالة هذه مع نوبات صرع الفص الصُّدغي؟
أيضًا كان يصدر عن النبي صلى الله عليه وسلم صوت الغطيط، وهذا من آثار ثِقل الوحي.
فالوحي ثقيل، وهو مِن أعظم الذِّكر، والنبي صلى الله عليه وسلم كان إذا ذَكَرَ الله يصدر عنه أزيز كأزيز المِرْجَل[6].
ومِن ثِقل الوحي أنَّ الدابة تكاد تسقط عندما ينزل الوحي عليه صلى الله عليه وسلم وهو عليها.
تقول أُمُّ المؤمنين عائشة رضي الله عنها : "إنْ كان لَيُوحى إلى رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم وهو على راحلَتِهِ، فتَضرِبُ بجِرانِها"[7].
وفي حديث زيد بن ثابت الصحيح أنَّه: خاف من ثِقل الوحي أن تنكسر فخذه حتى سُرِّيَ عن النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال: اكتُبْ، وأملاه الوحي[8].
فمن تدبَّر في حال صاحب الرسالة صلى الله عليه وسلم لحظة نزول الوحي والله لانتهت شبهاته.
لقد كان صلى الله عليه وسلم يأتيه الوحي وهو في كامل وعيه، لكنه منشغلٌ عن غيره بالوحي، فهو في خشوعٍ تامٍّ؛ ليستقبل ما يُتلى عليه، ثم يُفصم عنه وقد وعى وحي ربه!
ثم إن المصاب بصرع الفص الصُّدغي يتكلَّم بكلام غير مفهوم، ويصرُخُ فيما يُسمَّى بـ "صرخة الصرع"، فكيف بمن أُوتي جوامع الكلم؟
كيف بمَن كان يأتي الوحي بأجوبة لأسئلة محددة، وكل جواب فيه إعجاز؟
ثم إن المصاب بالصرع يرتجف ويهتزُّ ويسقط ويرتعش ويذهل ويفقد ذاكرته، بينما هو صلى الله عليه وسلم يأتيه الوحي وهو على الناقة، أو وهو على المنبر، أو وهو في ساحة المعركة، أو وهو بين صحابته، ويحصل عكس ما يحصل للمصروع تمامًا.
وإضافة إلى ما سبق: إنَّ الصرع بطبيعته يأتي في أي وقت ودون سبب، وقد يأتي للمريض وهو نائم، وقد يأتيه في دورة المياه، وقد يأتيه في أي حال، بينما الوحي كان يأتي النبي صلى الله عليه وسلم منذ أن بعثه الله بصورة منتظمة؛ لإجابة سؤال وفتيا، ولتنزُّل خبر من السماء، ولتنزُّل آياتٍ من الذِّكر الحكيم، وما كان يأتي هكذا في أي وقت، بل ما كان يدخل الوحي بيت النبوة لو كان في البيت نجاسات أو صورة أو كلب.
أيضًا لو نظرنا للحياة العقلية لمرضى الصرع، فإنَّ القدرات العقلية يحصل فيها تدهور مع الوقت.
فصرع الفص الصُّدغي يُدمِّر القدرات العقلية مع الوقت.
فهو يؤثر على كل جوانب القدرات العقلية والمعرفية والاجتماعية والعملية والسلوكية، بل وتضعف جدًّا القدرات القيادية والحياة الاجتماعية الطبيعية.

فكيف بمَن هذا حاله مع الصرع مِن تدهور القدرات القيادية والعقلية، ثم يُقارَن بأفضل مُربٍّ، وأفضل قائدٍ، وأعظم أبٍ، وأعظم زوج صلى الله عليه وسلم ؟
لكن هل مريض صرع الفص الصُّدغي من الممكن أن يكون عبقريًّا أو مفكرًا أو يصير أكثر تديُّنًا؟
والجواب: يروجُ هذا الكلام بين بعض الناس وهو مجرد افتراضات، فلا توجد أدلَّة أو براهين على هذا الأمر.

بل وفي دراسة نشرتها الجمعية النفسية البريطانية The British Psychological Society تقرر الدراسة أنَّ فكرة ارتباط صرع الفص الصُّدغي بحالات تديُّن زائدة ثبت أنها مُغالطة علمية غير صحيحة، ومن يقول هذا الكلام يقع في مغالطة انتقاء الكرز.
فما يحصل هو التركيز في الدراسات على أي شخص متدين، ويعاني في الوقت نفسه من صرع فص صُدغي، ويتمُّ الربط خطأً بين حالته المرضية وبين تديُّنه الزائد، وبالتالي توهَّم الناس أنَّ هناك عَلاقة بين صرع الفص الصُّدغي والتدين الزائد عند بعض الناس، لكن في الواقع لا توجد هذه العَلاقة.
فهذا فقط نوعٌ من الربط غير الصحيح.
فكما أنَّ هناك نسبةً من التديُّن والثقافة والفكر والإبداع بين الناس الطبيعيين، توجد النسبة نفسها بالقدر ذاته بين المصابين بصرع الفص الصُّدغي.

وفي كل الأحوال، فمع الوقت ومع تكرار نوبات صرع الفص الصُّدغي يحصل تدهور للقدرات العقلية للمريض.
ومن الأمور التي أتوقف عندها كثيرًا في هذه الشبهة أنَّ مريض صرع الفص الصُّدغي لو طالت عنده النوبة لأكثَرَ من دقيقتينِ فهذا يعني مشكلة طبية خطيرة، ويكون المريض محتاجًا للعناية المركَّزة.
فكيف يُفسِّر الملحد مجيء جبريل عليه السلام للنبي صلى الله عليه وسلم ، ثم يتلو عليه الآيات الطوال، وقد يتلو السورة الكاملة التي تحتاج إلى الساعتَينِ والثلاث ساعات في تلاوتها؟
فكيف يدخل النبي صلى الله عليه وسلم في نوبة تستمرُّ ساعتينِ وثلاثة على حد تصوُّر الملاحدة؟
هذا لا يُعقل طبيًّا!
هذا محالٌ طبيًّا.
ومن المعلوم بإجماع المسلمين أن كل حرف من القرآن أخذه النبي صلى الله عليه وسلم عن جبريل نطقًا ولفظًا وتلاوةً بطريقة تدوير الحرف بكل أوجه القراءات الصحيحة، كل هذا حصل لكل حرفٍ في القرآن، وكان جبريل يأتي النبي صلى الله عليه وسلم بالسور الطوال والسور القصار.
وبعض السور الطوال كانت تنزل كاملةً، فيقرأها جبريل على النبي صلى الله عليه وسلم .
وكثير من سور القرآن نزلت كاملة مثل: سورة الكهف، وسورة التوبة، وسورة الأعراف، وسورة الفتح، وسورة المرسلات، وغيرها من السور[9].
إذنْ كان الوحي يأتي النبي صلى الله عليه وسلم في كثير من الأحيان الساعات الطوال، وهذا محالٌ في مرضى الصرع بلا خلاف.
وكان الوحي يَلْقى النبي صلى الله عليه وسلم في كل ليلة من رمضان فيُدارسه القرآن[10].
فكان جبريل يُعارضه صلى الله عليه وسلم بجزء من القرآن كلَّ ليلة من رمضان.
وفي آخر رمضان له صلى الله عليه وسلم في الدنيا عارضه القرآن مرتينِ[11].
وهذه تُسمَّى العرضة الأخيرة عند علماء القراءات، وهي: العرضة التي عارضه فيها جبريل القرآن مرتينِ بحضور كبار الصحابة مثل: عبد الله بن مسعود، وزيد بن ثابت.
فكيف يأتيه الوحي الساعات الطوال؟
هل توجد نوبة صرع صُدغي تستمرُّ لساعات أو حتى لدقائق؟
هذا محالٌ.
لنا أن نسأل كلَّ ملحد: كيف يُصوَّر وقار الوحي، وسكون الوحي، ووعْي النبي صلى الله عليه وسلم التام لتنزُّل الآيات، كيف يُصوَّر كل هذا على أنَّه حالة صرع فص صُدغي، بما في الصرع الصُّدغي من فِقدان للذاكرة، وما يعقبه من صراخ المريض، وسقوطه على الأرض، وسيلان لُعابه، واهتزاز جسده في تشنجات تتصلَّب فيها العضلات، وما يصحب ذلك من تبول وتغوط لاإرادي، وما يعقب كل ذلك من خور في القوى، واستغراق في النوم، يصحو منه المريض خالي الذهن من تذكُّر ما حدث له.
هل هذا له عَلاقة من قريب أو بعيد بحال الوحي؟
الأعجب من كل ما سبق في الردِّ على هذه الشبهة هو أنَّ عندنا حديثًا على أعلى درجات الصحة رواه عددٌ كبيرٌ من الصحابة، وأورده البخاري ومسلم في صحيحيهما من طُرُق مختلفة حتى أن المحدِّث يقول: "هذا حديث مُجمَع على صحته".
في هذا الحديث أتي جبريل للنبي صلى الله عليه وسلم في صورة رجل؛ ليُعلِّم الصحابة الإسلام والشريعة.
فما تفسير هذه المعجزة من وجهة نظر مُروّجي شبهة صرع الفص الصُّدغي؟
والله هذا الحديث كافٍ كلَّ مُنصِف!
فالحديث باتفاق العلماء على أعلى درجات الصحة.
والحديث مرويٌّ عن عدد كبير من الصحابة.
فهل حين رأى الصحابة جبريل عليه السلام كانوا يعانون جميعًا من صرع فص صُدغي في الوقت نفسه؟
ورؤية الصحابة لجبريل عليه السلام تكَّررت في عشرات المواقف.
ورآه الصحابة بعد غزوة الأحزاب كما فصَّلنا من قبل.
ورأته أُمُّ سلمة وهو يُحدِّث النبي صلى الله عليه وسلم [13].
فهل كانت رضي الله عنها تُعاني من صرع فص صُدغي في الوقت نفسه مع النبي صلى الله عليه وسلم ؟
ولو نظرنا في مُجمل سيرته صلى الله عليه وسلم ، والمعجزات التي أتى بها، وتلك الأخبار التي أنبأ بها فوقعت كما أنبأ، مثل نعْي النجاشي في اليوم الذي مات فيه، وإخباره بمقتل كسرى في اليوم الذي قُتل فيه، وإخباره بأن عمر وعليًّا وعثمان وطلحة والزبير لن يموتوا على فُرُشهم كما يموت الناس، وإنما سيموتون شهداء، وإخباره بأن أُمَّ حرام ستكون من شهداء البحر، وما لا حصر له من الأخبار، والتي منها المتواتر الذي نقله جمع كبير من الصحابة، لو نظرنا في كل هذا نظرةً متجردةً للحق، لعلمْنا بصورة قاطعة أننا أمام نبي.
وحين أرسل حاطبَ بن أبي بلتعة إلى المشركين في مكة يخبرهم ببعض أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فجاء خبر السماء برسالة حاطب، فقال صلى الله عليه وسلم لبعض صحابته: انطلقوا لمكان كذا -حدَّده لهم صلى الله عليه وسلم - ستجدون امرأةً في هودجٍ ذاهبةً لمكة تُخفي رسالة من حاطب، ائتوني بهذه الرسالة، فذهبوا ووجدوا كما أخبر صلى الله عليه وسلم .
قال النبي صلى الله عليه وسلم : "انْطَلِقُوا حتَّى تَأْتُوا رَوْضَةَ خَاخٍ، فإنَّ بهَا ظَعِينَةً (امرأة)، ومعهَا كِتَابٌ فَخُذُوهُ منها، فَانْطَلَقْنَا تَعَادَى بنَا خَيْلُنَا حتَّى انْتَهَيْنَا إلى الرَّوْضَةِ، فَإِذَا نَحْنُ بالظَّعِينَةِ"[14].
مَن أعلمه صلى الله عليه وسلم بأمر الرسالة، وبمَن كتبها، وبالمكان المحدَّد الذي تكون قد وصلت فيه المرأة في طريقها لمكة لحظة وصول الصحابة إليها؟
وفي حديثٍ متفقٍ على صحته، قال أنس بن مالك: بَيْنَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَخْطُبُ عَلَى الْمِنْبَرِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، قَامَ أَعْرَابِيٌّ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، هَلَكَ الْمَالُ، وَجَاعَ الْعِيَالُ، فَادْعُ اللهَ لَنَا أَنْ يَسْقِيَنَا. فَرَفَعَ يَدَيْهِ وما نَرَى في السَّمَاءِ قَزَعَةً، فَوَالَّذِي نَفْسِي بيَدِهِ، ما وضَعَهَا حتَّى ثَارَ السَّحَابُ أمْثَالَ الجِبَالِ، ثُمَّ لَمْ يَنْزِلْ عن مِنْبَرِهِ حتَّى رَأَيْتُ المَطَرَ يَتَحَادَرُ علَى لِحْيَتِهِ صلى الله عليه وسلم ، فَمُطِرْنَا يَومَنَا ذلكَ، ومِنَ الغَدِ وبَعْدَ الغَدِ، والذي يَلِيهِ، حتَّى الجُمُعَةِ الأُخْرَى"[15].
فكيف يُجاب دعاؤه في الحال إلا إذا كان مؤيدًا من عند الله؟
وذات يوم جلس عُميرُ بنُ وهبٍ الجُمحيُّ وصفوانُ بنُ أُمية بعد غزوة بدر، فقال عُميرُ بنُ وهبٍ: واللهِ لولا دَينٌ عليَّ ليس عِندي قضاؤُه، وعيالي لركِبتُ إِلى مُحمدٍ حتى أقتُلَه، فاغتَنَمَها صفوانُ، فقال: عليَّ دينُك، وعيالُك مع عيالي.
قال عُميرٌ: اكتُم عني شأني وشأنَك. قال: أفعلُ، ثُم أمَرَ عُميرٌ بِسيفِهِ فشُحِذَ وسُمَّ ثُم انطلق إِلى المدينةِ.
فدخل عمير على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال عمير: جِئتُ لِهذا الأسيرِ الذي في أيديكُمْ.
فقال صلى الله عليه وسلم : "فما بالُ السيفِ في عُنُقِك؟
قال: قبَّحَها اللهُ مِن سُيوفٍ، فهل أغْنَتْ عنا شيئًا؟
قال: اصدُقني، ما الذي جِئت له؟
قال: ما جِئتُ إِلا لِهذا.
قال صلى الله عليه وسلم : "بلى، قعدتَ أنت وصفوانُ بنُ أُمية في الحِجرِ، فقُلتَ: لولا دَينٌ عليَّ وعيالي لخرجتُ حتى أقتُلَ مُحمدًا. فتحَمَّلَ صفوانُ لك بِدَينِك وعيالِك على أن تقتُلَني، واللهُ حائِلٌ بينك وبين ذلِك".
قال عُميرٌ: أشهدُ أنَّك رسولُ اللهِ، هذا أمرٌ لم يحضُرْهُ إِلا أنا وصفوانُ[16].
فما عَلاقة كل هذه المعجزات والتأييد الإلهي بما يفتريه الملاحدة بحق صاحب الرسالة صلى الله عليه وسلم ؟
وانظُرْ لهذه الحادثة وتدبَّرْها بنفسك، لو كان محمد صلى الله عليه وسلم يتصوَّر أنه نبيٌّ، ويحاول توفيق الأحداث لمصلحة دعوته، فلماذا إذنْ لم يستغلَّ حادثة كسوف الشمس يوم مات ابنه إبراهيم ليقول: إنَّ هذه علامة من الله لموت ابني؟
لقد تحدَّث الناس يوم مات إبراهيم وانكسفت الشمس، أنَّ الشمس انكسفت لموته، لو صدَّقهم النبي صلى الله عليه وسلم فيما يقولون، ما كان لأحد من الكفار أن ينكر عليه ذلك، بل لربما تأثَّر بعضهم.
لكنه صلى الله عليه وسلم قالها صريحة مدويَّة: إنَّ كسوف الشمس ظاهرة طبيعية لا عَلاقة لها بموت أحدٍ ولا بحياته.
والحديث في البخاري ومسلم وفيه: "انْكَسَفَتِ الشَّمْسُ يَومَ مَاتَ إبْرَاهِيمُ، فَقالَ النَّاسُ: انْكَسَفَتْ لِمَوْتِ إبْرَاهِيمَ، فَقالَ رَسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم : إنَّ الشَّمْسَ والقَمَرَ آيَتَانِ مِن آيَاتِ اللَّهِ، لا يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أحَدٍ ولَا لِحَيَاتِهِ"[17].
ثم ماذا عن أعظم آيةٍ وهي القرآن الكريم؟
التي تحدَّى الله به أهل البيان، أن يأتوا بمثله أو بسورةٍ منه، فما فعلوا.
فما فعلوا، ولا قدروا.
ولم يزل القرآن الكريم يتحدَّى بُلغاء المشركين، وأهل الفصاحة، وهم في كل هذا ناكصون عن معارضته، محجمون عن مماثلته.
فكل هذه أدلَّة على سخافة تصوير الوحي الذي كان يأتي النبي صلى الله عليه وسلم بكل آياته تلك على أنه حالة صرع فص صُدغي.