الرئيسية شبهات وأفكار منحرفة الردُّ على أشهر شبهات الملحدين
السؤال 62

لماذا قُتل يهود بني قريظة؟

ج: حتى نفهم طبيعة غزوة بني قريظة، ففي البداية اجتمعت الأحزاب في غزوة الخندق شمال المدينة المنورة لدخول المدينة، واستئصال شأفة الإسلام والمسلمين، وكان هذا ربما أكبر تحدٍّ يواجه الأمة الإسلامية عبر تاريخها، فلم يكن يفصل جيوش الأحزاب عن دخول المدينة إلا عبور الخندق الذي حفره المسلمون، فهي فقط أيام قليلة وينتهي الأمر.

وكان في الناحية الجنوبية من المدينة المنورة يهود بني قريظة، وكان بينهم وبين النبي صلى الله عليه وسلم عهدٌ؛ ولذلك كانت نساء الصحابة وأطفالهم في الناحية الجنوبية، ناحية يهود بني قريظة؛ لأنها أكثر المناطق أمنًا.

وتمضي الأيام ويشتدُّ الحصار على المدينة، وإذا بحُيي بن أخطب أبو السيدة صفية رضي الله عنها يذهب ليهود بني قريظة ويقنعهم بنقض العهد.

فهذه أعظم فرصة، ما أن ينقض يهود بني قريظة العهد حتى تلتفَّ جيوش الأحزاب من الناحية الجنوبية ويدخلوا المدينة، وقُضي الأمر.

وإذا بالغدرة الكبرى تحصُلُ، فقد وافق يهود بني قريظة بالفعل على نقض العهد، وفتحوا جبهتهم الجنوبية تمامًا لجيوش الأحزاب، بل واستعدُّوا هم بأنفسهم للهجوم على المدينة.

وفي هذا نزل قول الله عز وجل : {إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَ * هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا} [الأحزاب: 10- 11].

(إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ} : جيوش الأحزاب.

(وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ}: يهود بني قريظة.

الآيات من سورة الأحزاب، ولاحظ سورة كاملة سُميت باسم هذه الغزوة "غزوة الأحزاب".

بلغ خبرُ نقض العهد لرسول الله صلى الله عليه وسلم فأرسل زيد بن حارثة في ثلاثمِائة جندي لحراسة نساء المسلمين وذراريهم، وأرسل سعد بن عُبادة وسعد بن معاذ؛ للتأكد من خبر نقض العهد فوجدا اليهود في أخبث حال ينتظرون الهجوم على المدينة.

وفي هذه اللحظة بحسابات الدنيا انتهى الموضوع عمليًّا.

وهنا دعا النبي صلى الله عليه وسلم ربه قائلًا: "اللَّهُمَّ مُنْزِلَ الكِتَابِ، سَرِيعَ الحِسَابِ، اهْزِمِ الأحْزَابَ، اهْزِمْهُمْ وزَلْزِلْهُمْ"[1].

يقول موسى بن عقبة بعد أن علم النبي صلى الله عليه وسلم بغدر يهود بني قريظة: "فاضطجع النبي صلى الله عليه وسلم ومكث طويلًا فاشتدَّ على الناس البلاء والخوف حين رأوْهُ اضطجع، ثم إنه رفع رأسه فقال: "الله أكبر، أبشِروا يا معشر المسلمين بفتح الله ونصره"[2].

لقد رأى النبي صلى الله عليه وسلم جبريل عليه السلام وبشَّره بالنصر.

وهنا تحصل المعجزة العظيمة:

إذ تهُبُّ ريح شديدة تدمر جيشَ الأحزاب، وتقتلع قلوبَهم، ومع أنه لم يكن يفصل بين جيش الأحزاب وبين المسلمين إلا عرض الخندق، إلا أن الريح تقوم على المشركين، ومن شدة الريح يهربون في الصحراء، ولا يلوون على شيء.

إنها آية من آيات نصر الله بها جنده، لقد اقتلعت الريحُ الخيامَ، وقلبت القدور، وهربت الخيل من أمامها، وألقى الله الرعب في قلوب المشركين حتى أنهم لم يفكروا في العودة مرةً أخرى.

وفي هذه المعجزة العظيمة نزل قول ربِنا سبحانه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا} [الأحزاب: 9].

ما هذا الرعب الذي وقع في قلوب المشركين؟

ما الذي جعلهم لا يعودون للاجتماع مرةً أخرى للحصار ولو بعدها بأيام؟

هذا من أسرار التأييد الإلهي للأنبياء والصالحين.

وكم من معجزةٍ أخرى غير معجزة الريح حصلت أثناء هذه الغزوة!

منها مثلًا: معجزة تكثير الطعام اليسير، فطعام يكفي لشخصينِ أو ثلاثة يدعو فيه النبي صلى الله عليه وسلم ربَّه بالبركة فيُطْعَم منه ألف جندي، ويبقى الطعام كما هو.

والحديث في ذكر هذه المعجزة في أعلى درجات الصحة رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما.

قال جابر رضي الله عنه : "لَمَّا حُفِرَ الخَنْدَقُ رَأَيْتُ برَسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم خَمَصًا، فَانْكَفَأْتُ إلى امْرَأَتِي، فَقُلتُ لَهَا: هلْ عِنْدَكِ شيءٌ؟ فإنِّي رَأَيْتُ برَسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم خَمَصًا شَدِيدًا، فأخْرَجَتْ لي جِرَابًا فيه صَاعٌ مِن شَعِيرٍ، وَلَنَا بُهَيْمَةٌ دَاجِنٌ، قالَ: فَذَبَحْتُهَا وَطَحَنَتْ، فَفَرَغَتْ إلى فَرَاغِي، فَقَطَّعْتُهَا في بُرْمَتِهَا، ثُمَّ وَلَّيْتُ إلى رَسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم ، فَقالَتْ: لا تَفْضَحْنِي برَسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَمَن معهُ، قالَ: فَجِئْتُهُ فَسَارَرْتُهُ، فَقُلتُ: يا رَسولَ اللهِ، إنَّا قدْ ذَبَحْنَا بُهَيْمَةً لَنَا، وَطَحَنَتْ صَاعًا مِن شَعِيرٍ كانَ عِنْدَنَا، فَتَعَالَ أَنْتَ في نَفَرٍ معكَ، فَصَاحَ رَسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم ، وَقالَ: يا أَهْلَ الخَنْدَقِ، إنَّ جَابِرًا قدْ صَنَعَ لَكُمْ سُورًا فَحَيَّ هَلًا بكُمْ، وَقالَ رَسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم : لا تُنْزِلُنَّ بُرْمَتَكُمْ، وَلَا تَخْبِزُنَّ عَجِينَتَكُمْ حتَّى أَجِيءَ، فَجِئْتُ وَجَاءَ رَسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقْدَمُ النَّاسَ حتَّى جِئْتُ امْرَأَتِي، فَقالَتْ: بكَ وَبِكَ، فَقُلتُ: قدْ فَعَلْتُ الذي قُلْتِ لِي، فأخْرَجْتُ له عَجِينَتَنَا فَبَصَقَ فِيهَا وَبَارَكَ، ثُمَّ عَمَدَ إلى بُرْمَتِنَا فَبَصَقَ فِيهَا وَبَارَكَ، ثُمَّ قالَ: ادْعِي خَابِزَةً فَلْتَخْبِزْ معكِ، وَاقْدَحِي مِن بُرْمَتِكُمْ وَلَا تُنْزِلُوهَا وَهُمْ أَلْفٌ، فَأُقْسِمُ باللَّهِ لأَكَلُوا حتَّى تَرَكُوهُ وَانْحَرَفُوا، وإنَّ بُرْمَتَنَا لَتَغِطُّ كما هي، وإنَّ عَجِينَتَنَا، أَوْ كما قالَ الضَّحَّاكُ: لَتُخْبَزُ كما هُوَ"[3].

ومن الآيات التي جرت أيضًا في هذه الغزوة العظيمة:

أنَّه بعد قيام الريح التي شرَّدت جيش المشركين رأى المسلمون جبريل عليه السلام بأم أعينهم، ورأته عائشة رضي الله عنها وقالت للنبي صلى الله عليه وسلم : "مَنْ ذَلِكَ الرَّجُلُ الَّذِي كُنْتَ تُكَلِّمُهُ؟ قَالَ: وَرَأَيْتِيهِ؟ قُلْتُ: نَعَمْ قَالَ: بِمَنْ تُشَبِّهِينَهُ؟ قُلْتُ: بِدِحْيَةَ بْنِ خَلِيفَةَ الْكَلْبِيِّ، قال: ذاك جبريل، أمرني أن أمضي إلى بني قريظة[4].

وجبريل في هذه الغزوة رآه غير واحد من الصحابة.

وهنا للإنسان أن يتساءل: كيف يتجاهل الملحدُ كلَّ هذه الآيات والمعجزات، وتشغله فقط شبهة: كيف عاقب النبي صلى الله عليه وسلم يهود بني قريظة؟

فإما أن تصدق أيها الملحد بالشبهة وبالمعجزات، وإما أن تتجاهل الجميع، أما أن تركز فقط على الشبهة، وتتجاهل المعجزات فهذا أمر لا يستوي.

فنحن أمام انتقائية غريبة تبين أنَّ طارح الشبهة ليس باحثًا عن الحق، وإنما يريد فقط الشبهة، ويتجاهل الآيات على صحة الرسالة.

فسبحان الله تجد في النص نفسه هدايةً لأُناس وضلالًا لآخرين: {يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ} [البقرة: 26].

بعد انتهاء غزوة الأحزاب، وهروب جيوش الأحزاب، فَرِح المسلمون بنصر الله.

لكن كان هناك يهود بني قريظة الذين نقضوا العهد، ولهذا أمر الله نبيَّه بمعاقبتهم لخيانتهم.

فعقوبة يهود بني قريظة أمرٌ لا ينكره عاقلٌ.

وقد حكم فيهم سعد بن معاذ رضي الله عنه بأنْ تُقْتَلَ المُقَاتِلَةُ، وأَنْ تُسْبَى الذُّرِّيَّةُ، والحديث في البخاري.

لمَّا نَزَلَتْ بَنُو قُرَيْظَةَ علَى حُكْمِ سَعْدٍ هُوَ ابنُ مُعَاذٍ، بَعَثَ رَسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وكانَ قَرِيبًا منه، فَجَاءَ علَى حِمَارٍ، فَلَمَّا دَنَا قالَ رَسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم : قُومُوا إلى سَيِّدِكُمْ فَجَاءَ، فَجَلَسَ إلى رَسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ، فَقالَ له: إنَّ هَؤُلَاءِ نَزَلُوا علَى حُكْمِكَ، قالَ: فإنِّي أحْكُمُ أنْ تُقْتَلَ المُقَاتِلَةُ، وأَنْ تُسْبَى الذُّرِّيَّةُ، قالَ: لقَدْ حَكَمْتَ فيهم بحُكْمِ المَلِكِ[5].

لكن قد يستشكل بعض الملحدين لقلَّة علمهم بالإسلام أنَّ العقوبة شملت جميع يهود بني قريظة.

وهذا من الخطأ بمكان، فالحكم نزل فقط في: الغادر المتحيّز الراضي الذي توفَّرت له القدرة الجسدية والعقلية، أما الأحمق والأخرق والضعيف وكل مَن ثبت أنَّه أنكر على بني قريظة خيانتهم فلم يُنفَّذ فيه الحُكم.

ومثال على ذلك: عمرو بن سُعْدى القُرَظيُّ، وهو من يهود بني قريظة، فهل طُبق فيه الحُكم؟

لا، لم يطبق؛ لأنه أنكر عليهم خيانتهم.

أيضًا مَن كان عنده الغدر والانحياز والميل لحرب المسلمين لكن لا يملك القدرة الجسدية على ذلك كـ: النساء لم يُقتل.

فلا بد من توفُّر المناطات الأربعة مجتمعين: الغدر، والتحيُّز، والقدرة العقلية والجسدية.

وبعد الحُكم على الذين خانوا العهد، فإن كل مَن أَمَّنه أحد المسلمين لم يعاقَب، وهذا ما حصل مع الزبير بن باطا القُرظي، حين شفع له ثابتُ بن قيس رضي الله عنه ، ومثل رفاعةَ بن سموأل القرظي حين شفعت له سلمى بنت قيس رضي الله عنها .

إذن لا بد من توفُّر المناطات الأربعة، وقبل العقوبة من أمَّنه أحد المسلمين لم يعاقَب.

وهناك باب آخر للنجاة من العقوبة، وهو أن يُسلموا وقد أسلم بعضُهم بالفعل فلم يُقتل.

إذن الذين وقعت عليهم العقوبة هُمْ أفاعي الغدر والخيانة من بني قريظة الذين خانوا العهد، واستعدُّوا لحرب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وبعد أن نصر الله نبيَّه رفضوا أن يُسلموا، وتكبَّر بعضهم أن يدخل تحت أمان المسلمين، وهذا ما حصل مع الزبير بن باطا الذي طلب ثابتُ بن قيس رضي الله عنه أن يؤمّنه، فأمنَّه رسول الله صلي الله عليه وسلم، لكن اختار الزبير بن باطا الموتَ على أن يدخل في أمان مسلمٍ.

فهؤلاء أفاعي الخيانة الغارقين في الخصومة والمكابرة من المقاتِلة، وهم الذين قُتلوا جرَّاء خيانتهم.

إذن بنو قريظة لم يُقتل منهم إلا مَن رضي بالخيانة، وكان عاقلًا بالغًا.

أما المرأة والصبي فلم يقتلا؛ لأن الأُولى ليس لديها القدرة الجسدية وإن رضيتْ بالخيانة، والثاني: وهو الصبي ليس لديه القدرة العقلية للتمييز.

وقد نزل القرآن في خيانة يهود بني قريظة، وكيف أنهم أعانوا جيش الأحزاب، فقال الله تعالى: {وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا} [الأحزاب: 26].

المراجع

  1. 1 صحيح البخاري، ح:6392.
  2. 2 رواه البيهقي في دلائل النبوة، م3 ص403.
  3. 3 متفق عليه... صحيح البخاري، ح:4102... ومسلم، ح:2039.
  4. 4 السلسلة الصحيحة، م3 ص105.
  5. 5 صحيح البخاري، ح:3043.
التالي → 63 - هل يوجد في الإسلام حدٌّ للردة؟ ← السابق 61 - هل يوجد جهاد طلب في الإسلام؟