ج: النسخ في الأصل هو: تبديل الله عز وجل لحكُمٍ شرعيٍّ بحُكمٍ آخَرَ، وهذا مما أجمع عليه المسلمون والنصارى واليهود، فهذا أمرٌ بديهيٌّ لتغيُّر أحوال الناس، وتبدُّل أمورهم.
فلما استسلما لأمر الله نسخ اللهُ الحُكمَ: "وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ".
والحِكمة من هذا الأمر بذبح إسماعيل ثم نسخِهِ معلومةٌ وهي: تمحيص قلب إبراهيم عليه السلام ، وبيان مقدار امتثاله للأمر الإلهي.
أيضًا أنزل الله عز وجل الشرائع اليهودية والمسيحية ثم نسخها بالإسلام، فهذا نسخٌ!
فالذي نُسِخَ هو الشرائع السابقة، حيث نُسخت بالإسلام[1].
وفي آخر الشرائع جاء الإسلام وهو أتمُّ الشرائع بناءً، وأكثرها تفصيلًا، وأيسرها تطبيقًا، وفيه فُصلت أحكام كل شيء.
فقضية النسخ قضية معلومة بالبداهة والعقل والواقع، وعليها إجماع الشرائع السماوية.
وحين أتى الإسلام تدرَّجت الأحكام، ولم تأتِ جُملة واحدة، فتأتي الأحكام الشرعية تبعًا لحالة المُكلفين وقدرتهم.
ففي بدء الإسلام كانت الخمر حلالًا، ثم حدث نسخ للحُكم وصارت حرامًا، وهكذا تدرَّجت الأحكام حتى تمَّت الشريعة، وكَمُلَ نزول الرسالة.
تشرح عائشة رضي الله عنها تدرُّج الأحكام، وحِكمة هذا التدرج، فتقول والحديث في البخاري: "إنما نَزَلَ أوَّل ما نزَلَ منه سورةٌ مِن المُفَصَّلِ، فيها ذكرُ الجنةِ والنارِ، حتى إذا ثابَ الناسُ إلى الإسلامِ نزَلَ الحلالُ والحرامُ، ولو نزَلَ أوَّل شيءٍ: لا تشربوا الخمرَ، لَقالوا: لا نَدَعُ الخمرَ أبدًا، ولو نَزَلَ: لا تَزْنُوا، لقالوا: لا نَدَعُ الزنا أبدًا"[2].
فالنسخ أمرٌ بديهيٌّ، والتدرُّج في الأمر والنهي حِكَمُهُ لا تخفى.
ونأتي هنا إلى النقطة المحورية: هل توجد في كتاب الله آيةٌ واحدةٌ نُسِخَ حُكمُها تمامًا؟
والجواب: هذه الصورة من النسخ التام لا وجود لها في كتاب الله، فكتابُ الله كله مُحكَم، والآيات التي ذُكِرَ فيها أنها منسوخة إنما تُثبت حُكمًا شرعيًّا على المُكلفين في حالات مُعينة، والآيات التي قيل إنها ناسخة تُثبت حُكمًا شرعيًّا آخر، في حالاتٍ أخرى.
فما من آية قيل إنها منسوخة، إلا ولها حُكم شرعي في حالات معينة عند أئمة العلم بالشريعة.
وسنذكر على هذا مثالًا لمزيد إيضاح:
هذه الآية نُسخت بآيات المواريث وبحديث: "لا وصيَّةَ لوارثٍ"، لكن هذا لا يعني أن هذه الآية نُسخت نسخًا تامًّا، فالناس لا يستغنون في وصاياهُمْ عن الوصية للأقربين في حدود الثلث، والوصية للوالدين من غير المسلمين.
فالشاهد أن الآيات التي قيل: إنها منسوخة، هي آيات لها أحكامُها.
وهذه الآيات التي قيل: إنها منسوخة عددُها قليلٌ، قال الإمام السيوطي رحمه الله : "وهذا الضرب هو الذي فيه الكتب المؤلَّفة، وهو على الحقيقة قليل جدًّا، وإنْ أكثَرَ الناس من تعداد الآيات فيه، فإن المحققين كالقاضي أبي بكر ابن العربي بيَّن ذلك وأتقَنه"[3].
قال الشيخ محمد عبد العظيم الزرقانيُّ رحمه الله : إنها تسعُ آيات.
وهذه الآيات التسع ستجد فيها الأحكام الشرعية، فلا توجد آية منسوخة نسخًا تامًّا في كتاب الله.
قال الإمام الشوكاني رحمه الله في إرشاد الفحول: "كثير من أئمة الحنابلة والأحناف أثبتوا أنَّه ما من آية يُقال أنها منسوخة، إلا ولها عمل في مواطن، كما أن الآيات الناسخة لها عمل في مواطن أخرى"[4].
ولكون القرآن يخاطب جميع البشر في كل الأحوال إلى يوم القيامة، فآياته تدلُّ على أحكام شرعية تتناسب مع كل الأحوال المُختلفة، فهو يُحقق الشمول والمرونة التي تستلزمها خاتمية الرسالة المحمدية.