الرئيسية شبهات وأفكار منحرفة الردُّ على أشهر شبهات الملحدين
السؤال 61

هل يوجد جهاد طلب في الإسلام؟

ج: نعم يوجد جهاد طلب في الإسلام.

لكن الملحد يطرح هذا الموضوع بصورة مشوَّهة من أخطر ما يكون.

فهو أولًا يصور أخطاء فئات متطرفة على أنها تطبيق لجهاد الطلب في الإسلام.

وكأن الإنسان إذا أراد أن يطبق دينه حقًّا فلا بد أن يكون متطرفًا، وهذا الطرح خطير فهو إعادة صناعة للتطرُّف، حيث يحاول الملحد إقناع المسلمين بأحد أمرين: إما أن يرتدوا، وإما أن يصبحوا متطرفين حتى يطبقوا دينهم.

فالملحد بهذا مشارك فعليٌّ في صناعة التطرُّف في العصر الحديث!

فهو يقدم طرحًا يشجع على التطرُّف والانخراط في الأعمال الإرهابية.

واللعبة الثانية التي يلعبها الملحد أنَّه: يتاجر بدماء ضحايا العمليات المتطرفة؛ لتحقيق مكاسب إلحادية أيديولوجية.

وهذا شيء في منتهى اللانزاهة.

وبعض الملحدين يقولون إنَّ: كل آيات الموادعة والسلم هي آيات مكيَّة، بينما في المرحلة المدنية لا توجد مثل هذه الآيات.

وهذا من قلة علمهم بالإسلام فهل آية: {وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} [الأنفال: 61]، هل هذه آية مكيَّة؟

وكذلك آية: (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ} [البقرة: 256].

وآية: {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ * وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ * فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [البقرة: 190- 192].
وآية: {وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [المائدة: 13].
وآية: {إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا} [النساء: 90].
وآية: {لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} [الممتحنة: 8].

هل هذه الآيات مكيَّة؟

فهذه كلها آيات مدنيَّةٌ، وكلها تدعو للسلم والصفح وتجنُّب الاعتداء.

لكن كيف ظهر الفكر المتطرف؟

والجواب: الفكر المتطرف يُسمَّى في الاصطلاح الإسلامي بفكر الخوارج، والخوارج هي فرقة ضالَّة قديمة نشأت نتيجة: الجهل بالإسلام وتأويل النصوص الشرعية وَفْق أي هوًى.

فالجهل الشديد بالإسلام يُولِّد فكر الخوارج، ويولد الإلحاد.

ولذلك عندما ذهب ابنُ عباس ﭭ للخوارج وأجرى معهم مناظرته الشهيرة قال لهم في مطلع المناظرة: "أتيتُكم من عند أصحابِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم ، أتيتكم من عند: المهاجرينَ والأنصارِ، وعليهم نزل القرآنُ؛ فهم أعلَمُ بتأويلِهِ منكم"[1].

فابن عباس ﭭ أخبر الخوارج أنَّ ما هم فيه هو نتيجة: الجهل بالنص الشرعي.

لكن ألمْ يهجم الصحابة الأوائل على القوافل التِجارية، وهو ما أدَّى إلى غزوة بدر في مرحلة تالية؟

والجواب: حصول الصحابة على قافلة قريش وهذا لم يحدث، كانت غايتُهُ استردادَ بعض أموال المسلمين التي تركوها في مكة.

ولذلك خرج الصحابة فقط إلى قوافل قريش ولم يخرجوا إلى ما عداها؛ لأنَّ أموالهم كانت فيها، وقريش كانت بلدًا محاربةً وأهلها كانوا كفارًا محاربين، وأموال الصحابة كانت في قوافلهم؛ فلذلك خرجوا؛ ليستردوا شيئًا من أموالهم.

بينما كانت هناك خمسمائة قبيلة عربية تُسير رحلات إلى الشام كل عامٍ، وهذا يعني أنَّ هناك ألف قافلة تمرُّ بطريق المدينة المنورة سنويًّا ذهابًا وإيابًا، فهل خرج الصحابة على أي قافلة من هذه القوافل؟

هل خرجوا على قافلة خلا قوافل قريش؟

قوافل قريش كانت لا تمثل جزءًا من أموالِ المهاجرين وحقوقِهم ومواشِيهم التي اغتصبت منهم.

{الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ} [الحج: 40].

فهم أخرجوا من أموالهم وديارهم وأهليهم وكل شيء.

وأهل قريش كانوا يعلمون أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم من حقه أن يحرص على استرداد هذه الأموال، فهذا حقٌّ يقضي به أي تشريع؛ لذلك قال صفوان بن أميَّة لقومه: إن محمدًا وأصحابه قد عوّروا علينا متجرنا.

أي: أنهم واقفون في طريق تجارتنا للشام، فلو ذهبنا للشام سيكونون في طريقنا.

فهم يعلمون أنَّ للنبي صلى الله عليه وسلم عندهم حقًّا.

لكن لماذا لم يقبل المسلمون بالرسوم المسيئة للنبي صلى الله عليه وسلم في فرنسا، أليس هذا تطرُّف؟

والجواب: إذا سُبَّ الأنبياء، أو سُخر من الدين، أو تمَّ نشر الإلحاد، أو الرسوم المسيئة للنبي صلى الله عليه وسلم ولم يهتمَّ المسلمون بذلك ولم تتمعَّرْ وجوههم غضبًا، فإنه سيقلُّ اعتزازُهم بدينِهم مع الوقت، وسيصبح الدين رخيصًا في قلوبهم، وبالتالي سيضيع دينُهم، وتضيع آخرتُهم.

لذلك فالذي يسخر من النبي صلى الله عليه وسلم هذه ليست مجرد سخريةٍ، بل هذا تهديدٌ وجوديٌّ لعقيدة المسلم، فالذين يسخرون من النبي صلى الله عليه وسلم هم بهذا يطلبون من المسلم أن يقبل بالسخرية من دينه والتشكيك فيه، وبالتالي سيقبل المسلم في مرحلة تالية الكفر به، أو على الأقل التطبيع مع الملحدين.

وهذه أمور غير مقبولة إطلاقًا في الإسلام.

فالذي يريد أن يُضعِف اعتزاز المسلم بدينه هو من أشد الناس إجرامًا؛ لأنه يريد أن يُضيع على المسلم آخرته، وأن يفسد دينه.

فهذه فتنة للناس في دينهم، والفتنة في الدين أشد من القتل: {وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ} [البقرة:191].

فالفتنة للمسلم في دينه أشدُّ عليه من قتله.

فإسلاميًّا وفطريًّا بالفطرة التي فطر الله الناس عليها، فإنَّ تضييع الآخرة هو أخطر جريمة على الإطلاق.

فهذا تهديد لمستقبل الإنسان الأبدي.

لذلك من الطبيعي أن يتمعَّرَ وجه المسلم لأية إساءة لنبيه صلى الله عليه وسلم .

لكن لماذا قتل المسلمون أبا رافعٍ وكعبَ بن الأشرف؟

والجواب: أبو رافع بنُ أبي الحُقيق كان يعيش في حصن من حصون خيبر، ثم ترك هذا الحصن، وذهب إلى قريش لجمع الأحزاب في غزوة الخندق.

وكان أحدَ المسؤولين عن غزوة الخندق.

وذهب إلى غطفانَ، وأرسل لهم الأموال؛ ليشاركوا في الهجوم على المدينة المنورة.

فهو رأسٌ من رؤوس محاربة المسلمين.

والأمر نفسه مع كعب بن الأشرف، فكعبُ بنُ الأشرف ركِب إلى قريش بعد غزوة بدر، وجعل يُنشد الأشعار التي يَبْكي فيها على أصحاب القليب من قتلى المشركين -قليب بدر- فأثار المشركين على المسلمين مرةً أخرى، وزكَّى الحقد، وأشعل نار الحرب مجددًا...

فهل يُترك مَن يؤلّب الناس على قتل المسلمين... في أيِّ تشريعٍ هذا؟

فالمحرّض على القتل قد يكون أشدَّ إجرامًا من القاتل.

لكن لماذا يَقتل المسلمون الأسرى؟

والجواب: هذا خطأ شديد.

قال الله عز وجل : {وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا} [الإنسان: 8].

فالمسلم يُفضّل الأسير على نفسه في الطعام.

وبالتالي فالقتل للأسير يكون في مقابل ضررٍ يجلبه الأسير، كأنْ يقتل مسلمًا قبل أن يُؤسَر، أو كأنْ يكون متهَمًا بخيانةٍ أو إشعال فتنة أو ما شابه وهكذا...

لكن السؤال الجوهري: لماذا هناك جهاد طلب في الإسلام من الأساس؟

والجواب: مفهوم الجهاد هو مفهوم بديهيٌّ عند مَن يريد نشر الحق الذي معه.

والقتال في الجهاد في الإسلام ليس في مقابل الكفر.

فالقتال في الجهاد؛ سواءً كان جهادَ دفعٍ، أو جهادَ طلبٍ لا يكون في مقابل الكفر، وإنما في مقابل المحاربة.

فغاية الجهاد الإسلامي إيصالُ رسالة الإسلام إلى الناس، وأن تصلهم رسالة الإسلام، ويروه بصورته الصحيحة مُطبقًا.

فإذا وصل الإسلام للناس ورأوا مناراته، هنا ينتهي الموضوع، فمن شاء آمَنَ، ومن شاء بقي على كفره، ولا إكراه في الدين.

فالمهم أن تصل رسالة الإسلام للناس، وبعد ذلك مَن أراد أن يُسلِم فبها ونعمتْ، ومن أراد البقاء على كفره فلن يجبره أحد على الإسلام.

وجهاد الطلب في الإسلام يكون في إحدى حالتينِ: إما رفع ظلم عن فئة مضطهدة: {وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَل لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا} [النساء: 75].

وهذه هي الحالة الأولى لجهاد الطلب: نُصرة فئة مقهورة مستضعفة تُفتَن عن دينها.

والحالة الثانية التي يُشرع فيها جهاد الطلب في الإسلام هي: قتال مَن يُقاتلوننا؛ ليمنعوا وصول رسالة الإسلام.

إذنْ فغاية جهاد الطلب:

1- رفعُ ظُلمٍ.

2- إيصالُ رسالة الإسلام ودلائل هدايته للناس.

ولا يُقاتَل حين ننشر رسالة الإسلام إلا مَن يقاتِلُنا.

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله : "القتال لمن يقاتلنا إذا أردْنا إظهار دين الله"[2].

وحين ذكر شيخ الإسلام هذا الكلام استدلَّ بهذه الآية: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ} [البقرة: 193].
فالآية فيها أن غاية جهاد الطلب أن يكون الدين كله لله: (وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ} ، لكن لا يكون القتال إلا لمن يقاتلنا إذا أردنا إظهار دين الله: {فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ} .

والذي يُقاتلني ليمنعني من إيصال رسالة الإسلام هو مجرمٌ في حق أُمة كاملة من الناس، فربما يبحث بعض أفراد هذه الأمة عن الحق، فهو يريد إبقاءهم على الضلال والكفر.

والإسلام ليس فكرة أو تصورًا يُراد له الانتشار، بل هو أهمُّ كلمة في الكون، وليس من طريق للنجاةِ في الكون غيره، ولا طريق لإشباع الجوع المعرفي إلا به، ولم يبقَ على توحيد الله على وجه الأرض إلا في هذا الدين، بينما بقية الديانات بلا استثناء لها من الشرك نصيبٌ، قلَّ أو كثُر.

لذلك قال الله تعالى: {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [آل عمران: 85].

فعندما تصل رسالة التوحيد الفطري للناس، ويرى الناس منارات هذا الدين، فهذا فيه مظنَّة هدايتهم.

ولو لم يسلموا تمتَّعوا بعدل الإسلام، وعدم ظلم المسلمين لهم، ويكون لهم تطبيق شعائرهم، ويصير اسمهم المعاهَدون.

ولا يستطيع مسلم أن يتعرَّض لأحدهم بأذى، قال النبي صلى الله عليه وسلم : "ألَا مَن ظلَم مُعاهَدًا أو انتقَصه أو كلَّفه فوق طاقتِهِ أو أخَذ منه شيئًا بغَيرِ طِيبِ نَفْسٍ، فأنا حَجيجُهُ يومَ القِيامةِ"[3].

وقال صلى الله عليه وسلم : "من قتل مُعاهَدًا لم يَرَحْ رائحةَ الجنَّةِ، وإنَّ ريحَها توجدُ من مسيرةِ أربعين عامًا"[4].

فقتل الكافر المعاهَد هذا كبيرة من كبائر الذنوب في الإسلام.

فالإسلام رحمة للعالمين.

ورحمة في فتوحاته.

ورحمة في تشريعاته.

وكان النبي صلى الله عليه وسلم أرحمَ الناس بالناس، وأكثرهم رأفةً، وعندما قال بعض الأنصار يوم الفتح: اليوم يوم الملحمة، قال صلى الله عليه وآله وسلم: "اليوم يوم المرحمة"[5].

ولما جاء الطُّفَيلُ بنُ عمرٍو إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم فقال: "إن دَوسًا قد هلَكَتْ، عصَتْ وأبَتْ، فادعُ اللهَ عليهِم. فقال النبي صلى الله عليه وسلم : اللهمَّ اهْدِ دَوسًا، وأتِ بهم"[6].

وعندما اخترط أعرابيٌّ السيفَ على النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- وأراد قتله، ثم سقط السيف من يده وأخذه -صلى الله عليه وآله وسلم- لم يقتلْهُ، بل دعاه للهداية، وقال له: أتشهدُ أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، لم يقبل الأعرابي فأطلقه صلى الله عليه وسلم ، يقول جابر ابن عبد الله ﭭ: "نَزَلَ رَسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم تَحْتَ سَمُرَةٍ وعَلَّقَ بهَا سَيْفَهُ، ونِمْنَا نَوْمَةً، فَإِذَا رَسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَدْعُونَا، وإذَا عِنْدَهُ أَعْرَابِيٌّ، فَقالَ: إنَّ هَذَا اخْتَرَطَ عَلَيَّ سَيْفِي، وأَنَا نَائِمٌ، فَاسْتَيْقَظْتُ وَهُوَ في يَدِهِ صَلْتًا، فَقالَ: مَن يَمْنَعُكَ مِنِّي؟ فَقُلتُ: اللَّهُ، -ثَلَاثًا- ولَمْ يُعَاقِبْهُ وجَلَسَ"[7].

فهو صلى الله عليه وسلم رحمة للخلق أجمعين: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} [الأنبياء: 107].

وجهاد الطلب في أصله رحمةٌ وشفقةٌ على الإنسانية، فهو باب إيصال رسالة النجاة رسالة الإسلام للناس.

والمشكلة أن انتقاد الملحد لجهاد الطلب لا يستقيم، فالملحد لا يملك نقطة مرجعية للأخلاق نتحاكم إليها أو ندين من خلالها أيَّ فعل أو عمل، فالإلحاد عند التأصيل ينظر للأخلاق على أنها مجرد وهْم ميتافيزيقي.

بل إنَّ الإلحاد في الواقع هو أكبر مخدّر للقيم.

فاعتقاد الملحد بعدم البعث بعد الموت، هذا يُمثّل أكبر مخدر للقيم، وأكبر مبرر لأية جريمة أيًّا كانت، وأكبر مبرر لإنكار الأخلاق واعتبارها وهمًا.

فلا يمكن أن يفهم الإنسان أن القتل خطأ، إلا لأن بداخله تكليفًا إلهيًّا من خلاله يحاكم أية قضية أخلاقية، أما لو تجاهل الإنسان التكليف الإلهي فلن يستطيع أن يثبت أن القتل خطأ.

وهناك أيضًا غائية أخلاقية لا يمكن أن ينكرها إنسان، وهذه الغائية الأخلاقية المطلقة التي كلنا يشعر بها هي التي من خلالها يفهم الملحد معنى الشبهة، ومعنى الخطأ، ومعنى القيمة.

فهي معيار يحاكِم عليه الإنسان أيَّ فعل أخلاقي.

فلن ينتقد الملحد جهاد الطلب إلا من واقع الإيمان المسبق بوجود قيم مطلقة، والإيمان المسبق بتميُّز الإنسان، والإيمان المسبق بوجود الخير والشر، والإيمان المسبق بأن الإنسان مُكلَّف، وأنه حرٌّ ومسؤول عن قراراته.

وبمعنى أدقَّ: لن ينتقد ملحد جهاد الطلب إلا من واقع اعترافه بخطأ إلحاده.

لذلك نقول: ليس لملحد أن ينتقد جهاد الطلب ابتداءً.

أما لو كان طارح الشبهة مسلمًا أو كتابيًّا، فقد بينَّا رحمة وشفقة وإنسانية جهاد الطلب، على عكس ما يُشيع الإعلام الغربي في هذا الموضوع.

المراجع

  1. 1 سنن النسائي، ح: 7346.
  2. 2 مجموع الفتاوى: 28 / 354.
  3. 3 صحيح سنن أبي داود، ح:3052.
  4. 4 صحيح البخاري، ح:3166.
  5. 5 فتح الباري شرح صحيح البخاري، ح: 4030.
  6. 6 متفق عليه... صحيح البخاري، ح:4392... وصحيح مسلم، ح:2524.
  7. 7 صحيح البخاري، ح: 2910.
التالي → 62 - لماذا قُتل يهود بني قريظة؟ ← السابق 60 - هل كان النبي صلى الله عليه وسلم يطوف على نسائِهِ يجامعهنَّ ك