ج: أولًا: العمل الصالح هذا أمر فُطر عليه الإنسان.
فالإنسان مفطورٌ على فعل الخير.
فالإنسان يسير وَفْق فطرته فيعمل أعمالًا صالحة بمقتضى الفطرة، وهو مكافأٌ على عمله الصالح بحسْب نيته.
فهناك مَن يعمل العمل الصالح يريد الآخرة ويريد وجْه الله.
وهناك مَن يعمل العمل الصالح من أجل الكاميرات ومجد الدنيا.
وعلى كل إنسان أن يذهب لمن يعمل له؛ ليحصل على أجرته منه.
تخيل إنسانًا قام أهلُه بتربيته والإنفاق عليه حتى صار شابًّا قويًّا، ثم ذهب لغيرهم ليخدمهم، هل يحقُّ له أن يعود لأهله ليقول لهم: أعطوني أُجرة خدمتي لغيركم؟
فليذهبْ لمن كان يخدمهم وليحصل على أجرته منهم.
ولله المثل الأعلى.
فالله هو الذي خلقك ورزقك وامتنَّ عليك بكل النعم، ثم تترك عبادته، وتريد أن تأخذ منه أجر عملك؟
كيف هذا؟
فالذين كفروا لا يستحقُّون الثواب على العمل وإن كان صالحًا؛ لأنهم كفارٌ لم يقصدوا بالعمل الصالح أن ينالوا ثواب ربهم، ولا ابتغوا به رضا خالقِهم.
فليست القضية في مجرد العمل الصالح، فنحن جميعًا مفطورون على كثيرٍ من الأعمال الصالحة، وإنما القضية لماذا تعمل هذا العمل الصالح، ولمن تعمله؟
وهل تعمله لمصلحتك الشخصية أو تعمله رياءً أو تعمله لغير الله؟
فكل هذا ليس في سبيل الله، ولا يُرجى منه ثواب العمل الصالح الذي يُرجى من الله.
فشرط قبول العمل الصالح هو أنْ: يُقصد به وجهُ الله، أي: يُقصد به الحصولُ على ثوابه من الله.
أما الشخص الكافر بالله الذي يعبد مع الله آلهةً أخرى، أو يعمل الأعمال الصالحة من أجل الكاميرات وإن كان مسلمًا، فنقول له: اذهبْ لمن أشركتهم مع الله في عملك الصالح، واحصل على أجرك منهم، فأنت لم ترجُ بأعمالك الصالحة وجه الله وحده.
جاءَ رجلٌ إلى النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم ، فقالَ: أرأيتَ رجلًا غزا يلتمسُ الأجرَ والذِّكرَ، ما لَهُ؟ فقالَ رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم : لا شيءَ لَهُ، فأعادَها ثلاثَ مرَّاتٍ، يقولُ لَهُ رسولُ اللَّهِ: لا شيءَ لَهُ، ثمَّ قالَ: إنَّ اللَّهَ لا يقبلُ منَ العملِ إلَّا ما كانَ لَهُ خالصًا، وابتُغيَ بِهِ وجهُهُ[1].
يلتمسُ الأجرَ والذِّكرَ، أي: يلتمس الأجر من الله، والذِّكر بين الناس: بالمديح والشهرة، فهذا عمله مردودٌ.
إذ لا بد من إخلاص العمل لله، وهذا هو العمل الذي يُرجى أجره من الله.
البعض يفعل الأعمال الصالحة اتفاقًا أو عادةً، والبعض يفعل الأعمال الصالحة لمزيد سعادة وتسميع في الدنيا، فهل يستوي هؤلاء عند الله بمَنْ يعمل الأعمال الصالحة انكسارًا لله، ورضًا بعبوديته، واتباعًا لأمره؟
ثانيًا: العبودية لله تُغيِّر مفاهيم العمل الخيري تغييرًا جذريًّا.
فالذين يعملون الأعمال الصالحة من أجل الدنيا، دائمًا تجد أعمالهم تصبُّ في الأخير بطريقٍ أو بآخر لمصالحهم ولمصالح أيديولوجياتهم.
فهذه أعمال يعملونها ليس لها عَلاقة مباشرة بالخير المحْض... الخير الذي ليس من ورائه مصلحة.
بل هي أعمال صالحة لمصالح دنيوية.
فتجد منهم مَن يتبرَّع بالمليارات لخدمة توصيل إنترنت للدول الفقيرة.
ومَن يتبرع بملايين لمشاريع البحث عن حياة خارج الأرض.
ومَن يتبرع بملايين لدعم وسائل تنظيم الأسرة في الدول الفقيرة.
العمل الخيري عندهم: مصالح... سوق... ماركتنج!
بينما العبودية لله تُغير مفهوم العمل الخيري، ومقاصد العمل الخيري.
ولنتخيل صورة أخرى:
رجلٌ طيبٌ أخلاقيًّا... لم يُؤذ إنسانًا ولا حشرة... لم يسرق ولم يقتل... عاش طيبًا أخلاقيًّا إلى أن مات لكنه لم يُسلم!
فهل يدخل النار؟
والجواب تعرفه من هذا المثال: لو أنَّ طالبًا يَدرس في مدرسة، وكان هذا الطالب كريمًا في أخلاقه مع معلميه وزملائه، إلى أن انتهى العام الدراسي لكنه فقط لم يكن يذاكر دروسه... لم يراعِ التكليف الأساسي الذي كُلف به والذي من أجله دخل المدرسة.
فهل له حقُّ الاعتراض في آخر العام إذا رسب؟
هل له أن يقول: كيف أرسب، وأنا لم أُؤذ إنسانًا طوال العام الدراسي؟
الجميع سيضحكون عليه!
لأن معيار نجاحه ليس في أن يكون على خُلُق فحسبُ، وإنما معيار نجاحه الجوهري والأساسي أن يلتزم بالدراسة.
يلتزم بما شرعته المدرسة من واجبات ودروس، ويجتهد وينجح فيما كُلف به.
هذا هو المعيار الأساسي للنجاح.
فإذا عمل ما كُلف به، والتزم بدروس المدرسة، والتزم بالأخلاق فهنيئًا له.
بالقياس نفسه: معيار وجودك في هذا العالم هو التكليف الإلهي، والعبودية لله، والإيمان بملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وليس فقط أن تفعل الأخلاق الحسنة.
فالذي لا يؤمن بالله هو مُعاقَب على كفره بالله... مُعاقَب على رفضه ما كُلف به... مُعاقب على رده على الله وحيه... مُعاقب على هذا بدخول النار، ولو كان من أطيب الناس وأدمثهم خُلقًا.
فدخولُه النار هو عقابٌ على كفره.
والكل يعلم أنه جاء للعبودية لله، حتى ولو كان كافرًا.
والكل مشغول بالله حتى ولو كان ملحدًا.
فالله هو الذي يتكلَّم عنه الملاحدة طوال الوقت.
فالعبودية لله هي شُغل الإنسان الشاغل حتى ولو كفر بالله.
والإنسان دائمًا يفكر في العبودية لله، ويستولي هذا الأمر على كيانه؛ لأنه يعلم أنه جاء من أجله.
فمَن كفر بالله، وعاند فطرته، وردَّ الوحي الإلهي الذي جاء عبر الأنبياء فهو معاقبٌ على كفره.
فالكافر مُعاقَب على كفره بأكبر بديهة في حياته على الإطلاق... بديهة الإيمان بالله، والعبودية له وحده سبحانه.
سألتْ عائشةُ رضي الله عنها النبيَّ صلى الله عليه وسلم فقالت: قُلتُ: يا رَسولَ اللهِ، ابنُ جُدْعانَ كانَ في الجاهِلِيَّةِ يَصِلُ الرَّحِمَ، ويُطْعِمُ المِسْكِينَ، فَهلْ ذاكَ نافِعُهُ؟ قالَ: لا يَنْفَعُهُ، إنَّه لَمْ يَقُلْ يَوْمًا: رَبِّ اغْفِرْ لي خَطِيئَتي يَومَ الدِّينِ[2].