الرئيسية شبهات وأفكار منحرفة الردُّ على أشهر شبهات الملحدين
السؤال 74

يقول بعض الملحدين: دعوت فلم يُستجب لي، فلماذا تتأخَّر إجابة الدعاء؟

ج: في الحديث الذي رواه الشيخان البخاري ومسلم في صحيحيهما عن الثلاثة الذين آواهم المبيت إلى الغار، فانحدرت صخرة من الجبل فسدَّت عليهم الغار.

بدأ كل واحد من هؤلاء الثلاثة يدعو الله عز وجل بخير ما كان يعمل، فلم تنزح الصخرة إلا قليلًا مع كل واحدٍ منهم على قوة إيمانهم، وجميل ما قدَّموا من عملٍ صالحٍ، ومع الدعاء المستمر.

فأوَّلُهم: كان بارًّا بوالديه جدًّا إلى درجة أنَّه ظلَّ واقفًا بإناء اللبن حتى الصباح ليشربا منه.

والثاني: انصرف عن الزنا بعد أن تهيَّأت له أسبابه.

والثالث: حفظ أُجرة العامل الذي كان يعمل عنده... حفظ هذه الأجرة لسنواتٍ، ونمَّاها له حتى أصبحت جبالًا من الكنوز، وأدَّاها للعامل كما هي.

والشاهد من هذا الحديث أنَّ الصخرة لم تنزح إلا قليلًا مع دعوة كلِّ واحدٍ منهم، ومع انتهاء دعاء الثلاثة انزاحت الصخرة فخرجوا يمشون.

فالدعاء يحتاج للأخذ بالأسباب، وقد يحتاج لأعمال إيمانية.

فالأنبياء ومَن بعدهم من السلف الصالح كانوا يدعون الله وهم على ظهور الخيل، وقد أخذوا بالأسباب، وبذلوا جهدهم.

ونوح عليه السلام دعا ربه بعد 950 عامًا من العمل والجد والكد.

فالله عز وجل قال: {ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} [غافر: 60]، لكن قال أيضًا: {وَأَعِدُّوا} [الأنفال:60].

فخُذْ بالأسباب وادْعُ الله عز وجل .

فالدعاء يشمل المسألة والطلب، ويشمل أيضًا الأخذ بالأسباب التي تقتضي حصول المطالب.

لذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم : "الدُّعاءُ هوَ العبادةُ"[1].

وهناك معاصٍ تمنع من إجابة الدعاء مثل: الأكل الحرام.

قال النبي صلى الله عليه وسلم : "مَطْعَمُهُ حَرامٌ، ومَشْرَبُهُ حَرامٌ، ومَلْبَسُهُ حَرامٌ، وغُذِيَ بالحَرامِ، فأنَّى يُسْتَجابُ لذلكَ؟"[2].

فعلى المسلم أن يتحرَّى المال الحلال.

وكذلك على المسلم أن يتأدَّب في الدعاء مع الله عز وجل فيدعوه بتضرُّع، قال الله تعالى: {ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} [الأعراف: 55].
ولذلك فالدعاء باختبار لله كما يفعل الملحد هو اعتداءٌ وليس دعاء، والله لا يحب المعتدين: {إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} .

والمسلم لا يتعجَّل إجابة الدعاء، قال النبي صلى الله عليه وسلم : "يُسْتَجابُ لأحَدِكُمْ ما لَمْ يَعْجَلْ، يقولُ: دَعَوْتُ فَلَمْ يُسْتَجَبْ لِي"[3].

ولما دعا موسى وهارون على فرعون قال الله لهما: {قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا} [يونس:89].

مع أنَّ هلاك فرعون وشيعته حصل بعد هذا الدعاء بزمن.

كذلك دعا إبراهيم ربَّه أن يبعث رسولًا في مكة: {رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ} [البقرة: 129].

وقد بُعث النبي صلى الله عليه وسلم بعد هذا الدعاء بزمن طويل جدًّا.

فنحن ندعو الله عز وجل ، وهو سبحانه يجيب عباده بحكمته وعلمه، متى شاء، وكيف شاء.

فعلينا الدعاء والأخذ بالأسباب والرضا بقضاء الله، وحسن الظن بالله، وهذا حال المسلم.

وتدبَّرْ دائمًا الحِكمة من تقدير الله: وتدبُّر الحكمة هذا رياض الصالحين، وبستان العارفين، فقد يكون البلاء أكبر خير تتخيَّله العقول.

انظر كمثال لحجم التسليم لله، والتسليم لقضاء الله وأقدار الله، وتدبَّر حكمة الله لما رأى الصحابة الأحزاب: {وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا} [الأحزاب: 22].

أتى الأحزاب لقتال الصحابة، ولم يكن إلا خندق ليعبروه.

بميزان الدنيا أيام قليلة، وينتهي كل شيء.

فقال الصحابة: هَـٰذَا مَا وَعَدَنَا اللَّـهُ وَرَسُولُهُ.

موقف من التسليم لله، وتدبُّر لحكمة الله يتوقَّف عنده الزمن.

فماذا كانت النتيجة: {إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا} [الأحزاب: 9].

أنزل الله آيةً عظيمة زلزلت الأحزاب، وجعلتهم يهربون بلا عودة.

لذلك كان هذا المجتمع مجتمع الصحابة أقرب المجتمعات للكمال في تاريخ الإنسانية.

فكن راضيًا دومًا بأقدار الله، ولو كانت على غير ما ترجو، أو عكس ما ترجو.

واعلم أنَّ كل شيء يحصل، إنما يحصل بعلم الله، وإرادة الله، ومشيئة الله، وقدرة الله، وتقدير الله، وحكمة الله: {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ} [الأنعام: 112].
{وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا} [الفرقان: 2].

فكُن مطمئنًّا.

{مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [التغابن:11].

نحن نحتاج أن نتدبَّر هذه الآيات كل يوم.

فكل تقدير الله فيه كمال الخير، وكمال الحكمة، وإنْ كان على غير ما ترجو وتدعو.

انظر لحال الأمة زمن اجتياح التتر المغول لأُمة الإسلام، وانظر لحالها بعد قرنٍ واحدٍ!

فالذي ظنَّه الناس هلاكًا للمسلمين كان أكبر فتح، فمئات الملايين من مُسلمي اليوم من التتر!

يقول ابن الأثير في كتابه الكامل في التاريخ زمن اجتياح المغول: "كيف أكتب نعي الإسلام والمسلمين، يا ليت أمي لم تلدني".

كان ابن الأثير يتخيَّل أن اجتياح التتر نهاية الإسلام والمسلمين.

ولم يكن يعرف أنَّه أمام أكبر فتح في تاريخ الإسلام، وإن بدا أكبر مصيبة، فقد أُعجب التتر بدين الإسلام، ودخل ملوكهم وشعوبهم فيه أفواجًا.

وما تركستان والتركمان والقيرغيز والأوزبك وأذربيجان والقِرم والأتراك إلا من نسل التتر!

فكثير منا يتألَّم لمصاب ثم يكتشف أنَّه أكبر خير.

ونحن في حياتنا القريبة قد نبكى لحادثٍ، ثم نعود فنضحك أو نغتبط بما كسبناه منه بعد فواته.

لذلك نحن ندعو والله يقدر الخير، وقد يكون الخير في غير ما ندعو.

ولذلك شُرعت الاستخارة وفيها نقول: "واقدُرْ ليَ الخيرَ حيث كان، ثم أرضِني به"[4].

ولو أجاب الله دعاءَ كل إنسان بما يهوى لفسدت السماوات والأرض، قال الله عز وجل : {وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ} [المؤمنون: 71].

فهناك من يرجو أن يصير أقوى رجل، وآخر يرجو أن يحوز جبالًا من ذهب، وثالث يرجو أن يهلك كلُّ عدو له، ورابع يرجو أن يكون أنعم أهل الأرض.

فهناك دعوات بها تفسد السماوات والأرض، ويختل بها ناموس السماوات والأرض.

فلله سنن كونية نافذة.

لذلك فأنت فقط تدعو بخيرَيِ الدنيا والآخرة، والله بحكمته يُقدر ما هو خير.

وعلينا أن نعلم أنَّ الله يجيب دعاء المضطر ولو كان كافرًا: {أَمْ مَنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ} [النمل: 62].

وليس أحد على وجه الأرض إلا جرَّب دعاء المضطر!

ولا أنسى تلك الشهور التي قضيتُها في مرضٍ غريبٍ ألمَّ بي، وذهبت لكبار أستاذة الطب، ثم لا أزدادُ إلا حيرة، ولا تزداد الأعراض إلا تضخمًا بكثرة الفحوصات والأجهزة والهولتر.

وأذكر والله أني لجأت في ليلةٍ لربي لجوء المضطر، وإذا بي أنطلق إلى أحد المراجع الطبية لأفتحه، ووالله فتحت المرجع على تشخيص مرضي.

وكان العلاج حبة برشام واحدة، أذهب الله بها عني كلَّ ما أجد.

فمن منَّا لم يُجرِّب دعاء المضطر؟

من منَّا لم يلجأ لربه فينقذه في لحظة انقطاع كل السبل؟

من منَّا ولو كان ملحدًا لم يقل: يا رب، في لحظة ضيق عظيمة، ويُستجاب له بأعجب مما يتصور.

منذ أكثر من عام تواصلَتْ معي ملحدة تونسية وقالت لي إنها من عائلة شيوعية ملحدة.

ولا تفكر في الدين ولا يعنيها.

ثم بعد أيام أرسلت لي تنطق الشهادتين.

فتعجَّبت من حالها.

فقالت لي: حصلت حادثة كبيرة، ولم يبقَ بيني وبين الموت إلا الدعاء، فدعوت ربي ونجَّاني.

العجيب أن الفتاة نفسها عادت للإلحاد بعد هذا الأمر بشهور: {وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا} [الإسراء: 67].

فكلنا يعرف دعاء المضطر، وكلنا يوقن أنَّ الله قريب، وأنه يجيب لحظة الضيق!

فادعُ الله، وتضرَّعْ إليه، فهو قريبٌ مجيبٌ سبحانه.

المراجع

  1. 1 صحيح الترمذي، ح:2969.
  2. 2 صحيح مسلم، ح:1015.
  3. 3 صحيح البخاري، ح:6340.
  4. 4 صحيح البخاري، ح:1162.
التالي → 75 - لماذا هناك نعيم بالنساء في الجنة -عَلاقة بين الرجل والمرأة ف ← السابق 73 - هل كانت الكعبة في الأردن، ونُقلت زمن الخلافة الأموية إلى مكا