ج: قبل أن نجيب عن هذا السؤال نريد أن ننتبه لفكرة ربط الزواج بسنٍّ محددٍ، كما في الأنظمة الغربية.
فالأنظمة الغربية كل ما يشغلها هو ربط الزواج بسنٍّ محددٍ.
فهي تتعامل مع الإنسان على أنه جداول إحصائية وبيانية دون الأخذ في الاعتبار بتفاوت عقل ونضج وثقافة كل إنسان عن غيره.
بينما الإسلام في المقابل يضع قواعد كلية أشمل وأحكم لا بد من التزامها قبل السماح بعقد الزواج.
والآن لنقارن بين شروط الإسلام في الزواج وبين مسألة تحديد السن في الأنظمة الغربية العلمانية، ولننظر أيهما أصلح للفتاة والمجتمع.
أول قاعدة من القواعد الكلية التي لا يصحُّ الزواج إلا بها في الإسلام هي قاعدة: "لا ضرر ولا ضرار".
وهذا أحد أكبر أصول التشريع في الإسلام: "لا ضرر ولا ضرار".
فلو تضرَّرت ابنة العشرين عامًا من الزواج لم يجزْ تزويجها في الإسلام.
فالقضية لا يصحُّ فيها تحديد سن ثابت يُطبَّق على جميع البشر.
فلو تضرَّرت فتاة من الزواج أيًّا كان سنها لم يجز تزويجها.
القاعدة الثانية التي لا يصحُّ الزواج إلا بها في الإسلام هي: موافقة الفتاة، فلو حصل الزواج بغير رضاها ينفسخ العقد ولا يُعتدُّ به.
قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق عليه: "لَا تُنْكَحُ الْبِكْرُ حتَّى تُسْتَأْذَنَ"[1].
فلو تزوَّجت فتاة مسلمة من غير موافقتها لها أن تفسخ عقد الزواج، وكأنه لم يكن.
جاءَتْ فتاةٌ إلى رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسولَ اللهِ، إنَّ أبي زوَّجَني ابنَ أخيهِ يرفَعُ بي خَسيسَتَهُ، فجعَلَ الأمرَ إليها، قالت: فإنِّي قد أجَزْتُ ما صنَعَ أبي، ولكنْ أردْتُ أنْ تَعلَمَ النِّساءُ أنْ ليس للآباءِ منَ الأمرِ شيءٌ[2].
قالت الفتاة: قد أجَزْتُ ما صنَعَ أبي، ولكنْ أردْتُ أنْ تَعلَمَ النِّساءُ أنْ ليس للآباءِ منَ الأمرِ شيءٌ.
هذا تشريع منذ ألف وأربعمِائة عام، وليس تشريعًا مدنيًّا حديثًا.
فما تُمضيه الفتاة في هذه الحالة يَمضي، وما تفسخه يُفسخ.
فشرط صحة الزواج هو أن: تبلغ الفتاة السنَّ الذي تكون فيه أهلًا للاستئذان، ثم تُستأذن.
فإذا كان يلزم استئذان الفتاة، إذن فهي لا بد أن تكون قد بلغت السنَّ الذي تكون فيه أهلًا للاستئذان.
القاعدة الثالثة والتي لا يصح عقد الزواج إلا بها هي: قبول الوَليِّ.
فلا بد أن يقبل وليُّها بهذا الزواج؛ لأن الولي في الأصل أحرصُ الناس على مصلحتها، وبالتالي سيزوجُها بالكُفء المناسب لها في السن المناسب لها.
القاعدة الرابعة والتي أيضًا لا يصح الزواج إلا بها هي: الإعلان والإشهار.
ومِن حِكم الإشهار: الحرصُ على نكاح الأكفأ؛ لاعتبار نظر الناس الذين سيجري إشهار النكاح في وسطهم!
إذا تدبَّرنا هذه القواعد أدركنا حرص الإسلام على الزواج المناسب الكفء الذي لا يحصل به ضررٌ.
وبهذا نستوعب أنَّ تحديد سن للزواج هذا أمر تافه بجوار هذه القواعد الصارمة في تحقيق الأمان الأسري للفتاة؛ لتحقيق زواج لائق بها، ولائق بنفسيتها وكرامتها.
وهناك قول فقهيٌّ قال به كثير من الفقهاء وخالفهم فيه آخرون، وهو جواز أن يُزوِّج الأب ابنته الصغيرة، وهذه الحالة الخاصة اشترط لها الفقهاء الذين أجازوها شرطينِ.
الشرط الأول: ليس لأحد أن يزوج الفتاة الصغيرة إلا الأب.
قال الشافعي رحمه الله : "وإن زوَّجها أحد غير الآباء صغيرة: فالنكاح مفسوخٌ، ولا يتوارثانِ، ولا يقع عليها طلاق، وحكمه حكم النكاح الفاسد في جميع أمره، لا يقع به طلاق، ولا ميراث"[3].
الشرط الثاني لحصول هذه الحالة الخاصة: ألَّا تُسلَّم لزوجها صغيرة، فليس معنى عقد الزواج أن تُسلَّم لزوجها وهي صغيرة.
فهي تبقى في بيت أبيها حتى تكون في سن وعقل ونفسية صالحة للزواج.
لكن هنا التساؤل البديهي: لماذا أجاز الفقهاء هذه الحالة طالما أنها لن تذهب لبيت الزوجية إلا بعد أن تبلغ سنَّ الزواج، ونضج الزواج؟
سمح كثير من الفقهاء بهذه الصورة لأسباب كثيرة.
فهناك حالات تقتضي الحكمة فيها هذه الحالة، بل تكون هذه الحالة هي عين التصرُّف الصائب، كأن تكون الفتاة في زمان أو مكان كثُرت فيه الفتن... هناك حروب... هناك مصائب... الأب يُعاني من مرض قاتل، ولا يجد أحدًا يحفظ ابنته... وقد يكون الأب مُعدَمًا فتحتاج الصغيرة مَن يحفظها ويصونها.... وقد يظهر شخص كفء لا يُفوت ولا يُضيع... قد يظهر شخص فيه الخير لدين الفتاة ودنياها.
فهنا أجاز بعض الفقهاء هذه الحالة.
وهناك فقهاء آخرون منعوا هذه الحالة تمامًا، وقالوا هذه الحالة لا تجوز.
يقول العلَّامة ابن عثيمين رحمه الله في الشرح الممتع في تزويج الأب لابنته وهي صغيرة: "الأصل عدم الجواز؛ لقول النبي : «لا تُنكح البِكرُ حتى تُستأذن»، وهذه بكر، فلا نُزوجها حتى تبلغ السنَّ الذي تكون فيه أهلًا للاستئذان، ثم تُستأذن... وهذا القول هو الصواب، أنَّ الأب لا يزوج بنته حتى تبلغ، وإذا بلغت فلا يزوجها حتى ترضى".
فهناك سنٌّ وطبيعة جسدية ونفسية لبلوغ هذا النكاح.
وقد خطب أبو بكر وعمر ﭭ فاطمة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "إنها صغيرة"[4].
فالإسلام يحرص على مصلحة الفتاة، ونفسية الفتاة، والخير للفتاة.
مشكلة الملحد أنَّه يحرص على تشويه الحق، ويتغافل عن الباطل، ولو امتلأ بأضعاف ما أراد تشويه الحق به.
يكفيك أنْ تعلم أنَّ هناك مائتَي ألف طفلةٍ تزوجْنَ مؤخرًا في أمريكا، ولم نسمع نقدًا من أحد العلمانيين.

بل والأعجب أنَّ النظم العلمانية الغربية تسمح بالزنا، ولا تمنع منه في سنٍّ أصغَرَ بكثير من السن التي يطالب العلمانيون بها شرطًا للزواج في بلادنا.
فالسن القانوني للزواج وممارسة الزنا في بعض الدول الغربية هو 12 سنة.
فعندما تبلغ الفتاة اثنتي عشرة سنة يحقُّ لها قانونيًّا الزواج، ويحق لها قانونيًّا ممارسة الزنا، كما في المكسيك.

والسن الذي يُسمح فيه بالزواج في كندا هو أربع عشرة سنة، ومؤخرًا أصبح ست عشرة سنة.

في سن 14 سنة، يُباح في الغرب ارتكاب الفواحش، بينما يريد الملاحدة والعلمانيون في بلادنا منع الزواج الطاهر العفيف بعد هذا السن بسنوات.
العلمانية تقول للفتاة الغربية: عند اثنتي عشرة سنة مارسي الزنا كما تحبين.
وعندنا في بلاد المسلمين العلمانية نفسها تقول لبناتنا: نريد تأخير الزواج عن سن 18 سنة، وهذا فقط في بلادنا، أما في الغرب فسن 12 سنة كافٍ تمامًا.
يريدون أعوامًا تقضيها الفتاة في المعاصي، والعلاقات العاطفية الفاشلة، والمُحرَّمات، قبل أن تظفر بزواجٍ طاهرٍ عفيفٍ.
وبينما تقوم الدراما التركية، والدراما الكورية، والبي تي إس، والكي بوب بشحن عواطف بناتنا، وبينما تبحث الفتيات عن تفريغ لهذه الشحنات الزائدة في علاقات عاطفيةٍ ومعاصٍ، ويتمُّ استغلالهنَّ عاطفيًّا، وبينما الآباء مُستهلَكون في لقمة العيش، إذا بالعلمانيين يخرجون علينا مُطالبينَ بتأخير الزواج.
مطالبين بزيادة المشهد عبثية.
والذي يثير الدهشة أكثَرَ مما سبق هو: موقف الملحد نفسه، فماذا يريد الملحد بإثارة شبهة زواج القاصرات؟
هل الإلحاد مثلًا يضع شروطًا معينة للزواج؟
هل الإلحاد يمنع من زاوج القاصرات؟
أو يمنع من الزنا؟
أو يمنع من الاغتصاب؟
مشهد مأساوي غريب!
من الجنون أن تدعوني لمذهب يبيح ارتكاب أكبر الفواحش، وليس عنده مشكلة مع أيَّة جريمة بحجة أن الإسلام يجيز زواج القاصرات من وجهة نظرك.
هل الإلحاد يُجرِّم زواج القاصرات أو يجرم الاغتصاب؟
إلحاديًّا لا توجد ذرة في دماغك تخالف قانونًا فيزيائيًّا واحدًا، فكيف عرف الملحد أنَّ الاغتصاب شرٌّ؟
الاغتصاب نفسه إلحاديًّا ليس أكثر من حركة عضلات، ونشاط هرموني، وتمرير جينات في إطار مادي ومصلحة داروينية.
ولذلك عندما سُئل الملحد ريتشارد داوكينز عن الاغتصاب: هل هو خطأ من وجهة نظر الإلحاد، ماذا قال؟
قال: "الاغتصاب خطأ؟! هذا كلام اعتباطي Arbitrary Conclusion"[5].
كيف تقرَّر أنَّ الاغتصاب خطأ في الإلحاد؟
فالملحد الذي يُنكر الاغتصاب هو في الواقع يُرقِّع إلحاده بالقيم الأخلاقية الدينية، حتى يستطيع أن ينكر الاغتصاب، وهذا مِن أعجب ما أنت راءٍ في هذا الزمان.
كَتَبَ أحد أكبر علماء النفس التطوُّريين ويُدعى: راندي ثورينهيل Randy Thornhill وهو يعمل رئيسًا لمجتمع السلوك والتطوُّر، ومتخصص في دراسة الاغتصاب من وجهة نظر إلحادية تطوُّرية.

كتبَ مع كريج بالمر Craig Palmar تطوري آخر، كتبا يقولانِ: "الاغتصاب هو أمر مقبول إلحاديًّا وتطوريًّا تمامًا مثل البقع السوداء في جلد النمر... هل هي خطأ؟ كذلك الاغتصاب ليس بخطأ"[6].
فما الذي يجعل الاغتصاب أو قتل البشر أو أيَّة جريمة خطأً؟
إلحاديًّا لا فرق بين الإنسان وبين ذبابة مايو Mayfly كما يقول تشيت رايماو Chet Raymo[7].
فمِن أين للملحد بالقيم التي يبني عليها إنكاره للاغتصاب أو أية جريمة؟
لا يوجد في الإلحاد ما يميز الإنسان كإنسانٍ.
يقول فرانسيس فوكوياما في كتابه الأشهر نهاية التاريخ: "الإنسان من منظور مادي لا نستطيع أن نميزه عن الطفيليات المعوية"[8].

فالإنسان إلحاديًّا حثالة كيميائية... وَسَخ كيميائي كما يقول ستيفن هاوكنج كما نقلت قبل قليل[9].
يقول أستاذ القانون آرثر ألين ليف Arthur Allen Leff: "لا توجد طريقة لإثبات أن حرق الأطفال، بقنابل النابالم هو شيء سيئ"[10].
فلا توجد جريمة في الإلحاد.
فالإلحاد لا مانع عنده من أي شيء.
لذلك فالملحد الذي يدّعي الإنسانية، أو يطالب بمعانٍ أخلاقية هو في الواقع يحمل ديانتينِ متناقضتينِ في الوقت نفسه.
فهو يؤمن بكرامة الإنسان، ويؤمن في الوقت نفسه بالإلحاد.
وكلاهما لا يجتمعانِ!
المشكلة أنَّ الملحد يعلم بفطرته أنَّ الإنسان خُلَق مُكرَّمًا مُكلفًا.
ويعلم في المقابل من واقع إلحاده أنَّ الإنسان يعادل الحشرة كما يقول الملحد سارتر[11].
لذلك هم يعيشون هذا التناقض الصريح الواضح.
يعيشون تناقضًا بين فطرتهم، وبين واقع إلحادهم الكُفري.
لذلك فلا يستطيع إنسان أن يتعايش مع إلحاده على طول الخط، فالملحد دائمًا يتنكَّر لإلحاده حين يناقش أية قضية أخلاقية.
فما أن يدخل الإلحاد على معنى الإنسان، وعلى القيم الأخلاقية، وعلى حقيقة الإنسان حتى يقوم الإلحاد بتفخيخ كل هذه الأمور.
فلو أَدخلت الإلحاد سيخرج الإنسان فورًا.
سينفجر كل معنى وقيمة وغاية.
فالإلحاد لا يملك نقطة مرجعية للأخلاق، ولا يملك معايير أسْمى من المادة نتحاكم إليها.
لكن كل إنسان يعلم بفطرته وبواقعه الإنساني أنَّ هناك نقطةً مرجعيةً للأخلاق، نؤمن بها جميعًا، ونستطيع نحن جميعًا كل البشر أن نتحاكم إليها.
وعلى أساس هذه النقطة المرجعية للأخلاق تأسَّست المحاكم، ووُضعت القوانين والدساتير.
فمعنى الإنسان لا ينتمي إلى العالم المادي، ولا يمكن تحليل الإنسان من نظرة إلحادية أبدًا.
ولا يمكن من واقع الإلحاد انتقاد زواج القاصرات، أو الاغتصاب، أو القتل، أو أي فعل.
فلو لم تؤمن بأنك مخلوق لله لن تستطيع أن تؤسس للإنسانية، ولن تستطيع أن تنكر أية جريمة.
فالدين ليس ترفًا فكريًّا، بل هو ضرورة فطرية، وضرورة إنسانية.
وهو ضرورة حتمية لفهم الإنسان، وتحليل معنى وجوده، واستيعاب قيمه وأخلاقياته.
وتحت راية الدين فقط تعرف أنك إنسان!
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله : "الدنيا كلها ملعونة معلونٌ ما فيها، إلا ما أشرقت عليه شمسُ الرسالة، فحاجة الإنسان إلى الرسالة أعظمُ وأشدُّ من حاجته لكل شيء"[12].
ويقول نجيب محفوظ الذي قضى دهرًا من عمره في الشك يقول: "الله وحده هو الذي يُعطي القيم معناها، الله وحده هو الذي يعطي الوجود معناه، بدونه لا معنى للوجود، لا معنى للقيم، وبديله هو العبث، اللامعنى"[13].
فالإنسان مفتقرٌ افتقارًا ذاتيًّا إلى الدين... مفتقر افتقارًا ذاتيًّا ضروريًّا إلى الله.
فكيف لملحد أن ينتقد الدين لشبهة لا يستطيع من واقع إلحاده أن ينكرها ابتداءً؟
والعجيب والذي أختم به ردّي على هذه الشبهة أنَّه بدون الدين أصبحت أعلى دول العالم في معدلات جريمة الاغتصاب هي دول غربية علمانية.
فرسميًّا طبقًا لإحصاءات العام 2020 فإنَّ أعلى معدلات اغتصاب في العالم توجد في جنوب إفريقيا والسويد وبريطانيا ونيوزيلندا...
فالدين يعصم عن الجريمة على مستوى الفرد والمجتمع.
