ج: النبي صلى الله عليه وسلم لم يدخل بيوت البِغاء التي تملأ مكة في شبابه ولا مرَّة.
وجاءت شريعته بأشد أنواع العقوبات على الزناة، وجاء فيها الأمر بالغض من البصر، وتحريم الخلوة بالأجنبية، والتشديد حتى في مجرد المصافحة باليد.
وكما قالت عائشة رضي الله عنها في الحديث المتفق على صحته: "وَمَا مَسَّتْ يَدُ رَسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَدَ امْرَأَةٍ قَطُّ"[1].
وظلَّ صلى الله عليه وسلم ثلاثةً وخمسين عامًا لم يتزوَّجْ طوال هذه الأعوام سوى امرأةٍ واحدةٍ كبيرة السن -خديجة رضي الله عنها - فقد قضى أعوام الشباب مع امرأة ثيِّب تكبُرُهُ في السن.
ولم يتزوج بعد ثلاثةٍ وخمسين عامًا من بِكرٍ سوى عائشة، وظلَّ حتى بلغ سبعةً وخمسين عامًا لا يقربها.
ولم يتزوج صلى الله عليه وسلم في السنوات الأخيرة المتبقية من حياته سوى بضع نساء كسيرات القلب.
وأول زوجة تزوَّجها صلى الله عليه وسلم بعد وفاة خديجة رضي الله عنها بـ3 سنوات كانت السيدة سودة، وكان عندها تسعة وستون عامًا حين تزوَّجها؛ إذ تزوَّجها صلى الله عليه وسلم بعد عودتها من الحبشة، وقد مات زوجُها ولم تجد أحدًا يحميها بمكة من بطش المشركين.
ثم بعد سودة رضي الله عنها تزوَّج صلى الله عليه وسلم بالسيدة أم حبيبة رملة بنت أبي سفيان رضي الله عنها بعد أن مات زوجُها بالحبشة، وخاف المسلمون عليها وهي في بلد غريبة، فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى النجاشي يخطبها لنفسه، وكان هذا الموقف الرجولي المبهر من النبي صلى الله عليه وسلم سببًا في إسلام أبي سفيان فيما بعد.
ثم تزوَّج صلى الله عليه وسلم بعد ذلك بالسيدة جويرية بنت الحارث سيِّد بني المصطلِق، والتي أعتق المسلمون بزواجها من رسول الله جميعَ الأسرى والسبايا من بني المصطلق، فأسلمتِ القبيلة عن بَكرة أبيها[2].
وبعد جويرية تزوَّج النبي صلى الله عليه وسلم بالسيدة صفية بنت حيي بن أخطب رضي الله عنها بعد غزوة خيبر.
وهنا قد يسأل سائل، وهذا السؤال يطرحه الملاحدة كثيرًا: كيف تزوَّج النبي صلى الله عليه وسلم بالسيدة صفية بعد أن قُتل أبوها وزوجها في غزوة خيبر؟
والجواب: هؤلاء أبوها وزوجها كانا أشدَّ الناس عداوةً للنبي صلى الله عليه وسلم ، فأبوها حُيي بن أخطب هو الذي ألَّب القبائل على غزوة الأحزاب، فكان يجمع الأحزاب؛ ليهاجموا مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ويستأصلوا شأفة الإسلام والمسلمين.
وبعد غزوة خيبر وبعد مقتل حُيي بن أخطب أقرَّت صفية رضي الله عنها بجُرم أبيها أمام النبي صلى الله عليه وسلم ، وقد خيَّرها النبي صلى الله عليه وسلم بين الإسلام والزواج منه وبين العتق، وأن تلحق بأهلها فاختارت الله ورسوله.
لَمَّا دَخَلَتْ صَفِيَّةُ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم ، قَالَ لَهَا: "لَمْ يَزَلْ أَبُوكِ مِنْ أَشَدِّ يَهُودَ لِي عَدَاوَةً حَتَّى قَتَلَهُ اللَّهُ"، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ اللَّهَ يَقُولُ فِي كِتَابِهِ: وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ: "اخْتَارِي، فَإِنِ اخْتَرْتِ الإِسْلامَ أَمْسَكْتُكِ لِنَفْسِي، وَإِنِ اخْتَرْتِ الْيَهُودِيَّةَ فَعَسَى أَنْ أُعْتِقَكِ فَتَلْحَقِي بِقَوْمِكِ"، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَقَدْ هَوَيْتُ الإِسْلامَ، وَصَدَّقْتُ بِكَ قَبْلَ أَنْ تَدْعُوَنِي حَيْثُ صِرْتُ إِلَى رَحْلِكَ، وَمَا لِي فِي الْيَهُودِيَّةِ أَرَبٌ، وَمَا لِي فِيهَا وَالِدٌ وَلا أَخٌ، وَخَيَّرْتَنِي الْكُفْرَ وَالإِسْلامَ، فَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنَ الْعِتْقِ، وَأَنْ أَرْجِعَ إِلَى قَوْمِي"[3].
فحياة النبي صلى الله عليه وسلم الخاصة لم تكن ملكًا له، وإنما هي مِلك لأُمته، فزوجاته صلى الله عليه وسلم نقلْنَ سيرته وحياته وشرعه.
وأصبحت عائشة رضي الله عنها ثاني أعظم راوٍ للحديث في تاريخ الإسلام.
ففي زيجاته صلى الله عليه وسلم الخيرُ لعموم الأمة إلى قيام الساعة.