ج: حديث: "لَا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بكافِرٍ"، لا يعني: أنَّ دم الكافر المعاهَد أو الذمي بلا قيمةٍ.
وإلا فهل حديث: "لا يُقْتَلُ والدٌ بولدِهِ"[1] يعني أنَّ دم الولد بلا قيمة؟
الولد دمه حرام، وقتله من أكبر الكبائر.
والكافر المعاهَد والذمي دمُهُ حرام، وقتله من أكبر الكبائر.
قال النبي صلى الله عليه وسلم : "مَنْ قَتَلَ مُعَاهَدًا لَمْ يَرِحْ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ"[2].
ثم إنَّ حديث: "لَا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بكافِرٍ" ليس على إطلاقه، فلو أنَّ مسلمًا استدرج كافرًا أو خدعه حتى قتله، فهنا يُقتل المسلم بالكافر، وهذا مذهب الإمام مالك، والإمام الليث بن سعد، والإمام أبي حنيفة.
وإذا قتل المسلمُ كافرًا فللحاكم أن يُطبق أية عقوبة تعزيرية يراها؛ ليمنع تكرار هذه الجريمة.
لكن هل الإسلام يقرر أنَّ المسلم أفضل من الكافر؟
والجواب: نعم طبعًا، هذه عقيدة.
فهذه عقيدتنا في الكافر.
للأسف كثير من المسلمين أصبحوا يستحون من الاستعلاء بالإسلام، فقد استطاع الغرب أن يُسقط قيمة الاستعلاء بالدين من قلوب الناس.
فالغرب والثقافة الغربية تلعب باستمرار على وتر عدم تفضيل إنسان على آخر على أساس الدين.
في حين أنَّ الغرب يُفاضل بين الناس على أساس أمور أخرى علمانية أرضية مادية دنيوية.
مثال على ذلك: الشخص الحاصل على الجنسية في الغرب أعلى درجةً بمراحل من غير الحاصل على الجنسية.
فهناك تمييز واضح على أساس المواطنة، وعلى أساس الجنسية.
فمَن يحصل على الجنسية في بلد غربي يكون وضعه المالي والوظيفي والقانوني أفضَلَ بكثير من غير الحاصل على الجنسية.
ولذلك يستميت بعض الناس من أجل الحصول على الجنسية.
فالمواطن الغربي الحاصل على جنسية له حقوقٌ أكثر بكثير من الإنسان العادي.
والغرب يُلزِم مواطنيه بدستوره العلماني، وليس من حق المسلم أن يُطبق شريعة دينه حتى في قوانين الأحوال الشخصية.
فالمسلم الفرنسي مُلزَم بالدستور العلماني الفرنسي، والمسلم الهولندي مُلزَم بالدستور العلماني الهولندي، والمسلم الصيني مُلزَم بالدستور العلماني الصيني.
فمركز القيمة في الغرب هو القيم العلمانية الأرضية الدنيوية.
أما مركز القيمة في الإسلام فهو الدين، وليس الجنسية، أو اللون، أو كل هذه الأفكار الأرضية.
فكل أُمة مركز القيمة عندها هو المعيار.
فهناك تفاضل في الغرب على أساس الدنيا، وهناك تفاضل في الإسلام على أساس الدين.
فأيُّهما أولى وأحق: اتباع الدنيا أم اتباع الدين؟
اللعبة اللي يلعبها الغرب أنه يجعلك تخجل من مركز القيمة عندك، ويريد منك أن تستورد منه مركز القيمة الخاص به، والذي هو القيم الأرضية الدنيوية الساقطة.
في الغرب تتمُّ زيادة الراتب، ويتبدل الوضع الاجتماعي بالكلية بمجرد الحصول على ورقة الجنسية.
في الإسلام التفاضل عند الله بالتقوى والعمل الصالح؛ ولذلك فقطعًا المسلم أفضل من الكافر.
وليس معنى ذلك أن الكافر يُظلم في الدولة المسلمة.
ففي الإسلام ليس كون المسلم أفضل من الكافر أننا نظلم الكافر أو نؤذيه.
بل في الإسلام يُنفَق على الكافر العاجز عن الكسب من بيت مال المسلمين.
وفي الإسلام يحقُّ لغير المسلم أن يطبق تعاليم دينه في قوانين الأحوال الشخصية كيف شاء.
فلا توجد تعدُّدية حقيقية إلا في الإسلام، وشرع الإسلام.
وفي كتـاب المغني لابن قدامة تأتي هذه المسألة: "مجوسيٌّ تزوج ابنته فأولدها بنتًا ثم مات عنهما فلهما الثلثان".
فهنا يتحدَّث المصنِّف رحمه الله عن: زواج المجوسي من ابنته، وهذا مقبول في شريعتهم، فيحكي ابن قدامة تقسيم التركة في هذه الحالة.
هل تُتيح النظم العلمانية هذه التعدُّدية التي أقرَّها الإسلام منذ 1400 عام؟
في الإسلام لا يجوز إيذاء الكافر المعاهَد أو الذمي بأي صورة من صور الأذى.
قال النبي صلى الله عليه وسلم : "أَلَا مَن ظلمَ مُعاهدًا، أوِ انتقصَهُ، أو كلَّفَهُ فوقَ طاقتِهِ، أو أخذَ منهُ شيئًا بغَيرِ طيبِ نفسٍ، فأَنا حَجيجُهُ يومَ القيامةِ"[3].
فالنبي صلى الله عليه وسلم حجيجُ مَن يظلم كافرًا يوم القيامة.
تخيَّل لو أنَّ رئيس دولة أوروبية خرج على شعبه ليقول لهم: أنا سأقف بنفسي في ساحة المحكمة أمام أي مواطن يظلم شخصًا غريبًا عن هذه البلد.
لن يصدقه أحد.
سيتحوَّل لأيقونة في العالم.
لكن نفس هذا الكلام قاله النبي صلى الله عليه وسلم منذ أكثر من ألف وأربعمائة عام.
في الغرب يُسنُّون باستمرار قوانين تُقيد الهجرة، وتُضيق على المهاجرين.
فهذا هو الفرق بين تشريع الإسلام وبين علمانية الغرب اليوم.
الإسلام نعم استعلاء وعزة بالإيمان، لكنَّه في الوقت نفسه عدل وحكمة ورحمة مع غير المسلم.
الغرب استعلاء دنيوي أرضي، ويلزم الجميع بقوانينه.