ج: نعم!
فازدراء الإسلام هو تعدٍّ على حرية الآخرين، وسلب لآخرة الناس.
فالهجوم على الإسلام ليس موقفًا يسيرًا أو هيِّنًا، بل قد ينتج عنه تضييع آخرة الناس، حيث يُفتن شخص فيرتد.
وأنا أتعجَّب من ملحد صفيقٍ يخرج ويطلب من الناس أن يسمحوا له بحرية التعبير، وحرية الرأي، وحرية نقد المقدسات!
تخيل مجرمًا قاطعَ طريقٍ يطلب من الناس أنْ يسمحوا له بقتلهم، وسرقة أموالهم.
هذه الصورة غير مُتصوَّرة.
لكن الصورة الأشدَّ منها أنْ يطلب ملحد من الناس أنْ يسمحوا له بنشر الكفر والإلحاد، وإعطائه حرية التعبير في الهجوم على دينهم.
فالفتنة عن الدين أشدُّ على الإنسان من قتله.
لأن الفتنة عن الدين تؤدي لتضييع الآخرة، بينما القتل يؤدي لتضييع الدنيا.
مَن أراد أن يعبد حجرًا في بيته فليفعل.
مَن أراد أن يكفر بربه في بيته فليفعل.
أما أن يُعلن إنسان كفره وردَّته ويبدأ في نشر الشبهات والتشكيك في الإسلام باسم حرية النقد، ويغرر بالشباب الصغار، فهنا الإسلام يُجرِّم هذا الأمر بأقصى أنواع العقوبات.
فهذه جريمة من أكبر الجرائم في المجتمع الإسلامي.
لو كان صاحب شبهةٍ أُجيب عن شبهاته حتى يطمئن.
لو كان يريد أدلَّة على صحة الدين، تُعرض عليه الأدلة ما رُجيت توبته، ولو ظل يبحث ألف عام[1].
لكن المشكلة هي مع مَن يُظهر ردَّته بين الناس؛ ليفتنهم، ولا يريد البحث عن الحق.
المشكلة مع مَن يدعو الناس لكفره.
وهنا لك أن تسأل: لماذا يرفض الملحد قطعَ الطريق والقتل والسرقة، في حين أنه يقبَلُ بكل أريحية ازدراء الإسلام، ويعتبر أنَّ هذا أمر طبيعي؟
والجواب: لأن الملحد يعاني من خلل شديد في التصوُّر.
فالملحد يرى أنَّ أيَّ إضرار دنيوي بالبشر، كسرقتهم أو قتلهم أو إيذائهم، فهذا يلزم معه العقاب.
أما أي إضرار بآخرة الناس فهذه حرية شخصية لا تجوز فيها العقوبة.
والملحد يقبل بتضييع آخرة الناس، ولا يقبل بأي ضرر بدنيا الناس؛ لأنه لا يؤمن بالآخرة أصلًا، فرؤيته دنيوية مادية قاصرة.
فهذا خلل في التصوُّر عند الملحد؛ نتيجةً لكفره، فلا يُلزِمُنا الملحد بنظرته القاصرة هذه، ففي الإسلام تضييع دنيا الناس جريمة، وتضييع آخرة الناس جريمة.
وتضييع الآخرة أكبر من تضييع الدنيا بلا جدال، فكل أموال ونِعم الدنيا هي أشياء عَرَضية زائلة.
فالدنيا مجرد قنطرة في مقابل عالم أخروي أبدي.
فمحاولة الملحد نشر الكفر هذا أخطر على الناس ألف مرة من قطع الطرق، ومن قتل الناس.
فمن يقطع الطريق منتهاه تهديدُ حياة الناس وعالمهم المادي، أما من يفتنُ الناس عن دينهم، فهذا يهدد آخرة الناس ويسرقها منهم، فهذا لصٌّ من لصوص الآخرة، وهذا أشد الناس إجرامًا ولا ريب.
ولذلك يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله : "والمحاربة باللسان في باب الدين قد تكون أنْكى من المحاربة باليد"[2].
فتزيين الكفر، وقلب المفاهيم، وإلقاء الشبهات، قد يكون أخطر على الأمة من حرب منظمة.
وهنا قد يسأل ملحد: وهل من حق الإسلام تجريم ازدراء الدين؟
والجواب: نعم، هذا من حقه!
فالإسلام له حقُّ تشريع ما يمنع من الإضرار بعالمِك الدنيوي وعالمِك الأخروي.
الإسلام يُجرّم ويُعاقب من يتعرَّض لدنيا الناس بالخطر، وكذلك يُجرّم ويُعاقب من يتعرَّض لآخرة الناس بالخطر.
العلمانية تشرع القوانين التي تحافظ على النظام المادي العلماني الأرضي الدنيوي الترابي، وتُجرّم أي إخلال بهذا النظام العلماني، وتمنع أي تشكيك في القيم العلمانية، وسنذكر الأمثلة بعد قليل.
كذلك الإسلام له حقُّ التشريع، وحفظ دنيا الناس، ودين الناس.
فالإسلام يحفظ أموال الناس وآخرة الناس، ومن حق الدولة المسلمة أن تمنع العبث بأصول الملَّة، وأن تعاقب لصوص الآخرة.
مشكلة الملحد أنه يريد أن تكون العلمانية هي المُشرع الأوحد، وهي فقط التي من حقها أن تحافظ على نظامها.
وهذا من خفَّة العقل، فالإسلام أيضًا له حقُّ التشريع.
وهنا قد يسأل سائل: لكن العلمانية تقبل أن يتمَّ انتقاد أي دين على أرضها، أليس كذلك؟
والجواب: هذا صحيح!
لأن المركز في النظام العلماني هو العلمانية، وبالتالي انتقدْ أيَّ دين كما أردت.
فمحور النظام هو العلمانية هو: المادَّة... الدنيا... التراب.
لا يرون للدين شأنًا حتى يرفضوا انتقاده.
فمحور النظام هو العلمانية.
فهم لا مشكلة عندهم مع نقد أي دِين، لكنهم في المقابل يرفضون أن تنتقد القيم الأساسية للعلمانية، فالمركز هو العلمانية وليس الدين.
فإذا كنت مقيمًا في ألمانيا وأردت عمل بحث تاريخي يُشكّك في أعداد اليهود في الهولوكوست، فساعتها سيكون مصيرك السجن.
فمجرد القيام ببحث علمي يُشكّك في إحدى القيم العلمانية هذه جريمة في النظام العلماني.
وفي النمسا يتمُّ السجن عشرون عامًا لمن يُشكّك في أعداد اليهود الذين أحرقهم النازي.

وفي التشيك يتمُّ السجن لمدة ثماني سنوات لمن يجري هذا البحث التاريخي.

وهذه المرأة العجوز صاحبة الثمانية والثمانين عامًا حُبست في ألمانيا قبل سنوات؛ لأنها شكَّكت في الموضوع نفسه.

وهناك ست عشرة دولة أوروبية تُجرّم البحث التاريخي في أعداد اليهود الذين تمَّ إحراقهم في محرقة الهولوكوست.
فهذا مثال على قوانين داخل الدستور العلماني يُمنع التشكيك العلمي التاريخي فيها بأية صورة.
فالمركز في النظام العلماني كما قلتُ هو القيم العلمانية، وليس الدين، فانتقد الدين كما تحب في النظام العلماني، لكن لا يُسمح لك مجرد الاقتراب من القيم العلمانية.
وهناك عقوبات في بعض الدول العلمانية مثل فرنسا لمجرد ارتداء حجاب؛ لأن الحجاب بنظرهم يمثل تهديدًا للقيم العلمانية.
فالقيم العلمانية لا يجوز المساسُ بها في النظام العلماني.

بل إنَّ النظام العلماني الإلحادي في كوريا الشمالية يمنع مجرد الدفاع عن الدين.
ولو وجدوا في بيتك كتابًا مقدسًا تُقتل.
وهذا الأمر على غرابته لكنه حقيقيٌّ.

والنظام العلماني الإلحادي يُجرّم العلوم التجريبية لو أتت مناقضة للإلحاد.
وأشهر مثال على ذلك هو الليسنكوية Lysenkoism.
والليسنكوية هي: حملة قام بها العلمانيون الملاحدة في الاتحاد السوفيتي السابق ضد علماء الوراثة.
فأي عالم وراثة كان يُدرس قوانين مندل للوراثة كان يتمُّ إعدامه.
والسبب في ذلك أنَّ قوانين مندل للوراثة تُقرر أنَّ الصفات المكتسبة لا تُورث، وهذا يمثل مشكلة لنظرية التطوُّر.
فتمَّ تجريم تدريس قوانين مندل للوراثة.
وفي يوم 6 أغسطس من عام 1940 تم إعدام أكبر عالم وراثة تقريبًا في العالم نيقولاي فافيلوف Nikolai Vavilov.
كان فافيلوف يتكلَّم خمس عشرة لغةً، وكان قد جمع ربع مليون عينة نباتاتٍ، لكن كان يدافع عن قوانين مندل للوراثة.
فتم اعتقاله وتجويعه قسريًّا في سجن ساراتوف حتى الموت[3].
تم مؤخرًا إطلاق اسم نيقولاي فافيلوف على أحد الكويكبات المُكتشفة حديثًا.
وقد كان هناك أكثر من ثلاثة آلاف عالم تمَّت إبادتهم في الاتحاد السوفيتي السابق.
وكانت هناك أكاديميات علمية عملاقة سُويت بالأرض؛ لأنها تدرس علومًا ضد الفكرة المادية الإلحادية[4].
فالنظام العلماني والإلحادي عمومًا يقبلون التشكيك في الدين هذا طبيعي؛ لأن مركز القيمة عندهم هي العلمانية والمادية.
أما الإسلام فمركز القيمة فيه هو الدين.
لذلك لا يقبل الإسلامُ بازدراء الدين أو نشر الكفر بين الناس.
مشكلة العلمانية كما قلت إنها تريد أن تكون وحدها هي المُشرع الأوحد.
وأن تكون العقوبات فقط لمن يخالف قوانين العلمانية.
وهنا قد يرد سؤال إلى الذهن: هل المرتد خطير؟
والجواب: نعم!
فمرتدٌّ واحد قد يكون أخطر على العالم من كل قُطّاع الطرق والقتلة مجتمعين.
وقبل سنوات ظهر شاب مرتد في ألبانيا يُدعى أنور خوجة ابن الحاج خليل خوجة.
وقد وصل هذا الشاب للحكم في ألبانيا.
فماذا كانت النتيجة؟
تم تدمير 2169 مسجدًا وكنيسةً ومعبدًا حيث تمَّت تسويتهم بالأرض.

قام أنور خوجة رسميًّا بمنع كل الديانات من بلده، وحاربها بعنفٍ شديدٍ.

فهذه نتيجة: مرتد واحد!
فالردَّة من أخطر الأمور على دين الناس ودنياهم.