ج: هذا سؤال مهم؛ لأن الملحدين يُكثرون الكلام فيه.
في حديث عائشة رضي الله عنها : "كَانَ فِيمَا أُنْزِلَ مِنَ القُرْآنِ: عَشْرُ رَضَعَاتٍ مَعْلُومَاتٍ يُحَرِّمْنَ، ثُمَّ نُسِخْنَ، بخَمْسٍ مَعْلُومَاتٍ، فَتُوُفِّيَ رَسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم ، وَهُنَّ فِيمَا يُقْرَأُ مِنَ القُرْآنِ"[1].
وعندنا آية الرجم: "الشَّيْخُ وَالشَّيْخَةُ إِذَا زَنَيَا فَارْجُمُوهُمَا الْبَتَّةَ".
وعندنا آيات أخرى كانت فيما يُقرأ من القرآن.
فهل هذه الآيات كانت قرآنًا ثم رُفعت؟
هل كانت وحيًا من عند الله؟
والجواب: نعمْ، كانت هذه الآيات مما أوحى الله إلى نبيِّهِ من بيان الأحكام.
فكانت من وحي الله؛ لبيان الأحكام الشرعية.
لكنها لم تكن قرآنًا متلوًّا.
فلم تكن من رسم القرآن ولفظه.
وقبل أن ندخل في هذا الموضوع لا بد أن نعلم أن وحيَ الله لنبيه ليس كله قرآنًا، وهذا لا خلاف عليه بين المسلمين.
فالحديث القُدسي من وحي الله لنبيِّهِ، وهو ليس قرآنًا بالإجماع.
"إنَّ رُوحَ الْقُدُسِ نَفَثَ في رُوعِي"[2] هذا أيضًا ليس بقرآنٍ.
والصحابة كانوا يعلمون ذلك.
وهناك قصة ابن مسعود مع المعوذتَينِ.
فابن مسعود رضي الله عنه كان يظن في بادئ الأمر أنَّ المعوذتَينِ من وحي الله لنبيِّهِ لكنهما ليستا قرآنًا فلم يُثبتْهما في مصحفه، فلما ثبت لديه أنهما من القرآن المتلوّ أثبتهما[3].
إذنْ عندنا وحي إلهي مبيِّن غير القرآن الكريم.
ومن جملة الوحي المبيِّن هذه النصوص التي ذكرْناها كآية الرجم، وآية عشر رضعات معلومات يحرمن وغيرهما.
فهذه النصوص ليست من القرآن المتلوّ، وإنما هي من وحي الله؛ لبيان الأحكام الشرعية.
قال الإمام ابن جرير الطبري أكبر أئمة التفسير، وشيخ المفسرين، قال في تهذيب الآثار: "وَأَمَّا قَوْلُ عُمَرَ: لَمَّا نَزَلَتْ آيَةُ الرَّجْمِ أَتَيْتُ النَّبِيَّ فَقُلْتُ: أَكْتِبْنِيهَا، وَكَأَنَّهُ صلى الله عليه وسلم كَرِهَ ذَلِكَ، فَفِيهِ بَيَانٌ وَاضِحٌ أَنَّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ الْمُنْزَلِ كَسَائِرِ آيِ الْقُرْآنِ؛ لأَنَّهُ لَوْ كَانَ مِنَ الْقُرْآنِ لَمْ يَمْتَنِعْ مِنْ إِكْتَابِهِ عُمَرَ ذَلِكَ، كَمَا لَمْ يَمْتَنِعْ مِنْ إِكْتَابِ مَنْ أَرَادَ تَعَلُّمَ شَيْءٍ مِنَ الْقُرْآنِ مَا أَرَادَ تَعَلُّمَهُ مِنْهُ"[4].
إذنْ يقرر الإمام الطبري رحمه الله أنَّ هذه الآيات لو كانت من القرآن المتلوّ لما منع النبي صلى الله عليه وسلم من كتابتها في المصحف.
فآية الرجم لم تُكتب في المصحف بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم ، وحين طلب عمرُ من النبي صلى الله عليه وسلم كتابتها رفض.
أخرج النسائي عن عمر رضي الله عنه قوله: "يَا رَسُولَ اللهِ، أَكْتِبْنِي آيةَ الرَّجْمِ، قال: لا أستطيعُ ذاكَ"[5].
وعندما كان يكتب ابن العاصِ وزيد بن ثابتٍ المصاحفَ، فقال زيدٌ: سمعتُ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يقولُ: "الشَّيْخُ وَالشَّيْخَةُ... آية الرجم"، فقال عُمَرُ: لَمَّا أُنزلتْ هذهِ أتيتُ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم فقلتُ: أَكْتِبنِيها، قال شُعبةُ: فكأنَّهُ كَرِهَ ذلكَ[6].
فإذا كانت هذه الآيات من القرآن المتلوّ ثم رُفعت، فلماذا مَنع النبي صلى الله عليه وسلم من كتابتها مع المصحف ابتداءً؟
إذن فهذه الآيات هي وحيٌ من الله؛ لبيان أحكام القرآن، لكنها ليست من رسم القرآن وألفاظه.
لذلك خشي النبيُّ صلى الله عليه وسلم أن تُكتب فتختلط بالقرآن.
قال أبو جعفر النحاس وهو إمام علم الناسخ والمنسوخ قال: "ليس حكمه -هذه الآيات- حكم القرآن الذي نقله الجماعة عن الجماعة، ولكنه سُنة ثابتة، وقد يقول الإنسان: كنت أقرأ كذا لغير القرآن"[7].
فقول الصحابة وقول عائشة كانت -هذه الآيات- مما نقرأ من القرآن لا يُقصد به القرآن المتلوّ برسمه ولفظه، وإنما هي آيات مفسرات للقرآن، فهي وحي يبين الأحكام، وليست من القرآن المتلوّ.
ولذلك لم يَثبت في حديثٍ واحدٍ صحيحٍ أن النبي صلى الله عليه وسلم أثبت قُرآنيَّة آيةٍ من هذه الآيات، أو عرضها عليه جبريل كما كان يعرض عليه القرآن.
فهذه كلها آيات مفسرات لأحكام القرآن، ومُبيِّنة لمجملات القرآن.
والله أعلم.
وهذا لا يمنع لا شرعًا ولا عقلًا أن يكون هناك نسخُ تلاوة، بحيث تكون هناك آية متلوَّة، ثم تُنسخ وتُرفع، فهذا غير ممتنع لكن ظاهر النصوص في مجموعها يُؤكد أن هذه الآيات مفسرات للقرآنِ، ولم تكن من القرآن المتلوّ من البداية.